العنوان دراسات سياسية .. الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
مشاهدات 55
نشر في العدد 642
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
الحلقة «٤»
في معرض كشف أطروحات الدولة القومية حول سلطة الحاكم التي يستمدها من الشعب، وبالتالي إعطاء الشعب حق التشريع والاستشهاد بمرحلة خلافة صحابة رسول الله الذين اجتهدوا في الأحكام، ولم يكن حكمهم مستمدًا من نص ديني. نقول أمام هذه المزاعم يجدر أن نسأل عن فهم صحابة رسول الله للأساس الذي يستمدون منه سلطتهم وتشريعاتهم: فهل فهم هؤلاء الصحابة أن عليهم أن يجتهدوا خارج إطار الشرع الإسلامي المتمثل في القرآن وسنة رسول الله؟ أم أنهم ألزموا أنفسهم بأن اجتهاداتهم لإدارة شؤون المسلمين إنما مصدرها القرآن والسنة؟
أولًا: دور الأغلبية في شرعية الحكم:
لم يأت الإسلام بطريقة محددة في اختيار الحاكم، فالأسلوب الذي جاء بأبي بكر إلى دفة الحكم اختلف عن الطريقة التي معها استلم عمر- رضي الله عنه- زمام أمور الحكم، كذلك فإن خلافة عثمان كانت مختلفة عن خلافة صحابة رسول الله، ولكن نلاحظ أن الجميع التزم بأن يكون شرع الله وسنة رسوله هما الإطار الذي يتحرك من خلاله قرارات الحاكم، وهنا يخل لمنظري الدولة القومية فيقولون: إن تباين أساليب الخلافة وكذلك مبايعة الناس للخليفة من شأنه أن يعطي الناس سلطة التشريع، وأن اجتهادات الصحابة في إدارة شؤون الأمة الإسلامية نابعة من فكر بشري لا علاقة لها بالنصوص الدينية.
ونقول لهم أن الله سبحانه وتعالى كان مصدرًا للقرآن وسنة الرسول، ولا خلاف أن سلطة أو الأحكام الصادرة من الرسول- صلى الله عليه وسلم- إنما كانت وحيًا من الله تعالى حيث يقول- صلى الله عليه وسلم- في توزيعه للغنائم: «إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» هذه القسمة لا شك أنها ستترك مبدأ تقسيم الغنائم من شأن صحابة رسول الله أن يهتدوا بهديها. أي أن صحابة الرسول إنما ترك لهم تراثًا إسلاميًّا من نصوص قرآنية وأقواله وأفعاله ونهيه لهم عن بعض الأمور وكان لابد لهم من الرجوع إليها في إدارة حكمهم على تباين الأساليب التي جاءت بهم إلى دفة الحكم.
على أي شيء تمت مبايعة صحابة رسول الله؟
هكذا فهم أبو بكر السلطة التي يستمد منها حكمه وها هو جالس على منبر رسول الله بعد يوم من بيعة سقيفة بني ساعده سنة ١١هـ وقام عمر فتكلم «إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوا فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة».
بعدها قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وان أسات فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم- رحمكم الله».
هكذا فهم الصحابي الجليل للأسس الشرعية لحكمة هذه الأسس التي لخصها في إقامة من الله وحق عباده والالتزام بذلك مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله المصدر الأول والوحيد لإدارة شؤون المسلمين ومتى ما انحرف عن ذلك فلا طاعة لأحد. ونقف قليلًا أمام هذه الحادثة لنستمد منها الخطوط العريضة للخلافة فبالأمس كان هناك الأنصار مجتمعين يريدون انتخاب سعد بن عبادة أميرًا لهم حتى اجتمع بهم عمر وأبو بكر وبويع أبو بكر أميرًا للمؤمنين واجتمعت الأغلبية حول مبايعة الصحابي الجليل ولكن كان هناك أقلية ترغب بغير ذلك، حتى كان الغد في مسجد رسول الله وبايع الناس أبا بكر بيعة عامة أي بمعنى أن الأقلية قد رضخت لحكم الأغلبية وكان إجماع المسلمين على ذلك فالإسلام وإن فسح المجال لحرية الناس في انتخاب الحاكم وتعدد المرشحين للحكم إلا أنه وبعد نتيجة الانتخابات ومعرفة الحاكم الذي حصل على الأغلبية فإن واجب الجميع مبايعته بما فيهم الفئات المنافسة. وحتى هذا الأمر فإنه لم يأت من فراغ بل إن نصوص القرآن الكريم تدعو إلى الوحدة وتنبذ الفرقة والتشرذم. ونجد هذا الفهم لاجتماع الأمة ونبذ الفرقة في حديث عمر رضي الله عنه وهو مسجى على فراشه والموت قد اقترب منه مخاطبًا أبي طلحة الأنصاري قائلًا:
«يا أبا طلحة، إن الله- عز وجل- طالما أعز الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلًا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلًا منهم. «يقصد الستة من الصحابة علي وعثمان ابنا عبد مناف وسعد وعبد الرحمن بن عوف خالا رسول الله- صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام حواري رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله».
وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلًا منهم، وقال الصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام, وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر، وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلًا وأبي واحد فاشرخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف- وإن اتفق أربعة فرضوا رجلًا منهم وأبي اثنان فاضرب رأسيهما فإن رضي ثلاثة رجلًا منهم وثلاثة رجلًا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلًا منهم فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.. هكذا فهم عمر اجتماع المسلمين على مبايعة- أحدهم، والتشديد على من خالف هذا الاجماع.
