العنوان السنة ومكانتها في التشريع..
الكاتب د. عبد الكريم زيدان
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1978
مشاهدات 204
نشر في العدد 407
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 08-أغسطس-1978
القذافي.. أهي ردة عصرية؟
في محور القضية الخطيرة التي أثارها القذافي حول السنة، ورأيه في عدم وجوب الأخذ بالسنة، واعتبارها من أسس التشريع الإسلامي، كان رأينا ولا يزال أن منطلق رفضنا لمثل هذه البدع العصرية إنما ينطلق أولًا وقبل كل شيء من إيماننا العميق بأنه يجب علينا التمسك بكل توجيه من المولى جل وعلا ومن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالمولى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ﴾ (الحشر: 7)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي.. عضوا عليها بالنواجذ».
من هذا المنطلق نرفض أي دعوة بعدت في زمانها أو قربت، صغر من قالها أو كبر لإقصاء السنة وعدم العمل بها.. هذا المفهوم الإيماني الأصيل والذي حفظ للأمة مقوم بقائها ونقاء شرعتها الإسلامية لم يمنعنا من مناقشة القذافي على أسس علمية منطقية في الأعداد السابقة؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وها نحن في هذا العدد نواصل حملتنا ضد هذه الردة العصرية الخطيرة، فنقدم لقرائنا الكرام مبحثًا جيدًا في السنة ومكانها في التشريع الإسلامي.. مقتبس من كتاب المدخل للدكتور عبد الكريم زيدان حتى يتثبت المسلمون من أهمية هذه القضية وعدم وجود أي مجال للطعن فيها أو الانتقاص من قيمتها، كما ذهب إلى ذلك القذافي في خطابه المشئوم.
السنة
السنة في اللغة: الطريقة المعتادة التي يتكرر العمل بمقتضاها، وبهذا المعنى جاء في القرآن الكريم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62).
وفي الاصطلاح الشرعي: يراد بالسنة: ما صدر عن النبي صلى الله عليه سلم غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير.
الدليل على حجية السنة وأنها مصدر للتشريع:
السنة مصدر للتشريع، دل على هذا الكتاب بنصوصه وبأساليب مختلفة، من ذلك:
أ- التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي من الله، وما كان من عند الله يلزم اتباعه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3، 4).
ب- الأمر بطاعة الرسول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (آل عمران: 32).
ج- جعل طاعة الرسول طاعة لله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ﴾ (النساء: 80).
د- الأمر باتباع ما يأتينا به الرسول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7).
هـ- وجوب رد المتنازع فيه إلى الله؛ أي: إلى كتابه، وإلى الرسول؛ أي: إلى سنته، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
و- وجوب تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحصل فيه الاختلاف وقبول ما يحكم به: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
ز- لا خيار للمسلم فيما قضى به الله أو قضى به رسوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
ح- التحذير بالعذاب الأليم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).
ط- أعطى الله رسوله سلطة بيان أحكام القرآن؛ لأن في القرآن أحكامًا مجملة تحتاج إلى تفصيل وبيان حتى يصح بها التكليف، ولهذا بينها النبي صلى الله عليه وسلم بما له من سلطة البيان؛ قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44).
فهذه النصوص وأمثالها تدل على أن السنة حجة وواجبة الاتباع ومتممة للكتاب ومصدر للتشريع.
أنواع السنة باعتبار سندها:
ويقصد بسندها رواتها، وهي بهذا الاعتبار ثلاثة أنواع إذا اتصل سندها:
أولًا: سنة متواترة: وهي ما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع لا يتصور العقل تواطؤهم على الكذب ولا يحصى عددهم، ثم نقلها عنهم جمع بهذه الصفة أيضًا حتى بلغتنا.
ومن هذا النوع السنن العملية التي بينت مقادير الزكاة وأفعال الحج، وهيئات الصلاة وأركانها، وهذه تفيد العلم اليقيني.
ثانيًا: سنة مشهورة: وهي ما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد أو اثنان؛ أي: عدد لا يبلغ حد التواتر، ثم اشتهرت فنقلها جموع التواتر في عصر التابعين وتابعي التابعين، وهذا النوع من السنة يفيد العلم اليقيني عند الحنفية، ولكن دون اليقين بالسنة المتواترة.
ثالثًا: سنة آحاد: وهي ما يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد لم يبلغ حد التواتر، ولم تشتهر فيما بعد أي: هي ما ليست سنة متواترة ولا مشهورة. وهذا النوع يفيد العلم الظني الراجح بصحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويلزم العمل بها.
أنواع السنة من حيث ماهيتها -أي ذاتها-:
السنة باعتبار حقيقتها وذاتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: سنة قولية: وهي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمى بالحديث مثل قوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
القسم الثاني: سنة فعلية: وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مثل قضائه بشاهد واحد ويمين المدعي، ومثل أدائه مناسك الحج.
القسم الثالث: سنة تقريرية: وهي سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل، فهذا السكوت دل على جواز الفعل وإباحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت عن باطل أبدًا، ومن أمثلة هذا النوع سكوته وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد، وسكوته وعدم إنكاره على جاريتين صغيرتين كانتا تغنيان غناء حماسيًّا في يوم العيد.
السنة تشريع وغير تشريع:
ليس كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم يكون تشريعًا للأمة؛ بل منه ما يكون كذلك، ومنه ما لا يكون، ولهذا فالسنة باعتبارها تشريعًا أو غير تشريع تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره نبيًّا ومبلغًا عن الله، فهذا يعتبر تشريعًا للأمة بلا خلاف، ومن أمثلة هذا النوع ما ذكرناه من أمثلة للسنة القولية والفعلية والتقريرية. ويلاحظ أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على إباحة الفعل دائمًا؛ ومن ثم فهو تشريع للأمة.
القسم الثاني: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال، لا باعتباره نبيًّا مبلغًا عن أدلة؛ ولكن باعتباره إنسانًا أو بمقتضى خبرته في الشئون الدنيوية. فهذا النوع لا يعتبر تشريعًا للأمة، ويلحق بهذا القسم من جهة عدم اعتباره تشريعًا ما بان خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا الأساس يكون هذا القسم أنواعًا على النحو التالي:
أولًا: ما صدر عنه بمقتضى الطبيعة البشرية كالأكل والشرب والقيام والقعود، فهذا لا يكون تشريعًا للأمة؛ لأن هذه الأمور تصدر عن الإنسان بمقتضى طبيعته البشرية، ولكن كيفية أكله وشربه وقيامه وقعوده ونومه تدخل في دائرة الأفعال المستحبة، فتستحب للمسلم متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الكيفيات، ولا شيء عليه إن لم يتابعه فيها.
ثانيًا: ما صدر عنه بمقتضى خبرته وتجاربه في الأمور الدنيوية مثل: تنظيم الجيوش وتدبير أمور الحرب والتجارة ونحو ذلك، فهذا لا يعد تشريعًا، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجيش في موقعة بدر بالتحول إلى مكان معین أشار به أحد الصحابة بعد أن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل في مكان غيره.
ثالثًا: ما كان خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل: وصاله في الصوم، والتزوج بأكثر من أربع زوجات، والتهجد بالليل، وقبوله شهادة خزيمة وحده. فهذه الأمور خاصة به ولا تتابعه الأمة فيها، فلا يجوز في حقنا الوصال في الصوم، ولا التزوج بأكثر من أربع، ولا يجب علينا التهجد في الليل.
أنواع الأحكام التي جاءت بها السنة:
النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها مثل حديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه»، فإنه موافق ومؤكد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29). ومثله أيضًا ما جاء في السنة من النهي عن عقوق الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك ما ورد في القرآن وجاء مثله في السنة.
النوع الثاني: أحكام مبينة ومفصلة لمجمل القرآن؛ ومن ذلك السنة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق.
النوع الثالث: أحكام مقيدة لمطلق الكتاب أو مخصصة لعامة؛ فمن الأحكام ما يرد في القرآن مطلقًا تقيده السنة، أو يأتي عامًّا فتخصصه السنة، فمن الأول قطع يد السارق جاءت مطلقة فقيدتها السنة بالرسغ؛ أي: تقطع اليد من الرسغ. ومن الثاني ما ورد عامًّا مثل تحريم الميتة؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (المائدة: 3)، ولكن استثنى منها ميتة البحر، قال عليه الصلاة والسلام عن البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» أي أن السنة خصصت الميتة بغير ميتة البحر.
النوع الرابع: أحكام جديدة لم يذكرها القرآن؛ لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام، ولها كالقرآن في ذلك، وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله؛ أي: السنة في وجوب اتباع أحكامها. ومن هذا النوع تحريم الخمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، وجواز درهن في الحضر، ووجوب الدية على العاقلة، وميراث الجدة ونحو ذلك(1).
مرتبة السنة في الاحتجاج بها:
لا خلاف في أن السنة مصدر للتشريع كما قدمنا، ولكن رتبتها في ذلك تالية لمرتبة الكتاب؛ بمعنى أن الاحتجاج بالكتاب مقدم على الاحتجاج بالسنة، وأن المجتهد يفتش عن الحكم في الكتاب أولًا، فإن وجده أخذ به، وإن لم يجده تحول إلى السنة ليتعرف على الحكم فيها.
(1) الشوكاني ص32، ويلاحظ هنا أن بعض أحكام السنة جاءت على شكل قواعد ومبادئ عامة، كما ذكرنا بالنسبة لأحكام القرآن، ولا شك أن مجيء هذه الأحكام بهذا الشكل هو الملائم لطبيعة الشريعة من كونها عامة باقية لا تضيق بالجديد من الحوادث، كما ذكرنا في بحثنا عن أحكام القرآن. ومن هذه القواعد والمبادئ التي جاءت بهذه السنة، ما يأتي:
أ- «لا ضرر ولا ضرار».
ب- «إنما الأعمال بالنيات».
ج- «إن الله وضع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
د- «المسلمون على شروطهم».
هـ- «الولد للفراش».
و- «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
ز- «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».