العنوان الزحف الأمريكي يهدد التعليم الباكستاني.. المدارس الإسلامية.. تحت الحصار
الكاتب نعيم الله خان
تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1565
نشر في الصفحة 22
السبت 23-أغسطس-2003
• 8000 مدرسة إسلامية مهددة بإغلاق أبوابها مع تطبيق القانون الجديد
• قيود مالية وإدارية ومنهجية غير مسبوقة تستهدف تصفية التعليم الإسلامي
قبل ربع قرن وفي عهد الجنرال ضياء الحق «1978 - 1988م» كانت المدارس الإسلامية تتمتع بوضعية متميزة ومستوى عالٍ، وكان مجلس اتحاد الجامعات في باكستان يساوي شهادة العالمية بشهادة الماجستير في العلوم العربية والإسلامية، وكانت المدارس تأخذ المساعدات المالية من الحكومة ومن الباكستانيين العاملين بالخارج وأيضًا من بعض الجهات الخارجية المانحة.
والآن وبعد مرور 25 عامًا تقريبًا على رحيل ضياء الحق، بدأ دور آخر للمدارس الإسلامية، حيث قامت حكومة الجنرال برويز مشرف بإعداد قانون جديد عام 2002م لتسجيل المدارس الإسلامية وتنظيمها، وهو يشتمل على 29 مادة اعتمدها مجلس الوزراء الفيدرالي مؤخرًا، ولم تطبق بعد، ولكنها تثير جدلًا كبيرًا في أوساط الباكستانيين، حيث تستهدف - في كل الأحوال تقليص دور هذه المدارس وهدم كيانها.
الغريب أن مسودة القانون الجديد قالت إن هدفه الوحيد هو أن تعمل المدارس الإسلامية بشكل نظامي، ولكن الحقيقة أنه جاء استجابة لمطالب أمريكية بتغيير المناهج الإسلامية وأسلوب عمل هذه المدارس خاصة بعدما فرضت أمريكا هيمنتها على المنطقة.
نهج سلمي: لقد كانت المدارس الإسلامية تعمل في شبه القارة الهندية منذ سنوات اعتمادًا على التبرعات المالية من الجماهير أو المساعدات الخيرية من الجهات المختلفة، وهدفها هو إعداد العلماء في العلوم الشرعية، كما تهتم بتدريس العلوم الفنية والتقنية والمواد المعاصرة مثل الحاسب الآلي «الكمبيوتر» حسب الإمكانات المادية الموجودة لديها، ولم تكن أبدًا تعلم العصبية الدينية، بل كان نهجها الاعتدال في كل شيء، فلا يوجد في المقررات الدراسية ما يدل على الحزبية أو القبلية أو التفرقة على أساس اللغة أو المنطقة أو غيرهما، بل هي تركز على وحدة الأمة المسلمة من منطلق أن الآراء المتنوعة لدى العلماء والفقهاء تدخل في دائرة الاجتهاد الذي ييسر حياة الأمة ويرشد أبناءها إلى الصواب، ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تحتوي المناهج على بيان معنى فريضة الجهاد وكيفية الاستعداد له، ولذلك تقوم المدارس الإسلامية بإعداد العلماء الذين يفقهون وظيفة الجهاد، وعلى هذا الأساس لا تقبل المدارس الإسلامية المساعدات المالية من المتبرعين للأنشطةالعسكرية ولا تتوجه إلى أي نوع من الإرهاب، بل إنها تشتغل في الأنشطة الدراسية بالطرق السلمية.
والنظام الموجود لتسجيل المدارس الإسلامية وتنظيمها يكفل تحقيق أهدافها، بل وأهداف الدولة، فالذين يتخرجون فيها يساهمون في الميادين المهمة مثل التدريس في المعاهد التعليمية، ومنهم الخطباء وأئمة المساجد.
ملامح التغيير: يطلب البند الثالث من القانون الجديد تسجيل المدارس الواقعة في جميع المناطق لدى «هيئة التعليم المدرسي» التي تتكون - حسب البند الرابع - من ثمانية أعضاء بينهم عضوان من قسم الأوقاف والشؤون الدينية، وعضوان من قسم التعليم والتربية وعضو من وزارة الشؤون الداخلية، والأعضاء الأربعة الآخرون تقوم الحكومة المحلية بترشيحهم من الشخصيات البارزة التي تشتغل في ميدان التعليم والتربية، ويرأس هيئة التعليم المدرسي وكيل وزارة الأوقاف، ويؤدي وظائف سكرتير الهيئة مدير قسم الأوقاف.
وهذا التشكيل الحكومي للهيئة يعني أن أي مدرسة لا يمكن أن تستمر بأنشطتها إلا بموافقة الهيئة بل جاء البند الثاني عشر ليؤكد حقيقة أن على أصحاب المدارس أن يقوموا بتوفيق أوضاعهم وفقًا للقانون الجديد ويكون قرار الحكومة في هذا الصدد نهائيًا.
وفيما يخص تسجيل المدارس الجديدة، أعطى القانون الهيئة حق رفض تسجيل أي مدرسة مع بيان أسباب الرفض، ومن حق صاحب الطلب أن يرفع الأمر إلى الحكومة الفيدرالية أو الحكومة الإقليمية، ولكن الأحكام الصادرة من جهة الحكومة في إجابة البحث سوف تعتبر نهائية في الموضوع.
