العنوان الرضى
الكاتب أبو عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 103
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 02-مارس-1976
مختارات من كتب ابن قيم الجوزية
إعداد: ابي عَبدالله
قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا»، وقال:«من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا. غفرت له ذنوبه». وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي. وقد تضمنا الرضى بربوبيته- سبحانه- وألوهيته والرضى برسوله والانقياد له والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصديق حقًا. وهي سهلة بالدعوى واللسان. وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك: تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقًا فهو على لسانه لا على حاله.
فالرضى بإلهيته- أخي الحبيب- يتضمن الرضى بمحبته وحده، وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له. والرضى بربوبيته: يتضمن الرضى بتدبيره لعبده. ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه. وإن يكن فالأول: يتضمن رضاه بكل ما يفعل به. والثاني يتضمن رضاه بما يقدر عليه.
أخي المتوكل على الله:
وأما الرضى بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته يحاكم إلا إليه ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره البتة. لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله. ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته. ولا في شيء من أحكام ظاهرة وباطنة. لا يرضى في ذلك بحكم غيره. ولا يرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقينه إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضى بدينه- أخي المجاهد- فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهي رضي على الرضى ولم يبق في قلبه حرج من حكمة وسلم له تسليمًا ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته.
وههنا- أخي الداعية- يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم فإياك أن
تستوحش من الاغتراب والتفرد. فإنه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله وروح الأنس به والرضى به ربًا ومحمد- صلى الله عليه وسلم- رسولًا وبالإسلام دينًا بل الصادق كلما وجد حسن الاغتراب وذاق حلاوته وتنسم روحه. قال: اللهم زدني اغترابًا ووحشة من العالم وأنسًا بك. وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب، وهذا التفرد: رأى الوحشة عين الإنس بالناس، والذل عين العز بهم والجهل عين الوقوف مع آرائهم، وزبالة أذهانهم والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا، فإذا انقطعت الأسباب وحقت الحقائق وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وبليت السرائر ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران وما الذي يخف أو يرجح به الميزان.
أخي.. يا من رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد- صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولًا:
إن الواعي المجاهد يجب أن يرضى بما قدره الله عليه وذلك لأمور عدة منها أنه جازم لا تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن يعلم أن كلًا من البلية والنعمة بقضاء سابق وقدر حتم ومنها أنه عبد محض والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده الشفق البار الناصح المحسن بل يتلقاها كلها بالرضى به وعنه ومنها أنه لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ولو عرف أسبابها فهو جاهل ظالم وربه تعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها. ومن أعظم أسبابها: ما يكرهه العبد، فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب قال- تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216) ومنها أنه عارف بربه، حسن الظن به، لا يتهمه فيما يجريه عليه من أقضيته أقداره. محسن ظنه به يوجب له استواء الحالات عنده ورضاه بما يختاره له سيده- سبحانه- ومنها أن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه. لا يخلو: إما أن يكون عقوبة على الذنب. فهو دواء المرض. لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى به المرض إلى الهلاك أو يكون سببًا لا تنال إلا بذلك المكروه. فالمكروه ينقطع ويتلاشى وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرضى عند ربه في كل ما يقضيه له ويقدره ومنها أمور أخرى أفضل أن ترجع إليها في كتابي مدارج السالكين الجزء الثاني من صفحة ٢٠٥ إلى صفحة ٢٣٠ وهي ذات فائدة عظيمة في هذا الباب.
وأختم رسالتي هذه بالدعاء لك بكل خير وأن يجعلك من دعاة الله المخلصين المجاهدين الراضين بقضائه والصابرين على بلائه وامتحانه
مدارج السالكين/ 2 ص 172- 173
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل