العنوان السودان: التفاوض مع «قطاع الشمال» في الحركة الشعبية.. إشكاليات وعقبات
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013
مشاهدات 61
نشر في العدد 2047
نشر في الصفحة 18
السبت 06-أبريل-2013
أحيط الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» علمًا بقبول حكومة السودان التفاوض المباشر مع «قطاع الشمال» في «الحركة الشعبية لتحرير السودان», ولكن السؤال هل ستتفاوض الحكومة مع هذا القطاع بتعريف حددته الأمم المتحدة في قرار مجلس الأمن؛ أي مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال», أم ستتفاوض مع أبناء المنطقتين جنوب كردفان؛ أي جبال النوبة, وجنوب النيل الأزرق، وهي المناطق التي أطلق عليها اسم «المناطق المهمشة»؟
* الحكومة تعلم أن «قطاع الشمال» عاجز عن نقل نفسه من جيش يحمل السلاح إلى حزب سياسي له برنامج واضح.
* هناك جدل عن جدوى المفاوضات مع أشخاص تمردوا وهم في الحكم.
إن تحديد هوية المفاوض هو أمر غاية في الأهمية؛ لأن الحكومة سبقت وأن جلست مع هذا القطاع في سبتمبر من العام الماضي, وكانت المفاجأة أن قضايا المنطقة الأساسية لم تكن مطروحة، وأهمها جبال النوبة!
ضرورة التوصيف
واليوم, الشيوعي الذي أصبح من قادة الحركة الشعبية، بقيادة «جون قرنق», أصبح بعد الانفصال مواطنًا شماليًا لا مقام له في دولة الجنوب، ولكنه نصب أمينًا عامًا لقطاع الشمال، وهو لا يمثل المنطقتين اللتين تدور فيهما الحرب فهو من وسط السودان وبالتحديد منطقة «الحصاحيصا» بولاية الجزيرة, فلا بد من إبعاده من طاولة المفاوضات والجلوس فقط مع أبناء المنطقة؛ لأن ياسر عرمان بخلفيته الشيوعية الملحدة سيكون معبرًا عن أفكار وخطط الحزب الشيوعي وقوى اليسار الجديد لا عن أولئك الذين يكتوون بنار الحرب.
لا شك أن هناك جدلًا وتشكيكًا من جدوى المفاوضات مع هؤلاء المتمردين الذين تمردوا وهم في الحكم، حيث إن مالك عقار كان واليًا لولاية النيل الأزرق يوم أن هاجم جنوده قوات الحكومة والمواطنين يوم عيد الفطر منذ عامين، كما أن عبد العزيز الحلو كان واليًا لجنوب كردفان، ثم لم يحالفه الفوز في الانتخابات، ورغم أن الوالي الفائز عرض عليه منصب نائب الوالي، فإنه غدر وتمرد واحتمى بدولة الجنوب التي تعد الجيش الشعبي في المنطقتين الملتهبتين بالسلاح والرجال.
الفريق المتوجس من اندفاع الحكومة للتفاوض مع قطاع الشمال يرى أنه لابد من وضع توصيف دقيق لهذا القطاع، ففي رأيهم أنه ليس فصيلًا مستقلًا وحركة سياسية وعسكرية وطنية المنشأ والتوجه, بل هو صدى لحركة في دولة أخرى تتبني مشروعًا عصريًا إقصائيا يسمى بـ«مشروع السودان الجديدة», والحركة اسمها «الحركة الشعبية التحرير السودان»، والهدف المستور أو المعلن إن أمكن الجهر هو «طرد الإسلام والعرب من السودان».
مشكلة جبال النوبة
والي ولاية جنوب كردفان أحمد هارون لخص مشكلة جبال النوبة التي تقع ضمن ولايته؛ أن المفاوضين من أبناء الجبال وجنوب النيل الأزرق في «نيفاشا» كانوا يأملون في الحصول على حق تقرير المصير للمنطقتين, هذا الحق الذي لا يعبر عن مشكلات المنطقة أو قضاياها ومطالب سكانها، وعندما صعب الحصول على حق تقرير المصير ظهرت حالة التوهان بعد توقيع اتفاقية السلام, واستشهد هارون بكتاب «هيلدا جونسون» وزيرة التعاون النرويجية, وعضو أصدقاء «الإيقاد» (اندلاع السلام) التي ذكرت فيه مطالبتها من قبل «جون قرنق» زعيم تمرد الجنوب, أن تتحدث بشكل فردي مع عبد العزيز الحلو، ممثل الجبال, ومالك عقار، ممثل جنوب النيل الأزرق في «الحركة الشعبية» عند مطالبتهما بحق تقرير المصير.
وقالت: جلست معهما وأقنعتهما بالمشورة الشعبية التي لا تعني الاستفتاء، ووافق عليها القياديان وكان «قرنق» سعيدًا». المشورة الشعبية لا تعني الاستفتاء على حق تقرير المصير، إنما تسعى لتحقيق قدر كبير لتنفيذ مستوى العدالة الاجتماعية بالمنطقة, وتحقيق التنمية, مع الاعتراف واستصحاب الموروث الثقافي والتنوع الاجتماعي، وكل هذا يجب أن تجيب المنطقة عنه بنفسها عبر أحزابها ومؤسساتها ومجموعاتها لا عبر فئة معينة.
من الغريب أن الطرف الحكومي المتحمس للمفاوضات مع قطاع الشمال مقتنع تمامًا أن القطاع المذكور عاجز تمام العجز عن نقل نفسه من جيش يحمل السلاح لمحاربة الحكومة إلى حزب سياسي له برنامج واضح مقنع لأبناء المنطقتين؛ ليتحول الصراع من صراع بالبندقية إلى تسابق لصناديق الاقتراع ليختار الشعب حاكمه بحرية تامة دون تأثيرات وضغوطات خارجية أو ارتباط بجهات أجنبية.
اللواء معاش إبراهيم نايل إيدام, عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، وأحد أبناء جبال النوبة، نفى أي توجه لأبناء النوبة وولاية جنوب كردفان في تقرير مصيرهم, وصب جام غضبه على قيادات قطاع الشمال الذين يمارسون تضليل الشعب بدعاوى لا يمكن تحقيقها وألقى باللوم على جميع الحكومات المتعاقبة على حكم السودان منذ الاستقلال، وحملها مسؤولية تردي الأوضاع في المنطقة مما نتج عن ذلك الأزمات التي أدت إلى الحرب، وطالب لحل المشكلة أن تكون التنمية متوازنة وعادلة.
دعوة لحوار مفتوح: الحكومة على كل حال حسمت أمرها وقبلت رسميًا التفاوض, وترى أن الجو السياسي ملائم لفتح حوار عريض مع كافة القوى السياسية المعارضة والجهات الحاملة للسلاح أيضًا، لا سيما ما أعلنه النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه في مؤتمر صحفي حاشد, أن اللقاء الذي تم بينه وبين د. علي الحاج, نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الذي يرأسه د. حسن الترابي، جاء بمخرجات إيجابية في سياق مساعي الحكومة لجمع الصف الوطني في اتجاه بلورة تطور دستوري ينبذ العنف، ويؤكد سلمية السلطة وأبدى السيد النائب الأول استعداد الحكومة لمقابلة أي شخص على هذا الصعيد، وأن مبادرتها في هذا الخصوص تعلي من شأنها، ويطيل من قامتها الالتقاء بالخصوم السياسيين وأكد أن اللقاء الذي تم بين الرجلين في ألمانيا حيث يقيم د. علي الحاج منذ عقد من الزمان تطرق إلى بحث قضايا البلاد، وإلى المهددات التي تحيط بها، وأعرب عن تقديره للروح التي لمسها من علي الحاج من حيث شعوره العميق بالتحديات والأخطار التي تواجه البلاد، وأشار السيد طه أنه اتفق مع علي الحاج على طرح المبادرات، وأنه في هذا الصدد مستعد للقاء د. حسن الترابي إذا كان ذلك سيؤدي إلى دفع الأمور إلى الأمام.
* ياسر عرمان بخلفيته الشيوعية الملحدة سيكون معبرًا عن أفكار وخطط الحزب الشيوعي وقوى اليسار الجديد لا عن أولئك الذين يكتوون بنار الحرب.
وضع العراقيل
وفي الوقت الذي فيه تندفع الحكومة إلى الحوار والتفاوض لإيجاد حلول لمشكلات البلاد، يتخوف الوسط السياسي من تدخل بعض المتضررين من التقارب والتفاهم المطروح الآن إلى وضع عراقيل في الطريق؛ بقصد تشتيت الجهود وإرباك السير, فقد ورد في الأنباء أن الرئيس «البشير» تلقى رسالة من الوسيط الأفريقي «أمبيكي» يحث فيها الحكومة للمضي في حل قضية «أبيي» ولا شك أن الحكومة راغبة في الحل, ولكن قضية «أبيي» معقدة، ويحتاج الأمر إلى وقت.