ويلزم البند التاسع بتوفير المعلومات مع طلب التسجيل المكون من «18» نقطة بالوضوح الكامل، ومنها أن يبين أسماء الذين يتعاونون أو يساهمون في تأسيس المدرسة، كما يلزم البند العاشر بالحصول على شهادة عدم الرفض من مكتب المديرية التي تقع فيها المدرسة المقترحة مع الإقرار بتدريس المواد التي تقررها الهيئة، كذلك على كل مدرسة إسلامية أن تقدم تعهدًا إلى الحكومة بأن كل الأفراد الذين يعملون في المدرسة لن يشاركوا في النشاطات الإرهابية، أو التنافر الطائفي وأعمال العنف، وأن جميعهم لن يشاركوا في مثل هذه الأمور السلبية في المستقبل.
وحسب البند الخامس عشر، يفترض على كل مدرسة مسجلة أن تقدم ميزانيتها السنوية وجميع المعلومات المتعلقة بشؤونها المالية إلى الهيئة.
والبند السادس عشر ينص على أن من حق الهيئة توقيف إدارة المدرسة وتعيين إدارة حكومية مكانها، ولكن لصاحب المدرسة أن يتظلم من قرار الهيئة أمام الحكومة الفيدرالية أو الإقليمية ويكون قرارها نهائيًا، ويعطي البند الثامن عشر للهيئة صلاحية إلغاء شهادة تسجيل المدرسة.
ويلزم على المدارس - حسب البند الرابع والعشرين - عدم الحصول على المساعدات المالية والمنح المالية من خارج البلد ولا من المؤسسات الأجنبية ولا حتى ممن يقيمون في الخارج دون إذن من الحكومة.
وجاء في النقطتين الفرعيتين للبند 25 أن الهيئة تحدد شروط الدراسة والخبرة على الأقل لأساتذة المدارس ومعلميها، بالإضافة إلى تحديد مستوى الامتحانات وطريقتها.
إجراءات مشددة
على الصعيد نفسه، أعلنت الحكومة الباكستانية عن إجراءات جديدة لتشديد السيطرة على المدارس الإسلامية في البلاد والتي يقدر عددها بنحو 8000 مدرسة، وهي إجراءات ستؤدي إلى إغلاق هذه المدارس إذا لم يتم تسجيلها في قوائم الإشراف الحكومية، حيث قال وزير الإعلام الباكستاني پنسار ميمن في مؤتمر صحفي: «إن تسجيل كل المدارس المنتشرة في أنحاء البلاد سيستغرق ستة أشهر تقريبًا»، وأضاف: «إن هذه التعليمات الجديدة تم التصديق عليها في اجتماع مجلس الوزراء ولن تمنح المدارس المساعدات المالية حتى يتم تسجيلها»، ووفقًا للتعليمات الجديدة فلن يسمح للمدارس الدينية بتسجيل الأجانب أو تعيينهم كمعلمين بدون الحصول على شهادات «عدم اعتراض» من الحكومة.
وتخطط الحكومة لدعم المدارس الإسلامية في السنوات الثلاث المقبلة بـ «250 مليون دولار»، إلا أن الحكومة تقول: إن المدارس التي اشتركت في الجهاد لن تكون مستحقة للمساعدات المالية!!
ويقول مسؤول حكومي: إن الحكومة بدأت تنال ثقة الأحزاب الإسلامية حول القرار المقترح تجاه تسجيل المدارس، وأن هناك مفاوضات مع مديري المدارس، ونحن نستمع اقتراحاتهم ولكن لا تقبل ما يقوله «مجلس العمل المتحدة» حول القضية، لأن الحكومة تقوم باتخاذ خطوات صارمة تجاه المدارس الإسلامية فيها خير لها ولا تريد أن تتدخل في حرية المدارس!!
ردود الفعل
حسب التقارير الحكومية يأتي 100 ألف من الطلاب الوافدين إلى المدارس الإسلامية الباكستانية وتستمر المساعدات والتبرعات من قبل المتبرعين والمحسنين للمدارس الإسلامية من كل جهات العالم.
وخلال السنوات الماضية برز وجه باكستان في العالم في المجال الديني، والأحزاب الإسلامية بشكل خاص، بعدما لعب المجاهدون دورًا مهمًا في إنهاء الشيوعية في أفغانستان وهم الذين تخرجوا في المدارس الإسلامية الباكستانية.
ربما كانت هذه هي الدوافع الأساسية لتوجه الحكومة نحو استحداث القانون الجديد استجابة لضغوط خارجية بالطبع، وبالتوازي مع الإعلام السلبي ضد المدارس الإسلامية على المستوى العالمي، والذي أدى بدوره إلى وقف المساعدات الأوربية لهذه المدارس، وأيضًا المساعدات الخليجية التي كانت تتدفق عليها لأن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية باتا يخلقان مشكلات كثيرة وعقبات أمام مثل هذا العمل الخيري.
الخلاصة أن غاية القانون الجديد ليست إصلاح المدارس، بل إنهاء حريتها والقضاء على استقلالها، وتريد الحكومة الباكستانية تنفيذ هذا القانون بكل الصور، مع أن العلماء والشيوخ وجميع الأحزاب الإسلامية تقف ضده بكل قوة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل