العنوان السذاجة والبساطة في الوسط السياسي الإسلامي
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
قرأت عدة تحليلات وتعليقات وتقريرات عن بوائق ماليزيا الأخيرة وعن الوجه الكريه والمشوه للديمقراطية الذي تكشفت عنه أمام العالم للإطاحة بأنور إبراهيم، الرجل الذي كان إلى الأمس القريب محل إعجاب العالم الإسلامي والغربي معًا لاستقامته وخبرته الواسعة وشخصيته الفذة التي فرضت احترامها على الجميع. والحق أن النهضة المفاجئة والكبيرة التي حققتها ماليزيا ابتدأت عندما اتحدت العزائم واتفق التيار الإسلامي مع التيار السياسي الحاكم بفضل الجهود المباركة و المضنية التي قام بها كل من الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والاقتصادي العالمي د. محمود أبو السعود -رحمه الله- والدكتور الفاروقي، والدكتور محمد صقر. وأصبح بوسع الحزب الحاكم المجدد بدماء الشباب المسلم الطاهر وإيمانه وحماسه أن يجعل من ماليزيا نموذجًا للدولة العصرية الحديثة التي استوعبت الحداثة من جوانبها التكنولوجية والعلمية والاقتصادية مع الحفاظ على القيم الإسلامية الأصيلة للشعب الماليزي.. وكان الإبداع في ميادين شتى.. وقد شاهدنا «الحج» الماليزي نموذجًا للمسلم المهذب المتحضر المنظم: رجالًا، ونساء، وشبابًا، وأطفالًا.. كما تأسست بها أول جامعة إسلامية هي الأولى في العالم الإسلامي على ذلك النحو والمناهج.. وبين عشية وضحاها تنفصم عرى ذاك التكتل وينقض «السياسي» على أخيه الإسلامي انقضاض حيوان مفترس على طائر مكسور الجناح وقد أصابه ببراثنه وأنيابه في عرضه.. وعرض المسلم هو من صميم دينه وروحه.
إن ما وقع لأنور وإخوانه الكثيرين لم يكن مفاجئًا لمن كان على علم ببواطن الأمور.. ورغم بعد الشقة فقد كان يزورنا بعض إخواننا الماليزيين زيارة محبة وإفادة واستفادة، وذات مرة أسر إلينا بعضهم في أدب جم وعفة لسان بأن أنور لم يكن على صواب في الانضمام إلى «السياسة» والثقة بالسياسيين المخاتلين الذين انتزعوه من دائرة «رسالته» السامية وفصله عن «محيطه» الذي كان ينمو ويتطور فيه ويتغذى منه ويغذيه لينتقل إلى جو موبوء غير أهل للثقة ولا للصداقة والأخوة.
لكن المهم هل كان أنور -حفظه الله ووقاه- على علم بكيد «السياسي» وبأخلاق «السياسة»؟ يبدو أنه كان يعامل «السياسي» مثلما يعامل الولد أباه، ولكن هذا «الأب» لم يكن في مستوى تلك العواطف.
إن «السياسي» مستعد في أحوال خاصة للفتك بابنه من صلبه وبأبيه وأمه وأخيه والإجهاز على عشيرته التي كانت تئويه، ورحم الله أبا محمد بن حزم الذي عقد فصلًا من رسالته «نقط العروس» ذكر فيه بعض من قتل أباه من الخلفاء والمتغلبين وفيمن قتل ابنه أو قتل أخاه أو عمه أو ابن أخيه ومن قتله عبيده، أما الوزراء الذين فتك بهم ملوكهم أو تآمروا على ملوكهم فلا يسع أخبارهم مجلدات ضخام.
لقد اكتشف أنور في «والده» السياسي أنه شيطان، لكن بعد فوات الأوان، يقول عندما واجه الحقيقة مخاطبًا رئيسه:
كنت أظنك غير شريك في الحملة عليَّ، واليوم اكتشفت أنني كنت ساذجًا وبسيطًا «مغفلًا» أكثر مما ينبغي، واتضح لي أنك ضالع مع الشيطان «مجلة المجتمع العدد ۱۳۱۹- ۹ - 15 جمادى الآخرة ١٤١٩هـ».
