; الرأي الآخر حول معاهدة الصُلح بَين مصر و«إسرائيل» | مجلة المجتمع

العنوان الرأي الآخر حول معاهدة الصُلح بَين مصر و«إسرائيل»

الكاتب الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979

مشاهدات 106

نشر في العدد 448

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 05-يونيو-1979

كان خروج الجيش المصري للحرب سنة ١٩٦٧ بدون استعداد وإعداد مودعًا بخطب طنانة. وتصريحات حماسية خطأ فادحًا انتهى بأكبر هزيمة في تاريخ مصر، وأعطى «لإسرائيل» أعظم نصر في أقصر وقت وبأقل ثمن، ومنحها فرصة العمر، منحها أرضًا عزيزة لتكون رهنًا في يدها. ولتكون سلاحًا تستخدمه ضدنا في الحرب والسلم على سواء، وكانت نظرة البلاد العربية والإسلامية إلى الكارثة التي نزلت نظرة سطحية تافهة لا تتناسب مع بشاعة الهزيمة، وضخامة المسئولية، تجود بعض الدول بالفتات، وتحسب أنها أدت فوق ما عليها من واجبات. 

وفي الحق أن المعركة أعظم وأضخم مما نتصوره جميعًا، فاليهودية ومن ورائها الصليبية والشيوعية تستهدف أرض الإسلام، وأهله، وتتآزر ظاهرًا وباطنًا.

وواجب أن نتعلم من أعدائنا لتعرف كيف وصلوا إلى أغراضهم في نحو نصف قرن، وكيف توسعوا واستطاعوا أن يثبتوا أوتادهم في ربع قرن آخر، ولا ندري ماذا يؤول إليه الحال، لو سرنا وساروا على هذا المنوال. إن العدو اليهودي ينظر إلى الأرض نظرة «عقائدية»، وكأن تشتته و هوانه في جميع دول العالم من أعظم العوامل على استمساكه بهذه الأرض وفي نفس الوقت أعطى له الفرصة ليدرس نفوس شعوب العالم التي عاش فيها، ويدرس نفسية زعمائها، وعرف كيف يصل إلى قلوبهم، ويظفر بعونهم و تأييدهم وقام كل يهودي في جميع أنحاء العالم بدفع ثمن الأرض التي يحلم بها دمًا ومالاً وجهدًا، لم يتخلف فرد ما عن البذل بل جاد كل واحد بما يملك، كل يهودي في العالم صغيرًا كان أم كبيرًا، غنيًا كان أم فقيرًا، عظيمًا كان أم حقيرًا، وضع نفسه وكل إمكانياته في خدمة الدولة التي يمني نفسه بها ولم يتأفف لطول سني الصراع ولم يمنن بما قدم أو يقدم قل أو كثر، ولم ييأس ولم يفقد الأمل في لحظة من اللحظات، ولم يتململ مما يكابده من عناء، ولم يضق ذرعًا بما يقاسيه من شقاء بل كان على العكس يضاعف الجهد ليرى أمله وقد أصبح حقيقة ملموسة لم يعرف عن يهودي أنه نثر ماله في عرض الطريق في بلد ما، متباهيًا بالغنى متفاخرًا بالثروة، لم يعرف عن يهودي أنه بدد الأموال الطائلة الباهظة على موائد القمار، وفي كؤوس الشراب وفي قضاء شهوة دنيئة، إلا أن يكون في سبيل صيد ثمين يعوضه أضعاف ما خسر، لم يعرف عن يهودي أنه كان سخيًا في البذل إلا على الدولة التي يمني نفسه بإقامتها، لم يعرف عن يهودي في أنحاء العالم أنه تقاعس في أداء واجبه، أو استكثر وامتن بما يقوم به من أجل تحقيق حلمه.

لقد كانت «إسرائيل» تطلب من المال ما يقضي حاجتها فكانت تبرعات اليهود من أنحاء العالم تنهال عليها بما يكفي بل بما يزيد دون من أو تأفف.

نعم. لقد انهال عليها ما يكفي لشراء الأرض وشراء الذمم، وتحويل المالكين إلى أتباع وخدم، وأخيرًا تحقق لليهود ما أرادوه، وتم لهم ما منوا أنفسهم به، لأنهم حددوا الهدف، وعرفوا الغاية، ورسموا الوسيلة، وجعلوا أهدافهم عقائد، عليها يحيون، وفيها يموتون، ونشأوا جيلهم على التعصب لدينهم وغاياتهم، واهتموا بتحفيظهم آية في كتابهم «المقدس» زعموا أنها تبشرهم أن ملك «إسرائيل» من الفرات إلى نهر النيل.

يقول «هيرمان ووك» في كتاب «هذا ربي»: سألني بن جوريون، كيف يمكن لليهود أن يقاوموا العناء في العالم كله؟ فأجبت عن طريق الدين فقال ابن جوريون: أجل هذا هو الطريق الوحيد.

ويوحي من العصبية الدينية وضعوا اسم «إسرائيل»  عنوانًا لدولتهم، ورسموا نجمة داود فوق علمهم، وفي حرب سنة ١٩٦٧ وجدنا مع كل جندي منهم نسخة من التوراة، وكان مع كل جندي منا صورة لعبد الوهاب وصورة لعبد الحليم وصورة لنجاة كما في آخر صفحة في أهرام أول يونيو سنة ١٩٦٧.

هذا هو حال اليهود أما نحن العرب، أما نحن المسلمين فلم نتبين الطريق، ولم نعرف الغاية، ولم ندرك الوسيلة وتسألني أيها القارئ لماذا؟ فأقول: لأننا استبعدنا الدين فعميت أبصارنا وبصائرنا، وفسدت ضمائرنا ومشاعرنا، وسئمنا ولم تسأم أعداؤنا، وبخلنا ولم يبخل خصومنا، وجبنا وتشجع الغاصبون المعتدون كان اليهود يلقون العون من الحكومات والجماعات والأفراد، ونحن إذا جاءتنا حكومة بالفتات، توقف أبناء شعبها عن التبرعات، ولم يتوقفوا عن السخرية والنكات، وأعجب شيء أنهم ينفقون في اللهو والملذات بغير حساب، ولو كان لديهم غيرة وكرامة وشعور يقظ لوضعوا أنفسهم في خدمة المعركة، وقدموا المال في سخاء تقوية للجيوش وتوفيرًا للسلاح، واستعدادا لحرب نسترد فيها أرضنا ومكانتنا وأعجب  من هذا وأغرب أن بقية المسلمين في الدول الإسلامية لا يجودون بغير التصريحات المؤقتة، والكلمات الباهتة، وكان في إمكانهم أن يؤازروا الأمة العربية بالمتطوعين، وبالأسلحة والمال لو أثرنا  أو ثارت فيهم النخوة الإسلامية.

 كارثة حلت بالعرب وبالمسلمين نتيجة خطأ فادح فاضح، وعلاج بطيء ردئ نتيجة انعدام الشعور بالمسئولية، وسام من المعركة وتبعاتها، أدى بنا إلى هذه المعاهدة وفي رأيي أنها خطيئة تولدت عن أخطاء، وتحمل في طواياها بلاء وأي بلاء.

وكان العلاج الصحيح أن ندرس متطلبات المعركة دمًا ومالاً وسلاحًا وجهدًا، وندرس تكاليفها وتبعاتها وأبعادها، ونصارح العرب والمسلمين وتكون الوفود من أساتذة الجامعات ورجال الفكر والدعوة في البلاد العربية والإسلامية، ونبعث بهم ليجولوا في أنحاء العالم العربي والإسلامي في القرى والمدن لاستثارة الهمم، واستنهاض العزائم، وإشعال الحماس وإلهاب المشاعر، وتبصير المسلمين بالأخطار التي تهددهم إن هم تقاعسوا، وبأنواع المحن التي توشك أن تنزل بهم إن هم تكاسلوا، كان العلاج أن نستثير الأحاسيس الدينية، ونوقظ العواطف الإسلامية ليتقاسم المسلمون تكاليف المعركة بالعدل، ويساهم كل مسلم بما يدل على تغلغل شعوره بالمسئولية، واستعداده للتضحية، فيتطوع بنفسه أو يتبرع بماله، ويدفع حكومته إلى المشاركة والتأييد المادي والمعنوي تمامًا كما صنع ويصنع اليهود في كل بلد حلوا فيه.

وليس العلاج في نظري أن نجنح إلى السلم في الوقت الذي يصرون فيه على العدوان- بوجودهم- ويعلنون فيه جهارًا على مرأی منا ومسمع استمرار العدوان على القدس، وهي أعظم الأراضي التي اغتصبوها ودنسوها بأقدامهم وأعمالهم الإرهابية وكيف نتصور أنهم جنحوا إلى السلم وهم يصرخون في وجوهنا ببقائها موحدة وإلى الأبد، - على الرغم من أنوفنا- في حوزتهم، وعاصمة لدولتهم- فلسطيننا السليبة- إن المسجد الأقصى ليشكو إلى الله من تفريطنا وهواننا.

يستشهد بعض الذين يبررون هذه المعاهدة بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا...﴾ (الأنفال: 61) وإني سائل أولئك الذين يستشهدون بهذه الآية ما تقولون؟ لو أن العدو قال: سأسلمكم أرضكم بدون قيود وفي الحال، وسأكون سمحًا لا أتعنت معكم كتعنتي في هذه المعاهدة بشرط استبقاء العريش وإلى الأبد لتكون ضمانًا للسلام بيننا وبينكم. أترونه جنح إلى السلم أم ترونه لا يزال ماضيًا في عدوانه؟ أعتقد أنكم ترونه لا يزال معتديًا، وأنه يتشدق بالسلام مجرد كلام، وإذن فكيف ترونه جانحًا للسلم وهو يتمسك بأقدس البقاع المغصوبة والتي لها فضلها عند الله ولها مكانتها التاريخية عند العرب وعند المسلمين أجمعين، أتكون القدس التي قدسها الله أهون من العريش؟ وكيف تهون القدس في نظركم وأنتم أصحابها، وتعظم في عين عدوكم وهو غاصب لها، لقد قال بيجن عقب توقيع الاتفاقية كما روى حسن التهامي في أهرام ١٣-٤ -۱۹۷۷ ص ۱۳ع ٦ «إن اليهود عندما دخلوا القدس سنة ١٩٦٧ كانوا يرتمون على أحجارها يعانقونها ويقبلونها والدموع تذرف من أعينهم بعد طول غيبة وتشريد ومعاناة أجيال» اهـ وأعلن استمساكه بها وبوحدتها عاصمة لدولته، أما نحن أمة الإسلام وعلماء الإسلام فنكتفي بالكلام، وندع القدس بين براثن العدو ونبادر بإعلان السلام، لقد استطاع الحاخامات أن يشعلوا في اليهود جذوة الحماس والحنين إلى القدس، استطاع الحاخامات أن يقيموا جيشًا يتحرك بمشاعر دينية، ويبني من لا شيء دولة يهودية، وسجل حدودها على جدران الكنيست من الفرات إلى النيل، أما نحن أمة الإسلام وعلماء الإسلام فلم نستطع أن نحافظ على أرض الإسلام ونطلب من شبابنا أن يرضوا بالواقع المرير، ألا يفكروا في إقامة دولة دينية كما صنع اليهود، ونبادر بتغيير السلام الجمهوري عقب الاتفاقية، على حين بقيت لافتة الحدود على جدران الكنيست لتؤكد استمرار نواياهم العدوانية كما يستفاد من نقاش مجلس الشعب في أهرام ١١-٤-١٩٧٧ ص7ع3.

نعم. لقد أعلن العدو أنه مستعد للحرب والتضحية بالروح من أجل استبقاء القدس في يده، أيحارب ليبقى على الباطل ولا تحاربوا لتستردوا الحق الذي هو لكم؟ هل الإسلام يعرف الحدود الجغرافية التي وضعها الأعداء تمزيقًا للأمة الإسلامية، إنني اعتقد أننا جافينا الصواب، واستشهدنا بالآية في غير موضعها ويسرنا للعدو تحقيق آماله حينما فرقنا بين أرض وأرض، وكلاهما من أرض الإسلام التي يجب الدفاع عنها والاستماتة في تخليصها، إن هؤلاء الذين يستشهدون بالآية مثلهم كمثل شيخ يعيش في قرية وله ضيعة فجاءت عصابة مجرمة فاستولت على القرية ومسجدها، وضيعة الشيخ وما فيها، ثم أعلنت استعدادها لرد الضيعة إلى الشيخ بشرط أن يسالمها فقبل الشيخ عرضها ثم تلا قول الله تعالى ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ( الأنفال: 61) وإرضاء لبني جلدته، وأهل قريته، قال الشيخ للغاصبين: لا أقبل اغتصابكم للقرية واحتلالكم لها، وهي في نظري ملك لأهلها، فاستنكرت قوله العصابة وأخرجت له لسانها.

إنه ليعز علي أن يتسابق المسلمون: كبارهم وصغارهم، علماؤهم وعوامهم لكي يوطدوا دعائم الأمن «لإسرائيل» وليكونوا في خدمة أغراض الحاخامات، وليحققوا لهم ما يصبون إليه، وتتلهف أنفسهم عليه، من اعتراف بها وضمان لسلامها، وليباركوا دولتهم التي انتزعوها من أرض الإسلام، وزعموا أنها تحقيق لوعد الله لهم في التوراة فهل نتراخى ونتباطأ في تنفيذ آيات القرآن الداعية إلى الجهاد والعزة، ونسارع بالانضمام إلى الحاخامات لتحقيق باكورة وعدهم المزعوم، إن هذا ولا ريب سيشجعهم على المضي في طريقهم حتى يستكملوا كل آمالهم، وما خطر ويخطر ببالهم، ويومئذ تصبح الطامة عامة، وتحل بنا النقمة، ويتعذر الخلاص ولات من مناص.

لقد وددت لو استبعد الرؤساء والحكام جوقة الامعات والمنافقين، واستعانوا بالعلماء المجاهدين المخلصين ليمدوهم بالفكر السديد، والعمل الرشيد، والرأي الناضج، والنصيحة الخالصة، وليسهموا معهم في بناء الدولة والحفاظ عليها، وليكن لهم من اليهود عبرة.

إن نسبة ۹۹.۹۹ بالمائة نسبة ثبت ادعاؤها، ولم يظفر بها الله نفسه بين خلقه وعبيده، فالشيوعيون والملحدون الذين ينكرون وجود الله وإبداعه وحكمته يبلغ عددهم قرابة نصف العالم.

إن هذه النسبة ثبت بالتجربة فيما مضى أنها أودت بنا إلى الحضيض، وشجعت الحاكم على الانفراد بقرارات تذوق الشعب- وحده- مرارتها وتحمل فجيعتها.

ما مغزى استشهاد الفساق بالقرآن في غير مواضعه

إن هذه النسبة- فيما مضى- أخفت وراءها ألوان الفساد والإفساد التي ظهرت أثناء محاكمة القائمين على أمور البلاد هؤلاء الذين أذلوا العباد، وعاثوا في الأرض الفساد، ولم ينته عهدهم ولم تظهر فضائحهم إلا بعد تسليم الأرض والجيش والسلاح غنيمة للأعداء الألداء، وهكذا كانت نهاية الثورة في عهد رئيسها السابق فشلت في الحفاظ على الأرض التي تسلمتها من فاروق، وفشلت في إقامة حكم عادل نظيف وفشلت في إنشاء جيش قوي بعد أن مزقت الثورة جيش فاروق الذي وصل بأسلحته الفاسدة إلى قرب تل أبيب. إنه خير للحكام أن يعيشوا مع الواقع، ويحترموا علماء الدين المخلصين، ويعلموا الناس التأدب معهم، ويشجعوهم على مناصحتهم، ويبادروا بتنفيذ حكم الله إذا ذكروهم به، ولينظروا إلى حكام «إسرائيل» ماذا يفعلون؟ بعد أن وقعت القدس في أيديهم لم يستطع- دايان- أن يذهب إلى حائط المبكى بعد أن استولى عليه، وتريث حتى حضر الحاخام الأكبر، ورفع التوراة بين يديه. كذلك نشرت الأهرام ۳۰ نوفمبر سنة ١٩٦٨ ص1 ع5 ما يلي «إذا سار الحاخام على قدميه في أي شارع من شوارع «إسرائيل» يتوقف المرور فيه فلا يمكن لسيارة أن تمر أمامه وليس هذا التقدير للحاخام الأكبر وحده بل لكل حاخام يعيش في «إسرائيل».

طريق الدين طريق التقدم والحضارة

إن هذا التقدير يسر للحاخامات أن يسجلوا مواقف في إنشاء دولة من عدم، دولة أثارت الرعب والفزع في جيرانها على كثرتهم، فهل يتعاون الحكام والعلماء المجاهدون في بناء الدولة ليسجل لهم التاريخ- كما سجل لغيرهم- دورًا إيجابيًا يعود على الأمة بالعزة والكرامة. ويحمي حمى الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية. 

لقد أثبتت التجارب السابقة بأن تنكر الحكام للدين، وحرصهم على أن يكون مجرد ثقافة، وفرضهم الحصار عليه داخل المساجد حتى لا يتسلل إلى أجهزة الدولة، وتكليف الفساق بأن يتعقبوا ويراقبوا أهله أثبتت التجارب أن هذا جر على البلاد الخراب والدمار ونشر فيها الإثم والرذيلة، وجلب لها كل ألوان المحن من استغلال وانحلال وإخلال.

لماذا يحاول بعض الحكام محاصرة الإسلام بتكليف الفساق بشؤون المسلمين 

وحال دون أن تبلغ الثورة أهدافها التي بشرت بها من إطعام الجائع، وتأمين الخائف، وإعزاز المواطن، وحماية الوطن من أطماع الطامعين، ونتيجة لهذا انهار الوطن في ساعات معدودة عام ١٩٦٧، ومن لطف الله بنا أن بصرنا بأخطائنا فعدنا إلى الدين ولكن كانت عودتنا محدودة، فجاء نصر الله لنا على العدو الصهيوني سنة ۱۹۷۳بقدر عودتنا وتوبتنا وإيماننا، وتوحدت الأمة العربية لأول مرة في تاريخها الحديث والتأمت جروحها، وكان هذا الدرس مدعاة إلى أن نستمر في التجربة فقد بدأنا المعركة باقتصاد تحت الصفر «واعترف بهذا الرئيس السادات في عدة خطب كان  منها أخيرًا خطابه في جامعة عين شمس المنشور في أهرام ١٧-٤-۱۹۷۹ ص٧٩ع ٥» وسلاح متخلف دون سلاح أعدائنا ومع هذا فقد أمدنا- الله بروح من عنده بعد أن تعرضنا لنفحاته في رمضان، وبعد أن جعلنا «بدرًا» كلمة السر، أمدنا- سبحانه- بنصر أعاد إلى قلوبنا الحياة، وإلى نفوسنا الأمل والبهجة، وربى في قلوب أعدائنا الخوف والرهبة وعرفهم أن الإيمان ليس طريقه العدوان. نعم كان هذا الدرس كفيلاً بأن نستمر في التجربة، ونسترضي الله بطاعته، والبعد عن معصيته ونسارع بتطبيق قوانينه، شكرا له على نعمه، ليزيدنا من فضله وكرمه، ولكن...

بعد هذا يقول بعض الناس لقد ضحينا في أربع حروب بنحو «مائة ألف». وبآلاف الملايين من الجنيهات، وطال صبرنا ثلاثين سنة في جو كئيب من الحروب.

وأقول: هل كانت هذه التضحيات وقفًا علينا وحدنا؟ ألم يضح معنا- وإن تفاوتت التضحية- إخواننا العرب والمسلمون؟ فلماذا يستبد بنا وحدنا القلق واليأس؟ وهل كلفتنا حروبنا مع «إسرائيل» ما كلفتنا حرب اليمن كذلك ألم يضح اليهود كما ضحينا؟ فلماذا نتحدث عن أخطار الحرب ونملأ أمتنا وجيشنا بالخوف منها، واليهود يعلنون أنهم لا يبالون بها، ومستعدون للتضحية بالنفس والنفيس من أجل استبقاء القدس المغتصبة وأراض عربية أخرى، أنكون أجبن من اليهود الذين قال الله فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ﴾ (البقرة:94) أنكون أذل من اليهود الذين قال الله فيهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهم الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ﴾ (البقرة:61)، إن أخطار الحرب علينا وعليهم، تشملنا وتشملهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)

إننا في الجهاديين مغازتين إما النصر والسعادة، وإما الأجر والشهادة قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52)

وقال صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله تعالى لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بیده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك» أخرجه البخاري ومسلم ومالك والنسائي عن أبي هريرة.

إننا نتحدث عن «مائة ألف» من الضحايا فهل نسينا أن اليهود قدموا الملايين قديمًا وحديثًا فما بالهم لم يملوا العطاء بالدم والمال، ويعلنون استعدادهم لبذل المزيد دمًا ومالًا من أجل استبقاء أراض مغتصبة، أيكون أصحاب الحق أقل غيرة وحماسة لحقهم من أصحاب الباطل.

إننا نتحدث عن ثلاثين سنة قضيناها في جو كئيب، ونسينا أن اليهود عاشوا ألفي سنة في جو الكراهية والكرب، والكآبة والحرب، فما بالهم لم يركضوا إلى السلم كما ركضنا إليه، إنهم يتمنعون في آباء وصلف ويشترطون علينا الهوان في تعزز منهم وعنجهية، أين نحو من قوله تعالى﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:8) يقول بعض المنتسبين إلى العلم والدين: إنه ليس لدينا سبيل إلى أن نبلغ قوة أمريكا حتى نجازف بحرب وإذن فعلينا أن نقبل السلام!!

وأقول: لا نقبل المجازفة ولا نرتضى المغامرة، ولكنا نطالب بالإعداد والاستعداد، والترقب والتريث وتهيئة وسائل النصر المادية والروحية، وعلى قدر طاقتنا، وبعدئذ نواجه العدو، وسيكون الله معنا إذا نحن أحسنا النية، وابتعدنا عن وسائل اللهو والعصيان، وفي القرآن يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:60 )، لم  يطلب منا فوق ما نستطيع، بل كلفنا بما في وسعنا، وما زاد عن الوسع فهو سبحانه كفيل بتعويضنا عنه  قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ﴾ (الفتح :7) وقال: - ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ﴾ (المدثر:31) وقال: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ( البقرة: 249) وقال: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ (آل عمران 173:174)

وفي تاريخنا القديم وللحديث شواهد تؤكد هذا وتؤيده، ولم ينتصر المسلمون على أعدائهم يوما ما لتفوقهم في الأسلحة المادية ولا بقوة تشبه قوة أعدائهم أو تقاربها، بل كان إيمانهم بالله، وعون الله لهم معوضًا عما نقصهم، وفي عامنا هذا سنة ١٩٧٩ لم تستطع أمريكا بأسلحتها المتطورة ولا بآلاف الخبراء والعلماء أن تحمي نفسها من غضبة المسلمين في إيران وكذلك لم تستطع «إسرائيل» بدسائسها وجواسيسها أن تبقي هناك على سفارتها ونفوذها بل لاذت بالفرار وولت الأدبار ولا أدري كيف نسينا حرب رمضان، وما وقع فيها من عجائب وكرامات لا يزال الجنود يتناقلونها، ويكفي أن الله غيب أخبارنا عن عدونا، وجمع العرب من حولنا، وأعاننا آنئذ على تحطيم حصونه التي شيدها واحتمى فيها، لقد كان من اللازم أن نقوي صلتنا بالله الذي نصرنا، وأن ننمي بذور الحب بيننا وبين إخواننا الذين آزرونا، ونتفاهم ونتصارح ونتقاسم الأعباء في السراء والضراء.

 «وبعد» فقد أعلن بيجن عن أيام فرحه الثلاث، يوم أعلنوا قيام دولة «إسرائيل»، ويوم دخلوا القدس ورووا أرضها بدماء العرب، واتخذوا قرارًا بتوحيدها وجعلها عاصمة لهم إلى الأبد ويوم تم التوقيع على هذه المعاهدة لتضمن لهم السلام والأمان، على الرغم من تصميمهم على الاستمرار في هذا العدوان.

إذا كان بيجن قد أعلن عن أفراحه الثلاث فما أظن أحدًا عنده ذرة من إحساس منا نحن العرب ومنا نحن المسلمين يشاركه فيها أو يدعي أنها أفراح لنا بل هي لنا- على العكس- ما تم نتلقى فيها العزاء، ونلقي فيها كلمات الرثاء، وتستثير فينا روح التضحية والفداء.

إن هذه المعاهدة أوقعت العرب في حيص بيص، وفي فتنة صار بسببها قلب الحليم حيران، وصار الأعداء حلفاء وأصدقاء والأشقاء خصوما ألداء، إنها ستعطى «لإسرائيل» الفرصة بعد أن ينسحب جنودها من أرضنا لتتفرغ لإخواننا العرب فتغدر بهم، وتغير عليهم، وبسرعة خاطفة قبل أن تمتد يد بالعون إليهم. كذلك تسمح «لإسرائيل» بأن تمدد أرجلها بالسلم في سائر أراضي مصر لا في سيناء وحدها، وأعطت لها الحق بأن تستمتع بكل مرافقنا وموانينا وطرقنا ومواصلاتنا، وشبكاتنا السلكية واللاسلكية.

وأخشى بعد أن يجوس اليهود خلال الديار أن يتعرفوا على كل الأسرار، وعندئذ يتعرض الوطن للأخطار، ويخشى أن تنفتح شهيتهم فيواصلوا السعي لتحقيق هدفهم المرسوم المعلوم «دولة «إسرائيل» من الفرات إلى نهر النيل».

يتبع في العدد القادم

الرابط المختصر :