العنوان الذاتية الحركية
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2010
مشاهدات 94
نشر في العدد 1925
نشر في الصفحة 50
السبت 30-أكتوبر-2010
لما علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بموت النبي ﷺ ذهب إلى الناس وقام فيهم خطيبًا وقال: أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).
كان بإمكان أبي بكر أن يجلس في بيته ويبكي على حبيبه وصاحبه وخليله رسول الله ﷺ ولكن ذاتيته الحركية ونفسيته المقدامة أبت عليه أن يجلس مع الجالسين، وإنما قام - رغم هذه المصيبة العظيمة - بعمل عظيم حفظ فيه الأمة الإسلامية من التمزق والفرقة.
ولما خرج الرسول ﷺ إلى قتال المشركين في أحد ترك اليمان وثابت بن قيس في المدينة لكبر سنهما فقال أحدهما للآخر: لا أبا لك ماذا تنتظر؟ والله ما بقي لأحدنا من عُمر إلا ظمأ حمار (وسرعان ما يظمأ الحمار)، أفلا نأخذ أسيافنا فننطلق خلف رسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا الشهادة.
فانطلقا - رغم كبر سنهما - إلى رسول الله ﷺ وقاتلوا المشركين، فأما اليمان فقد اختلفت عليه أسياف المسلمين فتناولته، فقتل على أيدي المسلمين دون أن يعرفوا من هو، وحذيفة بن اليمان يصيح بالمسلمين ويقول: «أبي.. أبي والله»، ثم أعطاه الرسول ﷺ دية أبيه فتصدق بها حذيفة على المسلمين، وأما ثابت بن قيس رصي الله عنه فقد استشهد.
والقرآن الكريم وسنة نبيه وسيرة سلف هذه الأمة المباركة قد سطرت لنا هذه القيمة، وركزت على تعميق هذه الصفة لدى أتباع هذا الدين.
يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133).
ويقول الله تعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ (البقرة: 148).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
ولقد رأى عمر بن الخطاب قومًا قابعين في ركن من أركان المسجد بعد صلاة الجمعة فسألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون على الله، فعلاهم عمر بدرته ونهرهم وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الله يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10) (يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، مكتبة وهبة القاهرة، 1990م، ص 309).
ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل الذي لم يجلس ويتقاعس وإنما كان في حركة دائبة ومبادرات دائمة، حتى إن محمد بن إسماعيل الصائغ قال: مر بنا الإمام أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه، فأخذ أبي بمجامع ثوبه فقال: يا أبا عبد الله ألا تستحيي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء؟ قال الإمام أحمد إلى الموت. (ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة، ج1، مكتبة المتنبي، القاهرة، ص 74).
وهذا عمير بن الحمام رضي الله عنه لم يستطع في غزوة أحد أن ينتظر ثواني معدودات ليأكل التمرات التي بيده، وإنما بادر وأقدم على القتال حتى استشهد.
فعن جابر رضب الله عنه قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: «في الجنة» فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل. (متفق عليه).
وانظر إلى مبادرة أبي دجانة سماك بن خرشة رضي الله عنه وإقدامه في أخذ سيف رسول الله ﷺ يوم أحد فإن فيها عبرة لمن يعتبر.
فعن أنس رصي الله عنه، أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: «من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه؟»، فأحجم القوم، فقال أبودجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. (رواه مسلم).
وما أجمل ما سطره القائل يوم قال:
هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة
وأنت على سوء من الفعل عاكف
وبادر بأعمال يسرك أن ترى
إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
(*) رئيس قناة «حياتنا» الفضائية ورئيس مركز التفكير الإبداعي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل