العنوان الرفاه قادم (4) REFAH PARTISI GELDI.. شخصية القائد
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1186
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 30-يناير-1996
إسطنبول:
عندما أنهى الرئيس نجم الدين أربكان مؤتمره الصحفي في مقر حزب الرفاه بأنقرة يوم 26/12/1995م، استوقفته عند نزوله لغرفة الاجتماعات سيدة عجوز أثارت انتباه الجميع وهي تطلب من أربكان أن يعيد لها ابنها الذي ضلل بواسطة حزب علماني وتطلب أن يعيده إلى إسلامه، ويرى الأتراك اليوم في شخصية أربكان قائداً ونموذجاً مصلحًا للأمة التركية، لقد رأى الناس جهاد هذا الرجل وصدقه وثباته على مبادئه دون غيره من الساسة في الحياة التركية، وهو في سبيل فكرته ودينه وعقيدته ضحى بالكثير-من جهده ووقته وحريته وماله في مسيرة جهادية سياسية لا تقل عن أربعين عاما أو-أكثر، وذلك دون أن يتنازل أو يتحول عن مبادئه.
ويعتبر البروفيسور نجم الدين أربكان أحد معالم السياسة التركية اليوم، وله فضل كبير في نضوج التجربة السياسية للحركة الإسلامية في تركيا، كما أنه يعتبر أحد الشخصيات الإسلامية التي أسهمت بفعالية لإعادة الروح المعنوية للأتراك للعودة إلى إسلامهم ودينهم.
التقيت بكثيرين في تركيا «مثقفين، وتجار، وعلماء» وشيوخ وطلاب علم، وسياسيين وإعلاميين، وصناعيين، وبائعي جرائد، وسائقين وطلبة. كلهم يتفقون على فضل الخوجة ودوره «طبعًا، الخوجة، تعني رجل الدين باللغة التركية»، إذ انعدم في تركيا أن يكون السياسي رجل دين «خوجة». لقد كان سياسيا فريدًا من نوعه كما كان «خوجة»، أيضًا سواء بسواء.
ينتمي «نجم الدين أربكان»، إلى بيت شرف ونبل فوالده «محمد صبري بك» من الأمراء السلاجقة المعروفين «ببني أوغوللري »، وكان جده آخر وزراء ماليتهم، ولقبت أسرته بناظر زاده، أي «ابن الوزير» ثم تحول اللقب إلى «أربكان» عندما أصدر أتاتورك قانون الألقاب، ووالده «محمد صبري بك»، درس الشريعة والقانون في إسطنبول، وتولى مناصب القضاء الشرعي والمدني أربعين عاما في مختلف مدن الأناضول، ولهذا فإن البروفيسور أربكان عاش في بيت عز وشرف ودين مكنه من حفظ القرآن والتأثر بتربية والده الدينية، وسيرة تاريخ أجداده مما أكسبه نفسًا شريفة وعزيزة، وتوثباً لإعادة مجد الإسلام في تركيا.
الذكاء والعبقرية:
- في مدينة طرابزون كانت أيام طفولته، حيث تلقى تعليمه الابتدائي، ثم درس المتوسط والثانوي بمدارس إسطنبول الثانوية للبنين، كان الأول على أقرانه طوال سني دراسته في المراحل الثلاث حيث نال الشهادة الثانوية عام ١٩٤٣م، وعندما تقدم إلى امتحانات القبول لجامعة الهندسة في إسطنبول كان ذكاؤه الحاد سببا لقبوله في السنة-الجامعية الثانية مباشرة، متخطيًا السنة الأولى، وعندما تخرج عام ١٩٤٨م من كلية الهندسة كان الأول بين المتخرجين، وقد أظهر خلال دراسته عبقرية ظاهرة، مما حدا بإدارة الجامعة لتعيينه مدرسًا فور تخرجه في الجامعة نفسها، حيث قام بتدريس مادة المحركات»، لطلاب السنة النهائية لمدة ثلاث سنوات نشر خلالها بحوثًا ودراسات وكتب متميزة، وأوفد إلى ألمانيا عام ١٩٥١م. ليحصل على الدكتوراه بتفوق في هندسة المحركات والترموديناميك خلال سنتين، وذلك عام ١٩٥٣م من جامعة اخن، كما تقدم فور حصوله على درجة الدكتوراه للحصول على درجة مساعد بروفيسور حصل عليها في العام نفسه ١٩٥٣م. من جامعة الهندسة في إسطنبول.
لقد تبدت عبقريته وقدراته الإبداعية عندما عمل رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات «كلوفز- هومبرلدت -دمتز» بمدينة كولن الألمانية حيث صمم «محرك للدبابات» يعمل بكل أنواع الوقود، ثم أدى الخدمة العسكرية في مدرسة الاستحكام العسكرية بمهمة المدير الفني لمركز الصيانة في «هاليجي أوغلو» ما بين عام ١٩٥٤-١٩٥٥م، وعاد عام ١٩٥٦ ليواصل متابعة أبحاثه في مجال المحركات في مصانع «دونيز» لينتقل بعدها إلى العمل البحثي والأكاديمي في جامعة الهندسة في إسطنبول من عام ١٩٥٦ إلى عام ١٩٦٥م، بدرجة بروفيسور مساعد بقسم المحركات ومنذ عام ١٩٦٥ حتى عام ١٩٦٩ م كأستاذ للمحركات، وكان دوره خلال هذه الفترة بارزاً في البحث والنشر والمؤتمرات المحلية والدولية.
أبو الصناعات الثقيلة:
- يعتبر البروفيسور نجم الدين أربكان من دعاة الصناعة الثقيلة في تركيا، ولم تكن عبقريته فقط في الابتكار وإبداع المحركات، بل إنه وضع لنفسه خطة عمل لإيجاد صناعة ثقيلة في تركيا، حيث أسس عام ١٩٥٦ م مع «۳۰۰» مهندس من إخوانه وأصدقائه مصانع «المحرك الفضي» وهي أول محركات ديزل تقام في تركيا، وبدأت هذه المصانع بالإنتاج عام١٩٦٠محتى صارت هذهالمصانع تغطي احتياجات تركيا وتصدر فائضها للخارج.
وما بين عام ١٩٥٦ إلى عام ١٩٦٣ ترأس أربكان مجلس إدارة مجلس «المحرك الفضي» وأصبح أيضًا المدير العام لها، ثم تولى منصب رئيس دائرة الصناعة التابعة لاتحاد غرف التجارة والصناعة والبورصة التركية، وفي عام ١٩٦٧م أصبح أمينًا عامًا لهذا الاتحاد، وفي عام١٩٦٨ أصبح رئيسًا لهذاالاتحاد.
بداية الصراع:
كانت الفترة ما بين ١٩٦٧و ١٩٦٩م هي السنوات التي أثارت خصوم أربكان من العلمانيين ومن حلفائه في حزب العدالة، حيث برز خلال هذه الفترة نجمه العلمي «كأستاذ جامعي»، وثقله الاقتصادي والمالي «كرئيس لاتحاد غرف التجارة والبورصة»، وكقائد سياسي «بارز في حزب العدالة»، ممثلا عن قونية، ولهذا فإن الصراع بين نجم الدين أربكان وتياره الإسلامي مع الخصوم العلمانيين بدا ظاهرًا للعيان في انتخابات «اتحاد غرف التجارة» خلال هذه الفترة، واتهمت الصحف التركية في أوائل يونيو من عام ١٩٦٩م أربكان بأنه يمثل تيار الرجعية تيار «الإخوان المسلمين» المدعوم من السعودية والأمريكان، وسلطت الضوء على التشكيلات الإسلامية البارزة فيها كجمعية نشر العلم التي كان أربكان مستشارا لها، وجمعيات خدمة الخير، والاتحاد الوطني للطلبة الأتراك، وجمعية الهلال الأخضر، وجمعيات مكافحة الشيوعية، وانتقدت تلك الصحف حزب العدالة لتهاونه في السماح للإسلاميين بالعمل من خلاله ويبدو أن هذه المقالات نبهت رفاق الماسونية، كما زعمت صحيفة «أنت» الشيوعية في عددها ۱۲۷ عام ١٩٦٩م، إلى خطر التيار المحافظ الذي يقوده أربكان، وقدرته على التغلغل في المؤسسات المالية والاقتصادية، مما ساعدت في إيجاد تكتل اقتصادي ساعد أربكان للنجاح في انتخابات اتحاد الغرف التجارية، بل بالغت في أن «الإخوان المسلمين»، يخططون لكي يصبح رجلهم القوي نجم الدين أربكان رئيسًا للوزراء في المستقبل.