فهذه السذاجة والبساطة أو الغفلة طبعت كثيرًا من تصرفات شخصيات إسلامية فذة، مع أن ديننا دين اليقظة والشورى والاستخارة وتقييد أي تصرف كان بالعلم والمعرفة والدراسة، وكثيرًا ما سمعنا من بعض هذه الشخصيات: «إنني خدعت». بل إن شخصية عظيمة قال لي إثر اكتشافه سذاجته وغفلته: «إنني حمار» حتى أني خجلت أن يصف نفسه بهذا الوصف أمامي وأنا إذ ذاك طالب شاب وهو من هو جلالة ووقارًا ومكانة، وكثيرًا ما يصرح لنا أحد قادة العمل الإسلامي الذي كانت لهم صلة بعبد الناصر: «لو كنت أعلم أن مصيرنا ومصير أمتنا سيكون على هذا النحو المخزي لكنت في صف فاروق، فقد كان أفضل للأمة منه»، ويقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لارتبطت بالملك فاروق و عملنا على إصلاحه، فهو كان أفضل للأمة من هؤلاء العساكر الذين مرغوا مصر وكرامتها في الأوحال»، إلى غير ذلك.
ويقول هو وغيره: لقد كنا نثق في الماكرين المتآمرين على البلد، وقد فتكوا بنا وبالبلد وبأقرب الناس إليهم وجعلونا نركع أمام اليهود وأمريكا.
وهناك فتن استعمل فيها «العنصر الإسلامي» كبيدق يلعب به فلم يستبن الحقيقة إلا ضحى الغد.. إن قصص هذه السذاجة كثيرة ومتنوعة ومتكررة وعلى أساسها تخطط المخابرات الخارجية والداخلية من أجل ضرب الحركات الإسلامية بأساليب متعددة.
إن بعض تلك السذاجة تصل إلى حد البلادة والغباوة، ورحم الله بعض الشيوخ الذي كان يقول أمام هذه الظاهرة: «لا تؤاخذوا الرجل فقد فعل ما فعل بحسن نية سيئة»، لذلك ألم يأن للعنصر الإسلامي السياسي أن يدرس التجارب السابقة دراسة علمية منهجية دقيقة وشاملة حتى لا يظل الخلف يرتكب نفس خطأ السلف فيردد العبارة نفسها: «كنت ساذجًا وبسيطًا»، «لقد خدعنا»، «لم يكن بالحسبان أن يغدرنا فلان».. ورضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب الذي قال: «لست بالخب، ولا الخب يخدعني».
إن عالم السياسة معقد، بل ولا خطي Nonlinear في «الرياضيات والفيزياء والميكانيك وغيرها من العلوم عندما تكون المعادلة خطية يصعب التوقع بدقة عما يمكن حدوثه، لذلك لا بد من إحداث نظريات تقريبية مبنية على أسس علمية وإضافة كميات تصحيحية لإيجاد حل لهذه المعادلة اللاخطية»، وإذا كانت اللاخطيات في العلوم الرياضية والفيزيائية والميكانيكية وغيرها قد تستجيب لقواعد من «الخطي»، فإن البشر يستعصي على كثير من القواعد والقوانين؛ لأنه قد يتشكل بأشكال الأبالسة والشياطين ويمسخ قردة وخنازير وذئابًا وغير ذلك من المخلوقات.. وفي أمثالنا الدارجة: «قلت له: من عرفت؟ قال: عرفت الإنسان؟ قلت: لم تعرف شيئًا».
«الإسلامي» غير السياسي ممن يتولى الشئون الاجتماعية داخل بلده أو خارجه فهو مطالب أيضًا بأن يكون ذا مظنة ومعرفة وعلم بميدانه الذي حصر فيه نشاطه حتى لا تضيع جهوده وأموال منظمته وجمعيته في وجوه غير صادقة وغير مستحقة أو غير منتجة، كما رأينا ونرى خلال نشاطات كان مآلها الإخفاق والإفلاس، وقد سبق أن نشرت كلمة في الموضوع، فمن شاء فليرجع إليها بعنوان: «المشاريع الإسلامية بين الانتهازية والعشوائية».
إن المسئولية في أي ميدان من الميادين تقتضي الكفاءة والقوة والعلم والوعي والدراسة والبحث والاستشارة والاستخارة وحساب الخطوات وتوقع المآلات والاحتمالات والحزم والتجربة الطويلة إلى غير ذلك من شروط القيادة والعمل بهذا الدين المطلوب من أتباعه أن يكونوا في مستوى الإعداد وفي مستوى كل عصر وكل مصر.