إذن يستمد الحاكم شرعية حكمه من مبايعة الناس له، أما مصدر أحكامه واجتهاداته في إدارة شؤون الأمة فيستمدها من نصوص القرآن وسنة الرسول بينما يدعى منظرو الدولة القومية أن صحابة رسول الله استمدوا سلطتهم من المواطنين وفي ذلك تجنٍ على الصحابة.
ولنقف مرة أخرى أمام تجربة اختيار خليفة المؤمنين بعد وفاة عمر- رضي الله عنه- وانحصار المنافسة على ولاية شؤون المؤمنين بين علي وعثمان- رضي الله عنهما- فنجد أن الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ما فتئ يستشير صحابة رسول الله طيلة ثلاثة أيام من وفاة عمر.. وما يهمنا في هذا الشأن هو على أي شيء بايع الناس في اليوم الثالث؟ هل بايعوا الخليفة على أن تكون الأغلبية هي التي لها حق اتخاذ قرارات الحاكم الخاصة بشؤون عقيدتهم ومعاملاتهم كما يدعي العلمانيون الجدد أم أنهم بايعوا الحاكم على إخضاع أحكامه لنصوص القرآن وسنة نبيه؟
لنترك الطبري يتحدث عن هذا الحادث فيقول: «خرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متقلدًا سيفه حتى ركب المنبر فوقف وقوفًا طويلًا ثم دعا بما لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان؛ فقم إلي يا علي فقام إليه علي فوقف تحت المنبر, فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال: فأرسل يده ثم نادى: قم إلي يا عثمان فأخذ بيده وهو في موقف علي الذي كان فيه فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال: اللهم اسمع واشهد اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر».
إذًا تباين الوسائل التي معها جاء كل من أبي بكر وعمر وعثمان إلى دفة الحكم لم يمنع من التزام الثلاثة بكتاب الله وسنة نبيه بل إن عبد الرحمن بن عوف مال إلى عزم عثمان في الالتزام بالقرآن والسنة، ورجحه على علي بن أبي طالب الذي التزم بالقرآن والسنة على الجهد وطاقة نفسه، فكيف يدعى منظرو الدولة القومية أن الخلافة لم ترتبط بأي شكل من الأشكال بالدين؟ والأمثلة أمامنا تعبر عن التزام صحابة رسول الله في أن تكون اجتهاداتهم لإدارة شؤون الأمة تخضع للقرآن والسنة وفي غياب النص القرآني والسنة فإن الإطار الشرعي سيمثل حدود تلك الاجتهادات والى لقاء آخر في مسيرة تحجيم المفاهيم العلمانية.
محاضرة بعنوان «الدولة القومية والتيارات الدينية» د. محمد خلف الله ألقاها في جمعية الأدباء الكويتية.
المراجع: تاريخ الطبري الجزء الثالث والرابع والسياسة الشرعية لابن تيمية.
من أخبار المجاهدين الأفغان
أفادت المصادر الجهادية بالعمليات التالية للمجاهدين خلال الأيام القليلة الماضية:
١- زرع المجاهدون لغمًا في مقر البوليس السري الحكومي «خاد» في العاصمة كابل أدى انفجاره إلى مقتل عشرة وجرح سبعة منهم وذلك في ليلة الثلاثاء الماضية كما هاجموا المنطقة السكنية للعائلات الروسية «مكرويان» وقتلوا عددًا من الروس ومن أعضاء الحزب الشيوعي العميل وذلك بعد يومين من وقوع الانفجار على مقر البوليس كما وقعت معركة شديدة بين المجاهدين والقوات الروسية والكارملية قرب السفارة الروسية في كابل وأصابوا مبنى السفارة أيضًا وألحقوا به خسائر جسيمة على الرغم من اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لها.
٢- نجح المجاهدون الأبطال من تدمير دبابة وقتل أربعة جنود روس معتدين في هجوم مسلح شنوه على القوات الروسية في منطقة دروازة انقلاب بمدينة هرات، كما تمكنوا من تدمير سبع دبابات وقتل جنديين من جنود الروس الملحدين في منطقة «سلطان أغا» الواقعة غربي مدينة هرات.
وتضيف الأنباء أن القوات الروسية المعتدية قامت أثر هذه الهزيمة بمحاصرة المنطقة والسرقة والنهب كما قامت طائرات العدو بقصف المنطقة مما أدى إلى استشهاد عدد كبير من الأهالي الأبرياء وتدمير المنازل والبيوت السكنية.
٣- قامت قوات الروس المعتدين بهجوم مكثف على منطقة زيركوه بمديرية شيندند التابعة لمحافظة هرات واشترك في هذا الهجوم ست طائرات ميغ وهليكوبتر وعدد كثير من الدبابات والمدرعات واستمر خمسة أيام مما أدى إلى تدمير المنطقة بكاملها واستشهاد أربعين من المدنيين الأبرياء، فقام المجاهدون بعد الهجوم وتمكنوا من قتل «۲۰۰» من القوات الروسية الغاشمة ومن بينهم ثلاث ضباط من كبار المستشارين العسكريين للقوات الروسية الملحدة وإسقاط طائرة ميغ وانهدام ست دبابات وسيارة جيب عسكرية، كما غنموا أربعين بندقية من نوع كلاشينكوف مع كمية كبيرة من الذخائر والمعدات الحربية الأخرى.
إعداد:
اللجنة الثقافية للاتحاد الإسلامي
لمجاهدي أفغانستان في الكويت