ولهذا سارع دميريل إلى شطب أربكان وجماعته من القوائم المرشحة عن الحزب لانتخابات ١٩٦٩م، كدليل لانتهاجه سياسة أقل محافظة، لكن أربكان نجح مع «٢٦» من جماعته كنواب مستقلين عن دائرة قونية.
الذكاء السياسي والقدرة على اتخاذ القرار:
- لقد انعكست آثار الذكاء المبكر والتمرين العملي وطبيعة التخصص الدقيق في شخصية نجم الدين أربكان على أسلوب قيادته السياسية للتيار. الإسلامي في تركيا، فهو مبادئ ومبادر لاقتناص الفرص المتاحة لتوسيع قاعدة العمل الإسلامي، وتوسيع دائرة الحريات للعمل الإسلامي، وظهر ذلك في الاستفادة من التيار المحافظ في حزب العدالة لانتهاج سياسات إسلامية محافظة من منتصف الستينيات إلى نهايتها، وعندما بدأت الفرصة سانحة لتشكيل حزب النظام الوطني في يناير ۱۹۷۰م بادر بسرعة لحشد الطاقات والإمكانات لإيجاد واجهة عمل شعبية للتيار الإسلامي خصوصًا بعد معركة انتخابات ١٩٦٨ للغرف التجارية، والتي حشدت تكتلات اقتصادية إسلامية وراءه، كما كان لفوزهم المستقل من دائرة قونية في انتخابات ١٩٦٩ سببًا لاستثمار وقوف الناس معه لتأطير هذه القوة في إطار سياسي، وكان ما أراد؛ حيث سجل في أول يوم في الحزب ١٥ ألف شخص.
كما بدت الفرصة المتاحة للائتلاف مع حزب الشعب في حكومة ۱۹۷۲ لاستثمارها في تجربة إسلامية رائدة في الحكم. وإعطاء التيار الإسلامي مشروعية قيادة الحكم في تركيا فيما بعد، وأطلع الشعب التركي على تجربة حزب سياسي إسلامي في الحكم، كما كان من ذكائه السياسي قدرته في إقناع قادة الجيش التركي للنزول في قبرص عام ١٩٧٤م مكسبًا وطنيًا، وإنجازًا تاريخيًا له، وللتيار الإسلامي.
كما أن أربكان لم يترك: أية فرصة للتأكيد على أن التيار الإسلامي هو الجزء الأهم في شبح الحياة السياسية التركية، ولهذا لم يتردد في استغلال الفرصة المتاحة لتشكيل «حزب النظام الوطني-السلامة-الرفاه»، دون الالتفات إلى صيحات المثبطين أو المخالفين، ودون الاعتبار للشكليات، حيث تأسس حزب السلامة والرفاه دون أن يكون هو المؤسس لهما.
وضوح التصورات:
الوضوح التام في الأفكار والتصنيفات والأهداف هي سمة بارزة في الخطاب السياسي لنجم الدين أربكان، فأنت لا تسأله عن سؤال في أية قضية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية إلا وتجد الإجابة محددة وواضحة، وكأنها أهداف مخططة في ذهنه ينظر إليها ويجيب عنها بتلقائية بارعة.
عندما سأله محرر «الحياة»، الأستاذ جمال خاشقجي عن تصوره لحل مشكلة الحدود والمياه مع سورية، كانت إجابته بأن هذه المشكلة عقدتها التصورات العلمانية، وبشكل بسيط فإننا سنعالج هذه القضية وفق قاعدة الأخوة، «فالسوريون هم أشقاؤنا» وسنفتح الحدود مع سورية دون تردد.
الصحفيون سألوه في المؤتمر الصحفي (26/12/1995م)،لماذا التودد للأحزابالعلمانية في تشكيل الحكومة كانت الإجابة بسيطة، أن الشعب اختارنا ونحن نتعامل مع الأحزاب بروح الأبوة، ونحن نتودد لهم كالوالد لولده فنقول «اقبلوا يا أبنائي» لخدمة تركيا.
التصورات كانت واضحة في ذهن نجم الدين أربكان في حلول مشكلات تركيا؛ حيث لم تختلف أفكاره منذ تأسيس حزب النظام الوطني إلى رفاه التسعينيات، وهي:
- «الحملة المعنوية... الأخلاق والإسلام».
- التصنيع الثقيل.
- التقدم المادي للشعب التركي دون طبقية.
- الاهتمام بزيادة الإنتاج.
- السياسة الاقتصادية المتوازنة.
- السياسة الخارجية المتوازنة.
- التعاون مع الدول الإسلامية.
ما يميز بشكل خاص شخصية نجم الدين أربكان كقائد هو صلابته، وقوة إرادته، وثباته على مبادئه عبر تاريخه الجهادي السياسي منذ صراعه النقابي والسياسي وإصدار أحكام بالسجن عليه في عام ۱۹۷۱وعام ۱۹۸۱م، حيث يؤكد نجم الدين أربكان في خطابه التأسيسي عام ١٩٧١م «إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يخربوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا إلى حد بعيد، ولهذا فإنه لا ملجأ من هذا الطوفان إلا العمل حقا لإعادة تاريخنا المجيد بحاضرنا المشرق».
لقد هاجم أربكان الماسونية والشيوعية في عز قوتها، وبين أن الأمة التركية هي أمة إيمان وإسلام، وكان ينتقل من بلد إلى بلد لنقل فكرته دونما خوف ولا وجل، ودعا إلى تغيير الدستور، وهاجم الحزبين الكبيرين اللذين تواليا على حكم تركيا، وهما حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة. وصنفهما دونما خوف في صف الماسونية، ودعا إلى عودة مناهج التعليم لتتماشى وتاريخ تركيا الإسلامي، ودعا بشجاعة لإلغاء الربا، وقد أصدرت عليه محكمة أمن الدولة العليا عام ۱۹۷۱م أحكامًا بعدم العمل بأي حزب سياسي آخر، وعدم تأسيس أي حزب مع عدم الترشيح للانتخابات مع عدم القادمة وسجنه خلال هذه الفترة.
نحن أحفاد محمد الفاتح فمن أنتم؟!
يردد أربكان كثيرًا في خطبه في ثبات أن حزب الرفاه ومن قبله السلامة والوطني، هم طريق الحق، وأنه ابتداء لتاريخ تركيا العظيمة الذي تألق في انتصارات قوصوه، ونيوكوبوليس، والقسطنطينية، ونصر قبرص، وأن هذه المسيرة هي الجوهر والروح والمعنى للشعب التركي، فنحن كما يقول أربكان أحفاد محمد الفاتح، فمن أنتم. لقد هديناكم الطريق ألف سنة، وسنستمر في طريقها باسم الله. «فهو يرى نفسه امتداداً لتركيا العثمانية الإسلامية».
في المؤتمر الذي عقد عام ۱۹۸۰م للاحتفال بذكرى فتح إسطنبول، وقف نجم الدين أربكان ينادي مائة ألف شاب احتشدوا أمامه ليؤكد بأن الله سيبارك جهادهم من أجل تخليص الأمة من الويلات والظلم، وإيصالها إلى يقظتها المعنوية «الدينية» والسعادة والسلامة، وهو يصف هؤلاء الشباب بأن كل واحد منهم مجاهد كالسلطان محمد الفاتح، ويؤملهم بأنه سيأتي اليوم الذي يمتشقون فيه سيوفهم المعنوية على خيول العمل لنصرة الحق، فهم نسل المجاهدين الذين غلبوا الدنيا في موقعة «جتن قلعة»، وأنهم الجيش المعنوي للفتوحات الجديدة والنصر قريب، وكان كما أراد خلال ٢٥ عامًا.
لقد لاحظ الشعب التركي تذبذب الكثير من الشخصيات التي التحقت في الحزب منذ تأسيسه إلى يوم الرفاه؛ حيث شهدت إقبالًا لهؤلاء عند المغنم، وإدباراً عند المغرم، إلا هذا الرجل ظل صامدًا هو وإخوانه المخلصين، ولهذا فإنهم اختاروه ليكون رئيسهم في أول اختبار حقيقي مع الأحزاب العلمانية في ديسمبر ١٩٩٥م، وهو لم ينزل إصبعه السبابة التي كانت ولا تزال الرمز المعنوي للأحزاب الثلاثة، طيلة خمسة وعشرين عامًا.