العنوان رسالة مصر (العدد 486)
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980
مشاهدات 78
نشر في العدد 486
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-يونيو-1980
السادات و(المتعصبون الإسلاميون)
كتبت جريدة باري ماتش «الفرنسية» في عددها الصادر 6 يونيو ۱۹۸۰م عن حالة الانبعاث الإسلامي في مصر الذي ظهرت بوادره في الجامعات المصرية متمثلة في عودة الفتيات الجامعيات إلى الحجاب الإسلامي، وكذلك في كثرة عدد الطلبة الإسلاميين في تلك الجامعات. وتناولت المجلة في هذا المقال ماضي جماعة الإخوان المسلمين وحاضرهم وطموحاتهم المستقبلية. تحت عنوان بارز هو:
المصابون بجنون التدين يهددون السادات.
ونحن نعرض هذا الموضوع كشريحة لتصور الإعلام الغربي عن السادات وأوضاع الحركة الإسلامية في مصر، تقول باري ماتش:
في الشرق المتمزق حيث تطالب الجماهير بالعودة إلى دين الله، وحيث تتساقط الأنظمة ويعدم المتمردون أصبح التمسك بالعقيدة «الإسلامية» أكثر قيمة من الذهب الأسود ومن الدولارات. في مصر أنور السادات ينطلق التعصب الديني. مراسل مجلة باري ماتش الذي قام بجولة في الشرق الأوسط يحدثنا عن المؤامرات التي تحاك في المساجد ضد الشخص الذي يمد يده لإسرائيل ويعقد معها الاتفاقيات ويدعو إلى أصالة مصر الأفريقية.
الفتيات في الجامعات المصرية يرتدين الحجاب الإسلامي والشباب يربون اللحى:
جماعة الإخوان المسلمين أصبحت القوة الوحيدة التي تهدد السادات في حالة فشل سياسته الخارجية والاقتصادية، وهي جماعة لا يجمع أعضاءها حزب منظم ولا تملك خلايا عسكرية سرية لكنَّ لها فروعًا متعددة يبدو في الظاهر أنه لا يوجد بينها تنسيق دقيق، وقد تكون في حوزتها كمية من الأسلحة فبعض فروعها يتلقى دعمًا ماديًّا من ليبيا، وباختصار إن هذه الحركة تمثل تيارًا متعصبًا له ثقله، حيث أنه يملك صحيفة من المستحيل تكميمها. وهي تعتمد على العواطف «الدينية» ذات الجذور العميقة لدى الشعب، وتنطلق من منطلق إسلامي.
والإسلام يشهد حاليًّا انبعاثًا جديدًا في العالم أجمع، ويرفض أن يكون دينًا مسامحًا بل تحول إلى إسلام خميني مثلما شهدته إیران. و يحاول إحداث التوترات على ضفاف النيل. وإذا كانت مصر لا تتمسك بالقومية العربية اليوم كما كانت في عهد عبد الناصر فإنها أصبحت تتمسك بالإسلام أكثر مما مضى نتيجة لفشل جميع الأساليب الاجتماعية التي فرضت عليها من قومية واشتراكية وشيوعية، فالشعب مهما كان انتماؤه السياسي لم ينسَ انتماءه الإسلامي ولو كان هذا الانتماء تكتيكيًّا في بعض الأحيان، وتشهد الجامعات المصرية انبعاثًا إسلاميًّا حقيقيًّا حيث عادت الفتيات إلى ارتداء الحجاب الإسلامي والشبان يربون اللحى.
تاريخ الإخوان المسلمين:
تاريخ الإخوان المسلمين ومذهبهم مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمؤسس الجماعة حسن البنا الذي تخرج في دار العلوم وأسس جماعة الإخوان في الإسماعيلية في عام ۱۹۲۸م وأصبح زعيمها الأعلى.
قال حسن البنا في بعض تصريحاته: «الإسلام نظام كامل يلمس جميع جوانب الحياة، إنه عقيدة ودولة وحزب وحكومة وأمة، إنه أخلاق كريمة وقوة ورحمة وعدالة، إنه ثقافة فكرية وقوانين تشريعية. إنه كنز وكسب وجهاد وكرسي حكم وجيش وفكرة، كما أنه عقيدة خالصة وعبادة».
حسن البنا الذي كان موهوبًا بقدرة خطابية قوية استطاع أن ينظم لجماعته خلايا داخل الطبقة الوسطى في «المجتمع المصري» وكان يحث اتباعه على محاربة الحضارة الغربية، وفي سبيل دعوتها إلى العودة إلى الإسلام اصطدمت الجماعة بحزب الوفد الذي كان يدعو إلى العلمانية والتمسك بالأسلوب الأوروبي ونظام البرلمان، كما اصطدمت بالاشتراكيين والشيوعيين والملحدين، وهذا ما جعل الملك فاروق يرحب بحركة الجماعة في فترة من الزمن.
الإخوان يطالبون باستقلال مصر تحت شعار الإسلام
توجه الإخوان إلى إنشاء المدارس والمستشفيات، وطالبوا باستقلال مصر تحت شعار قومية إسلامية بعيدًا عن القومية المصرية أو القومية العربية. وقامت علاقات طيبة بين زعيم الحركة وبين الضباط الأحرار وخاصة أنور السادات الذي تردد أنه كان عضوًا في الحركة. وكانت الجماعة تحول له حوالي عشرة جنيهات مصرية شهريًّا عندما كان معتقلًا، وقد وصف السادات زعيم الجماعة بقوله: «إني كنت أكنُّ له إعجابًا لا حدود له، وكنت متأثرًا بتنظيمه الدقيق لهذه الجمعية الأخوية ومعجبًا بشخصيته الفذة. في الحقيقة كان للإخوان المسلمين قوة لم يكن من الإمكان إنكارها، لقد كانت حركة الرجل حركة سياسية. وكان يسعى لضم أفراد من القوات المسلحة إلى جماعته للوصول إلى أهدافه» وقد التقى السادات نفسه بزعيم الجماعة في معسكره وانضم أخيرًا للجماعة للإعداد لقلب النظام الملكي.
كانت حركة الإخوان المسلمين بتنظيمها الدقيق وفروعها المنتشرة وأفكارها المبسطة الحزب الوحيد «في مصر» الذي كان بإمكانه بعد الحرب العالمية «الثانية» أن يقدم حلًّا مقبولًا لشعب متحير لا يدري إلى من يقدم ولاءه، وكان عدد أتباع الإخوان في ذلك الحين يربو على المليون نسمة بينما كان حزب الوفد العلماني يفقد أعضاءه و ينفر منه مؤيدوه لتعامله مع المحتلين البريطانيين.
الإخوان ينظمون فرقة قتالية ويقدمون على العمليات المباشرة ضد النظام الملكي واليهود.
النقراشي حل الجماعة فاغتيل بعد ذلك بشهرين. فأمر الملك فاروق مخابراته باغتيال حسن البنا ومطاردة أعضاء الجماعة:
وبعد أن نظمت حركة الإخوان فرقة قتالية أقدمت على مباشرة العمليات المباشرة، حيث شاركت في اغتيال نائب مدير محكمة الاستئناف وتفجير المخازن اليهودية، وإحداث الانفجارات في الأحياء اليهودية في سبتمبر ١٩٤٨م والتي راح ضحيتها عشرون شخصًا. وفي شهر ديسمبر اغتالت الجماعة رئيس البوليس الجنرال سليم زكي. وكذلك انضم عدد كبير من الإخوان إلى الجيش النظامي للدخول في الحرب الفلسطينية ضد الصهاينة، وقد نالت الجماعة بذلك هيبة كبيرة خلال الحرب وبعدها كما نظمت الجماعة مظاهرة كبيرة في القاهرة للمطالبة بدستور إسلامي وإقامة جمهورية إسلامية بزعامة زعيم الجماعة.
رئيس الحكومة آنئذ النقراشي باشا أمر بحل الجماعة فتم اغتياله بعد ذلك بشهرين في ٢٣ ديسمبر. ومقابل ذلك قامت مخابرات الملك فاروق باغتيال حسن البنا ومطاردة أعضاء الجماعة فلجأ من نجا منهم إلى معارضة سرية. وبعد وفاة زعيم الجماعة ناب عنه الهضيبي وكان رجل قانون لكنه لم يكن يتمتع بمثل مواهب البنا الخطابية أو التنظيمية.
وفي عام ١٩٥١م استطاع الإخوان أن يعيدوا شرعية وجودهم كحركة، ودخلوا في حرب العصابات ضد القواعد البريطانية على قناة السويس. وفي عام ١٩٥٢م اشتركوا في حريق القاهرة وقد بدأ الحريق في «كباريه» ليلي حيث كانت الراقصات يعرضن أبدانهن و يهززن بطونهن، ثم انتشر الحريق إلى دور السينما والبنوك والفنادق الكبرى.
الإخوان يتعاونون مع الضباط الأحرار لقلب النظام الملكي.
كان الإخوان يبلغون مليونين من الأعضاء بينما لم تكن للضباط الأحرار أية قاعدة شعبية.
عبد الناصر يرفض القرآن الكريم دستورًا للحكم والإخوان يستعدون لحرب مقدسة جديدة:
في هذه السنة (1952م) بدأ السباق بين الضباط الأحرار برئاسة عبد الناصر وبين الإخوان المسلمين الذين كان لهم أتباع كثيرون في صفوف الجيش- من أجل قلب النظام الملكي- وبعد قلب نظام الملك فاروق استمر التعاون بين الإخوان والضباط الأحرار، وكان للحركة حينئذ ما يبلغ مليوني عضو بينما كان أتباع الضباط الأحرار لا يجاوزون المئات ولم تكن لهم أية قاعدة شعبية.
عبد الناصر رفض أن يتخذ القرآن دستور حكم لحكومته كما رفض أن يقسم الولاء لزعيم الإخوان. فأقدم الإخوان على تنظيم خلاياهم داخل الجيش والشرطة وحاولوا إحداث اضطرابات في الجامعات كما استعدوا للدخول في حرب مقدسة جديدة. لكن عبد الناصر انتهز فرصة محاولة اغتيال فاشلة كانت موجهة ضده ليحل جماعة الإخوان و يستعمل ضد أعضائها كل وسائل التعذيب والضغط واعتقل زعماءها وحاكمهم أمام محكمة برئاسة أنور السادات الذي كان معروفًا بعلاقاته الطيبة مع الإخوان وقد تم إعدام ستة من زعماء الجماعة وزج بالآلاف من أعضائها في السجون وعذبوا تعذيبًا شديدًا. ثم أطلق سراح بعضهم في عام ١٩٦٤م بعد أن تمكن الشيوعيون من البلاد وأصبح لهم وزن يوازي وزن الإخوان ولكن أعيد اعتقالهم مرة ثانية وأدخلوا السجن ولم يتوقف تعذيبهم حتى تم القضاء نهائيًّا على حركتهم.
عندما جاء السادات إلى الحكم رحبت به التيارات الإسلامية ثم عارضته بعد أن أبرم اتفاقية الصلح مع إسرائیل.
الانبعاث الإسلامي يجتاح شوارع القاهرة.
لما جاء السادات إلى الحكم رحبت به الأوساط الإسلامية لما كانت تعرفه من إيمانه وحاولت تلك الأوساط أن تتناسى الدور الذي لعبه السادات في عملية تعذيب الإخوان. وتذكروا أن السادات كان قد اعترض على هذا التعذيب في وقت من الأوقات لكن هؤلاء الإسلاميين أصبحوا اليوم أعداء للسادات بعد أن أبرم اتفاقية الصلح مع إسرائیل.
والإخوان المسلمون يمثلون التيار الإسلامي المتعصب في مصر رغم حل حركتهم شرعيًّا، وإن تراجعوا عن اللجوء إلى قوة السلاح من أجل المطالبة بالعودة إلى الحكم الإسلامي. كما لا يمكن إنكار أن ما يحدث الآن في مصر انبعاث إسلامي فعدد الدارسين في الأزهر في ازدياد، كما أن فروع المعاهد الأزهرية آخذة في الانتشار في جميع الأقاليم كما يتم إنشاء عشرات المدارس القرآنية والمساجد الجديدة يوميًّا.
ويحج كل عام ما يربو عن مائة ألف مسلم مصري. شوارع القاهرة أصبحت تردد أصوات الأذان خمس مرات في اليوم ومكبرات الأصوات تدوي بتلاوة القرآن الكريم في كل مناسبة. وكل يوم جمعة تمتلئ المساجد بالمؤمنين وتذاع خطب الشيوخ من أمثال الشيخ الغزالي حتى إن سائقي سيارات الأجرة يتوقفون عن السير للمشاركة في سماع الخطب. هؤلاء الخطباء يهاجمون الحضارة الغربية التي هي السبب في ضياع الأخلاق وتبرج النساء وانتشار الفساد في المجتمع. كما يطالبون بإقامة دولة إسلامية وهي المطلب الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين. كما أن الكتب الإسلامية والأدبية تباع الآن بكثرة في الشوارع المصرية الشعبية بدلًا من القصص الغرامية التي كانت تغزو تلك الشوارع.
هذا الانبعاث الإسلامي يستفيد من الحالة الاجتماعية السيئة التي خلفها الانفتاح الاقتصادي للسادات، وهذا ما يدفع بالمواطنين الكادحين إلى الانضمام إلى جماعات إسلامية مثل جماعة «التكفير والهجرة» التي تدعو إلى هدم المجتمع القائم وبناء مجتمع إسلامي مكانه.
عمر التلمساني يقول: لا وجود للإخوان حاليًّا كمنظمة شرعية لكني أعتبر كل مسلم في العالم من الإخوان المسلمين:
عمر التلمساني واحد من زعماء الجماعة وهو الذي يتطلع حاليًّا إلى القيام بدور الزعيم الأعلى للحركة. يدير مجلة الدعوة التي توزع ثمانين ألف نسخة «شهريًّا». عندما سئل عمر التلمساني عن أثر حركة الإخوان المسلمين في الجامعات رد قائلًا: «لا وجود لحركة الإخوان حاليًّا كمنظمة شرعية لكني بناء على فكرة الإخوان أعتبر جميع المسلمين في العالم إخوانًا مسلمين. إن مصر اليوم بدأت تشهد عودة جماعية إلى الإسلام من طبقة العمال والطلبة والفلاحين بعد أن تأكدوا من فشل النظريات والمذاهب الاجتماعية التي كانت تعدهم بمجتمع التطور والرخاء. والإسلام يعترف بالحريات الاجتماعية داخل حدود الشريعة الإسلامية. ولا يرفض الإدلاء بأي رأي وإن كان مخالفًا». وعندما سئل عن رأيه حول اتفاقيات السلام المبرمة مع إسرائيل أجاب التلمساني أن ذلك الأمر يخص المصريين فقط فعليهم أن يناقشوه فيما بينهم وأنه لا يدلي برأي عن ذلك لأجنبي وعمر التلمساني يؤيد نهج الخميني تمامًا، ويرى أن القومية العربية وصلت إلى طريق مسدود وأنه يجب على العرب أن ينبذوا القومية ويجتمعوا حول مذهب ديني، لأن جميع المسلمين أفراد لدولة واحدة.
لكي تنجح خطة فصل مصر عن الأمة العربية يجب إغراق المساعدات الأميركية على شعبها لينسى ماضيه الإسلامي والقومي ويجب توجيه مصر توجيهًا أفريقيًّا وهذا ما تحاوله أميركا وإسرائيل:
الشعب المصري يختلف في طبيعته عن الشعوب الغربية فهو شعب مسالم مطيع للسلطة القائمة لكنه إذا أثارته عاطفة إسلامية يثور ثورة لا يمكن إيقافها، وقد تكفي أزمة اقتصادية لدفع هذا الشعب إلى الشوارع بملايينه التسعة كما حدث بعد زيادة أسعار الخبز اليومي، وليس من الممكن تفادي مثل هذه الأزمات في مصر إلا إذا تكفلت الولايات المتحدة بمساعدتها، أو سمحت إسرائيل للفلسطينيين بامتيازات تمكن السادات أن يقيم دليلًا على أن السياسة التي انتهجها كانت سليمة، لكن كل ذلك لن يكون كافيًا لتهدئة الوضع بل يجب إیجاد موارد زراعية وكهربية جديدة لهذا الشعب المنغلق في وادي النيل كما أنه لابد من إنجاز مشروع اقتصادي كبير يمكن أن ينسيه عصر الخلفاء الفاطميين، وعصر القومية العربية في عهد عبد الناصر، لذلك يجب العمل لتوجيه هذا الشعب نحو انتماء أفريقي، وهذا ما تخطط له أميركا وإسرائيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل