; السمسار الروماني في سوق الشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان السمسار الروماني في سوق الشرق الأوسط

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 574

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 08-يونيو-1982

- رومانيا الدولة الوحيدة - بين دول أوروبا الشرقية التي لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل بعد هزيمة ١٩٦٧ 

- المنظمة لها حق المشاركة في الحل والتوصل إلى «كيان فلسطيني بشرط أن يرتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل

- أهم ما يركز عليه المشروع الروماني هو الاعتراف بإسرائيل دولة من دول المنطقة

- شاوشيسكو كان وراء زيارة السادات للقدس

- المشروع الروماني عملية تطوير وإنقاذ لكامب ديفيد 

السمسار الروماني.. المشروع الروماني يغيب عن الضوء حين لا تكون هناك سياسة أمريكية مُعلَنة حيال أزمة الشرق الأوسط

 

في الوقت الذي وصل فيه الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو إلى دمشق يوم الثلاثاء ٢٥ مايو الماضي لإجراء محادثات مع الرئيس السوري حافظ أسد حول سلام عادل وشامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط، كان وزير خارجيته استيفان أندريه قد وصل القاهرة في زيارة رسمية دامت أربعة أيام اجتمع خلالها بالرئيس المصري حسني مبارك، وبعد أن تباحث الرئيس الروماني مع حافظ أسد، والتقى بياسر عرفات توجه في اليوم التالي إلى عمان مما حدًا بالمراقبين إلى اعتبار جولة تشاوشيسكو ذات أهمية خاصة؛ لأنها استهدفت الأطراف الرئيسة في قضية ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، والسؤال الذي يطرح نفسه من جديد الآن هو عن حقيقة الدور الذي يقوم به الرئيس الروماني على صعيد الحلول السياسية المطروحة لحل القضية الفلسطينية، فما هي طبيعة هذا الدور وماذا يريد تشاوشيسكو؟

كما هي العادة في البيانات المشتركة الصادرة في الدول العربية، اكتفى البيان الذي صدر في دمشق في أعقاب زيارة تشاوشيسكو الأخيرة بذكر محور المباحثات بينه وبين حافظ أسد وهو: (عزمهما على تحقيق سلام عادل وشامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط)... كما تطرق البيان إلى ذكر أن القضية الفلسطينية هي لب النزاع العربي الإسرائيلي» وأنه لا يمكن معالجته باستبعاد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».

وجاء في البيان أنه لا يمكن قيام الحل الشامل والعادل والدائم في المنطقة، إلا على أساس انسحاب إسرائيل التام والفوري وغير المشروط من جميع الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ بما فيها القدس العربية، وعلى إقرار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وهذه العبارة يكاد يحفظها كل قارئ الصحيفة أو سامع الإذاعة لكثرة ما ترددها البيانات العربية والدولية، فما هو المقصود بذلك في وجهة النظر الرومانية؟

لعل ما قاله شاوشيسكو في مأدبة العشاء التي أقامها على شرفه حافظ الأسد، يلقي ضوءًا على ذلك حيث يقول: إن رومانيا تقف مع التخلي عن العمليات العسكرية والتخلي عن سياسة القوة وحل كافة المشاكل القائمة بالطرق السلمية فقط وبصرف النظر عن مدى تعقيد المشاكل فيمكن بل يجب حل هذه المشاكل عن طريق المفاوضات فقط صحيح أن المفاوضات تتطلب أحيانا وقتًا طويلًا وصبرًا طويلًا.

وبغية تحقيق هذا الهدف نعتقد أنه من الضروري العمل من أجل عقد مؤتمر دولي للسلام تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة جميع الأطراف المعنية بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية» وإذا كان هذا المبدأ العام هو فحوى «المبادرة» الرومانية التي طرحها تشاوشيسكو بشكل علني منذ عام ۱۹۸۰ حيث عرضها على وفد فلسطيني برئاسة أبو عمار زار بوخارست آنذاك، ثم كرر الدعوة لها أثناء زيارة حافظ الأسد لرومانيا في فبراير من العام الماضي، فقد تسربت للصحافة العربية معلومات تفصيلية عن مضمون المشروع الروماني وذلك أثناء زيارة وزير الخارجية الروماني استيفان أندريه للقاهرة التي انتهت يوم ٢٩ مايو الماضي.

 فقد نقلت «كونا» عن مصادر صحفية مصرية قولها إن الرئيس الروماني الذي زار دمشق مؤخرًا يعمل على بلورة مشروع تسوية للنزاع في الشرق الأوسط يكون محصلة لأغلب المشروعات المطروحة ومن بينها اتفاقية كامب ديفيد، وقد أكدت ذلك صحيفة الراية القطرية التي قالت «نقلا عن مصادر عليمة أن الرئيس الروماني أعاد صياغة مبادئ واقتراحات قديمة في شكل جديد مزج فيها بين مبادئ جاءت في مبادرة الرئيس السوفييتي بريجينيف، ومبادرة السلام السعودية، واتفاق كامب ديفيد ومشروع قديم كان شاوشيسكو نفسه قد بحثه مع حزب العمل الإسرائيلي قبل عدة سنوات.

ولكن ما الذي يشجع شاوشيسكو على طرح هذا المشروع الجديد علمًا بأنه یدندن حوله منذ عدة سنوات، وكان يعرضه في كل سنة مرة؟

تجيب على ذلك صحيفة الراية القطرية نقلا عن المصادر نفسها: أن الرئيس الروماني لقي خلال الشهور القليلة الماضية تشجيعًا على طرح هذه الصياغة الجديدة من أطراف عربية وإسرائيلية وسوفييتية وأمريكية على السواء بحكم علاقته الوثيقة بهذه الأطراف، وبحكم اقتناع الجميع أن كامب ديفيد بعد الانسحاب من سيناء لم تعد قادرة على المُضي قُدمًا في طريق التسوية الشاملة:

وذكرت «الراية»: أن المبادئ الأساسية في مبادرة شاوشيسكو الجديدة تتضمن مناقشة عدة أسس من بينها: أولا العودة إلى صيغة جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة، وفي ظل رئاسة سوفييتية أمريكية.

ثانيًا - حضور كامل ومساهمة مباشرة من الأطراف المعنية، وهي منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ومصر وسوريا ولبنان والأردن

ثالثًا - حتمية التوصل إلى قناعة وتأييد عربي عام للأطراف العربية التي ستحضر المؤتمر لكي تكون مطلقة الحرية في التفاوض.

 وأوضحت الصحيفة أن التفاوض في المؤتمر المقترح سيتضمن النقاط الأساسية التالية:

- حق كل دولة في الشرق الأوسط في الحياة داخل حدود مضمونة ومعترف بها من جميع الأطراف المحلية والدولية.

- الاعتراف بحق كل شعب في تقرير مصيره بكامل اختياره وبحُرِّيته في اختيار النظام الذي يرتضيه، بما في ذلك الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وضع الضفة الغربية وغزة تحت إشراف دولي لمدة محدودة تمهيدًا لإجراء استفتاء يؤدي إلى قيام كيان فلسطيني مستقل يلتزم بمعاهدة سلام.

- تقديم مساعدات للكيان الفلسطيني لبناء هياكله الأساسية اللازمة لقيام دولة مع توفير ضمانات دولية محددة ومشتركة للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.

 - بحث وضع دولي للقدس يكفل حرية الجميع في الوصول إليها كمدينة مقدسة.

- معاهدة سلام بين إسرائيل وكل من سوريا والأردن ولبنان مع التكفل بضمانات دولية للحدود مع تعديل في حالة الضرورة للحدود السورية واللبنانية. 

- تعهد عربي من قمة عربية بقبول اتفاقات الأمر الواقع، إلى جانب تعهد إسرائيلي باحترام هذه المبادئ من خلال حكومة وحدة وطنية أو حكومة قوية ذات أغلبية كبيرة، تكفل لها اتخاذ القرارات الأساسية المطلوبة والمتأمل في بنود المشروع الروماني يجد أنه يلتقي مع جميع الحلول المطروحة ومنها الحل الفلسطيني أيضا الذي طرحه نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني خالد الحسن في الشهر الماضي في باريس.

على أن أهم ما يركز عليه المشروع هو الاعتراف بإسرائيل باعتبارها دولة من دول المنطقة، أما المنظمة فلها حق المشاركة في الحل والتوصل إلى كيان فلسطيني » لكن بشرط ان يرتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل أسوة بالدول العربية الأخرى المجاورة لإسرائيل كما يقدم الرئيس الروماني والمشروع لم يتجاوز كامب ديفيد وإنما هو تطوير له وتعميم بل إنقاذ ودفع للأمام.

والسؤال المطروح الآن هو لماذا يقوم شاوشيسكو بهذا الدور؟

من المعروف أن رومانيا ليست دولة عالمية كبيرة وفاعلة في السياسة الدولية وليس لها استراتيجية في الشرق الأوسط لكي يتحرك رئيسها لدعم هذه الاستراتيجية والحفاظ على مصلحتها، كما أن ظروف رومانيا في داخل المنظومة الاشتراكية لا تسمح لشاوشيسكو أن يسد الفراغ الذي تركه تيتو في حركة عدم الانحياز لابد إذن من خلفيات أخرى الطبيعة الدور الروماني بزعامة شاوشيسكو المتابع لتطورات المشروع الروماني والتحركات شاوشيسكو يدرك أن هناك جملة حقائق تصلح لتفسير طبيعة هذا الدور وخلفياته.

إن رومانيا هي الدولة الاشتراكية الوحيدة من بين دول أوروبا الشرقية التي لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل إثر هزيمة عام ١٩٦٧. ولم تواكب المواقف السوفييتية الإعلامية المتشددة إزاء العدوان الإسرائيلي آنذاك التي ذهبت إلى اتهام القادة اليهود بالعنصرية وحب التوسع.

كان الرئيس الروماني أول من تحدث مع وفد عربي زار بوخارست قبل هزيمة يونيو ١٩٦٧ عن ضرورة إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي وذلك على أساس عودة اللاجئين إلى ديارهم أو التعويض عليهم أو التعايش بين دول المنطقة جميعها ضمن حدود آمنة ومستقرة ومعترف بها وهذه المبادئ وردت في قرار مجلس الأمن ٢٤٢، وبعد ذلك ظل الرئيس الروماني يقوم باتصالاته من وراء الكواليس مع الزعامات اليهودية والعربية التي تكشفت عام ۱۹۷۷ حيث تبين أن شاوشيسكو وباعتراف السادات نفسه كان وراء زيارته المشؤومة للقدس وما ترتب عليها من استسلام مهين لإسرائيل.

- إن شاوشيسكو كما قال هو نفسه ووزير خارجيته ظل ينصح منظمة التحرير منذ استقبل ياسر عرفات ووفدًا فلسطينيًا في عام ۱۹۸۰ «بالتؤدة واعتماد المرونة الدبلوماسية وسياسة التجاوب مع الوساطات الأوروبية وغير الأوروبية في سبيل الوصول إلى الحل الذي تشارك فيه المنظمة».

أي أن مهمته كانت تطويع المنظمة بالحلول السلمية كزميلة المستشار النمساوي برونو كرايسكي الذين تزامنت جهودهما عام ١٩٨٠ لإشراك المنظمة في الحل السلمي.

- إن المشروع الروماني لم يعلن عنه بوضوح منذ البداية، وكان يتزامن مع المشاريع الأخرى كالمبادرة الأوروبية كما أنه كان يخمد ويتأجل مع غياب سياسة أمريكية معلنة حيال أزمة الشرق الأوسط وها هو اليوم يطرح بتفصيلات جديدة في ضوء معلومات عن تبني الولايات المتحدة الأمريكية لمقترحات جديدة لحل أزمة الشرق الأوسط تضع في حسبانها منظمة التحرير الفلسطينية وعلاقتها بالأردن وهي العلاقة التي ظل يدعو لها شاوشيسكو في أكثر من مرة من المرات التي تحدث فيها عن مشروعه ولا يمكن تفسير زيارته الأخيرة بعدما زار دمشق والتقى بعرفات، بعيدًا عن هذا الأمر..

 - وهناك حقيقة ربما فسرت لوحدها جميع مواقف الدولة الرومانية والتي لا تكاد أجهزة الإعلام والصحافة العربية تذكرها، ألا وهي الدور الذي يلعبه (٤٠) ألف يهودي روماني في المؤسسة الحاكمة، وهم البقية الباقية من (۸۰۰) ألف يهودي قضى النازيون على قسم منهم وهاجر القسم الآخر إلى إسرائيل! ولعل هذه الحقائق بالإضافة إلى اقتراح شاوشيسكو عام ١٩٨٠ بإعطاء شمال لبنان إلى سوريا، في مقابل تنازلها عن الجولان الإسرائيل، هو الذي جعل صحيفة القبس الكويتية تقول في افتتاحية يوم 13/۱۱/۱۹۸۰بعنوان الدور الروماني المريب «والسياسة الرومانية لم تستمد قوتها ونفوذها من أسباب ذاتية أو من عبقرية قيادتها بقدر ما استمدتها من جعل رومانيا ضيعة أمريكية مقنعة، داخل المعسكر الاشتراكي».

ولهذه الأسباب أيضًا كان أبو إياد محقًا عندما وصف شاوشيسكو وكرايسكي بالسمسارين.

 وإذا كان الرئيس الروماني سمسارًا دوليًّا كما تشير الوقائع والدلائل، يعمل لحساب إسرائيل وأمريكا فهل تروج صفقاته في سوق الشرق الأوسط؟

ذلك ما تجيب عنه الدول العربية المعنية بالطبع، لكن في ضوء المعادلة السياسية العربية والدولية المطروحة في الوقت الحاضر يظل الجواب الحاسم عند منظمة التحرير الفلسطينية لأنها هي المعنية بالدرجة الأولى في مشروع السمسار الدولي فماذا يا ترى يكون الجواب في ضوء الحقائق السابقة التي بات يدركها كل مسلم من أهل فلسطين خاصة وفي جميع ديار المسلمين؟

الرابط المختصر :