; الروائية البوسنية مليكة صالح بك: ما زلت ممنوعة من العمل بـسبب حجابي | مجلة المجتمع

العنوان الروائية البوسنية مليكة صالح بك: ما زلت ممنوعة من العمل بـسبب حجابي

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1419

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

● بلدي الذي قدم مائتي ألف شهيد.. الكلمة فيه ليست لقياداته.. بل للأغراب أدعياء الديمقراطية.

● كنت شيوعية.. ولكني لم أستطع أن أخدع عقلي وأدوس على قلبي وأتنكر لذاتي كامرأة وكمسلمة. 

●خلال رحلة شملت ست دول كتبت روايتي «الأرواح الطاهرة» عن العدوان الأكبر على فلسطين.

● علاقة المفكر بالحركة كعلاقة من يتدفأ بالموقد.. لا هو بعيد عنه ولا هو في داخله. 

تصر الدكتورة مليكة بك البوسناوي على هذا الاسم مفضلة إياه على اسم مليكة بيكوفيتش، والسبب هو أن حرف «ش» أدخل مع بداية الاحتلال النمساوي للبوسنة والهرسك الذي فرض الحروف اللاتينية على الشعب البوسني وقد حاولت مليكة إثارة الأدباء والمفكرين البوسنيين للقيام بحملة في النوادي والصحف لتوعية الشعب بحقيقة التحريف الذي حصل في تاريخ العائلات البوسنية، ولاتزال تعتبر ذلك من جملة نضالاتها التي بدأتها في السبعينيات عندما تحولت من الشيوعية للإسلام متأثرة بجملة متغيرات حدثت في العالم الإسلامي، ولا تزال تقوم بجملة مراجعات للمدارس الإسلامية. 

ولدت مليكة في مدينة سراييفو، ودخلت المدرسة الكلاسيكية، حيث كان هناك مدارس عدة تتبنى مناهج مختلفة، وكانت تلك المدرسة من المراكز التعليمية التي تضاهي المعاهد والكليات في ذلك الوقت، وقد تم إغلاقها سنة 1964م على يد النظام الاشتراكي، التحقت بكليتي العلوم السياسية والفلسفة وأكملت دراستها العليا في فرنسا، وعادت إلى سراييفو سنة 1974م حيث عملت محاضرة في كلية الفلسفة ومستشارة لوزارة الشؤون الثقافية في «جمهورية البوسنة اليوغسلافية». 

في سنة 1979م خلعت مليكة ثوب الفكر الشيوعي وسرت في عروقها دماء إسلامية جديدة، لتعيد لروحها تواصلها مع الجذور وامتداداتها في الزمن، والتخوض نضالًا ضد رفاق الأمس الذين لم يرحموها، واضطهدوها داخل محاكم التفتيش الشيوعية. المجتمع التقتها لمعرفة المزيد عن مليكة التي أصبحت علمًا فوقه نار، منذ ثلاثة عقود ملأت فيها الدنيا وشغلت الناس:

● في قمة العلو الدولي للشيوعية واستقطاباتها الجنوبية تمردت مليكة على «النظرية العلمية» وعلى «طلائع الحتمية التاريخية» والحزب الثوري وعلى الماديتين التاريخية والجدلية، كيف حصل ذلك كله؟

● نشأت في وضع سياسي، ومحيط ثقافي يزعم أن السائد بما فيه من محامد ومساوئ هو ثقافة أوروبا، ويعكس نمط الحياة الأوروبية التي لا يمكن الخروج عنها، وكان النظام الاشتراكي يروج لذلك المفهوم الذي لا يخلو من إرهاب فكري فالذي لا يعيش حياة «الأوربة» النمطية، هو متخلف ورجعي، وظلامي وغير ذلك من الأوصاف التي استهلكت، والتي تعبر عن إفلاس حقيقي وشنيع يبعث على الشفقة، فالسب والشتم لا يعبر عن أخلاقيات ونفسيات منحطة فحسب، بل يعبر عن نيات مبينة تتوق لقمع ومصادرة أنماط التفكير والعيش وفق نظم مغايرة، وتلك أزمة ديمقراطية، كانت تعيشها الاشتراكية، ساهمت مساهمة فعالة في عملية سقوطها، لأن طبيعة الحياة هي التعدد، والاختلاف، والتدافع، والجدل والحوار مع المحيط بما فيه وكل ما فيه من إفرازات، وتحت إغراء الأوربة أو الحداثة قدمت القرابين على مذبح الكهنة الجدد المتسريلين بالعلمية المزيفة، والذين لم ينالوا من الشواء إلا الرائحة ومن العلم إلا الحديث عنه، ولأني كنت طفلة فقد انعكس الواقع الموضوعي وضجيجه على تصوراتي للحياة، وانخرطت فيها بخلفية معقدة بالحداثة، ولكن أسئلة كثيرة كانت تطرق رأسي عن طبيعة ما كان يجري، وهل الأوروبية أو الحداثة بهذا التصور السائد أمر لا مفر منه وقدر مقدور؟ هل هذا هو النمط الذي يجب أن يحتذى لمجرد أنه تسمى بأسماء براقة، وهل توجد أنماط أخرى من السلوك يمكن أن تنازل وتنتصر على ما يروج له هنا وهناك كانت تلك اختلاجات تتسرب إلى نفسي متخفية، وبجرعات متفاوتة كلما شاهدت أو سمعت أو عشت حادثة وقفت عندها أو فكرت فيها، ولكني كنت أطرد تلك الطرقات الفطرية كلما ألمت بي وحاول وحاولت هزي هزًّا. وكنت أسخر منها في كتاباتي إمعانًا في حربها. ولكني لم أستطع أن أخدع عقلي وأدوس على قلبي وأتنكر لذاتي كامرأة وكمسلمة، من حيث التاريخ كان الإسلام ولا يزال أقوى مني ومن كل قوة على وجه الأرض لو يعطى الفرصة ليقول كلمته للعالمين في هدوء. في سنة 1979م اطلعت على ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وكانت تلك نقطة الحسم، وملك كياني شعور اقتحم عقلي عنوة وأفرغ ما فيه من ترهات فلسفية وتصورات معلبة عن الحداثة والتقدم والتطور والحياة كلها، ليس هناك من تطور يفوق السمو الروحي، وليس هناك من لذة تفوق أن ينام الإنسان وهو راض عن ذاته، وليس هناك من علم جدير بالاحترام من التواضع في طرح أعقد المسائل العلمية والإصغاء باهتمام لتجارب التراكمات التاريخية في الحياة الاجتماعية. 

التطور شيء طبيعي تقتضيه مصالح المجتمع وهو يسير بشكل آلي من خلال الكدح اليومي والاحتكاك السلمي بالمدنيات الأخرى وليس قهرًا من فوق، سواء بالاستعمار، أو السلطة والتي في الغالب ما تؤدي لنتائج كارثية لأن المجتمعات كالأجسام إما أن تقاوم وتنتصر أو تخضع فتنهزم وتموت. 

في السنة نفسها زرت لندن، ووجدت كتبًا إسلامية عدة قمت باقتنائها، وكان ذلك فجرًا جديدًا في حياتي، كما قمت بزيارة أخي في العراق، ووجدت حركة إسلامية تمثل إسلامًا حيًّا يتوغل في كل مناحي الحياة آثار إعجابي، وإن كنت استأت لموقف السلطات منها، وهكذا كانت ثورتي الداخلية تلامس إسلامًا يعاش وليس إسلامًا يتحدث عنه من فوق المنابر أو على صفحات الكتب فقط، وفي تلك السنة قامت الثورة في إيران والتي فاق دويها كل التوقعات، وأثرت تأثيرًا بالغًا في أدبيات ومناهج الحركات الإسلامية في العالم.. من قبلتها ومن اختلفت معها: لقد أراد الله أن يعيد الإسلام للساحة الدولية.

● الانقلاب الذي حدث في حياتك ووقوفك على أرض فكرية إسلامية أزعج الآخرين إلى هذا الحد من الهشاشة كان الفكر والحكم الحداثوي «اليوغسلافي»؟

● كنت في تلك الفترة كاتبة واثقة الخطى على درب العالمية كما كانوا يقولون وعامل أساسي في الحياة الثقافية، كنت إذا قمت بأي عمل أتقنته تمامًا، وفجأة أخرج عليهم بتصورات مغايرة لما كانوا يعملون قرونًا أو قل عقودًا على ترسيخه في الحياة انطلاقًا من نظرتهم الشمولية لها، لم يستطيعوا استيعاب ما حدث، ولم يكن لديهم ما يواجهون به الموقف من تربية حضارية في تاريخهم سوى محاكم التفتيش الكنسية فأقاموا على شاكلتها محاكم تفتيش اشتراكية حداثية، الديمقراطية الغربية هي الأخرى متأثرة بالديمقراطية العنصرية اليونانية، فعندما كانت الدول الغربية تذيق المستعمرات الهوان كانت البرلمانات فيها تناقش حقوق الإنسان، أما الآن فحضارة الاستثناءات تغفل الإسلام وحقوق المسلمين وتغض الطرف عن الاضطهاد الذي يتعرضون له أو لا يقومون بالجهود نفسها التي يبذلونها عندما يضطهد من يخدم مصالحهم من قريب أو بعيد بشكل مباشر أو غير مباشر، يعلم ذلك أو لا يعلم.

وأدخلوك السجن دون نقاش علمي أو عرض على «النظرية العلمية» أو «مبادئ حرية المرأة»؟

بعد ستة شهور من لبسي الحجاب أخرجت من العمل، وتوقفت عملية نشر كتبي وبعد تسعة شهور، وبينما أنا أذكر الله بعد صلاة الفجر اقتحم سبعة من منسوبي الشرطة «حتى لا أقول رجالًا» بيتي وأخذوني للسجن، وتركوا ابني وحيدًا وكان عمره 12 سنة، وخلال السنتين ونصف السنة التي قضيتها في السجن نقلوني إلى ثلاثة سجون مختلفة، تعرضت فيها لجميع صنوف العذاب والاضطهاد، وكان سلاحي ذكر الله والإضراب عن الطعام.

كم كانت فترة الإضراب عن الطعام؟

 أضربت عن الطعام 72 يومًا، وقد وصلت إلى حافة الهلاك.

بعد الفترة الطويلة التي قضيتيها في سجون «الفردوس الأرضي» أطلق سراحك ماذا حدث بعد ذلك؟ 

كان علي أن أخوض تجربة جديدة في النضال لأحصل على جواز سفر، وأعتصم في أماكن عدة، وبعون الله ثم بمساع حميدة من دولة إسلامية ومعاضدة من الصحافة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت في خصومة مع الدولة اليوغسلافية في إطار الصراع بين الأنموذجين الشرقي والغربي «وهما وجهان لعملة واحدة» انعكس ذلك إيجابًا على قضيتي، وقد حصلت بالفعل. على جواز سفر وعلى لجوء سياسي في لندن، كما طفت دولًا عدة منها مصر وكندا، وكنت المسلمة الوحيدة في العالم التي كانت تكشف للعالم ما كان يحدث في البوسنة من اضطهاد شيوعي، وكنت أتردد كثيرًا على المكتبات العالمية وأجمع المواد العلمية المختلفة ولم أكن مثل كثير من النساء يجمعن الملابس وأدوات الزينة وخلال تلك الرحلة التي شملت ست دول كتبت روايتي «الأرواح الطاهرة» التي استغرقت كتابتها أكثر من سنتين وتتناول العدوان الأكبر على فلسطين.

● كم عدد الكتب والروايات التي كتبتها الدكتورة مليكة؟

● لي 14 كتابًا منها الفلسفي والروائي والقصص الشعري والثقافة والسياسة، وقد حصلت إبان «شيوعيتي» على جوائز عدة كبيرة وكانوا قد أعادوا نشر بعض أعمالي دون اسمي. 

● لو سألنا الدكتورة مليكة عن أفضل ما كتبت في مجال الرواية ماذا تقول؟

● أظن أن رواية «سليمان وبلقيس» التي استوحيتها من القصص القرآني أفضل رواياتي وأتمنى أن أراها فيلمًا وأنا على قيد الحياة. 

هناك علاقة بين الثقافة والسياسة ونحن نعرف د. مليكة المثقفة، ولكننا

لا نعرف إن كانت ضمن حزب سياسي أم لا؟

 ● لم أنضم لأي حزب سياسي، ولم أسع لإقامة صالون ثقافي، أو جمعية ثقافية، وهذا أمر يتعلق بأمور شخصية أعتقد أني أستطيع أن أؤثر في الساحة الأدبية بكتبي، ولا أريد أن أصنف ضمن هذا الاتجاه أو ذاك، كما يجب على العاملين في مجال الأدب والثقافة والعلم ألا ينغمسوا في السياسة في شكلها القيادي والتنظيمي إلا بمقدار الملح للطعام، ويجب على الحركات الإسلامية أن تبعد قسمًا كبيرًا من عن العمل السياسي التنظيمي مثقفيها وعلماءها كاستراتيجية تحقق الاستمرار والانتشار، إذا ما تعطل العمل في يوم من الأيام لسبب من الأسباب، وأن تكون علاقة الكثير من المفكرين بجسم الحركة كعلاقة من يتدفأ بالموقد لا هو بعيد عنه ولا هو في داخله، وقبل الإجابة عن سؤالك أريد أن أشير إلى أني كنت أقيم دروسًا ولقاءات للفتيات في بيتي كل يوم جمعة وكان ذلك قبل بداية العدوان، وكنت أشرح لهن أن فصل الإسلام عن السياسة كفصل الرأس عن الجسد. لأن الإسلام جاء ليقود لا ليقاد أو ينقاد، وجاء ليضع أمام الإنسان معالم سيره من الميلاد إلى الميعاد انظر كم هي إهانة في حق الإسلام أن يقف عبد أمام الإسلام ويقول له قف هناك أنا الآن أكتب لغير المسلمين، لأنهم أصبحوا مصدر إلهام لكثير في عالمنا الإسلامي كتبت رواية بعنوان «حديقة لكل الناس»، حاولت فيها نزع عقدة التفوق لدى الأوروبيين وعقدة العنصر، وخرافة الشعب المختار والحضارة الغالبة، فالله لا يمكن أن يذل أو يصلب نفسه أو يسمح للآخرين بذلك. فذلك مخالف لمقامه السامي. 

الله قادر أن يحافظ على عزته وأن يغفر لعباده بطريقة لا يحتاج فيها لإهانة نفسه، فهذا مناف للكمال الإلهي، إن كان أصحاب السلطة في الدنيا لا يفعلون ذلك، لما يعتقدون من دواعي المهابة والمنزلة، فهل ملك الملوك أقل من ذلك؟ كثير من النصارى يقبلون الآن هذا الفهم وكثير من الشباب عندما يقرأون هذا في رواية يؤثر فيهم.

●هل هذا الطرح الجديد في تقديم الإسلام سينطلق من الغرب؟

 ●هذه فرصة لأطرح مخاوفي في العلن لابد من تطوير لهجة الخطاب الإسلامي الآن وليس غدًا، اتقوا الله في الإسلام أيها المتصدرون للدعوة في الغرب الغرب أرض خصبة للمخلصين لهذا الدين، واسعي الأفق الآن في الغرب من المسلمين الجدد من تمذهب بمذهب من أدخله الإسلام وأصبح يحب ويكره ويوالي ويتبرأ حسب منهج الجماعة التي ينتمي إليها. وأخشى أن يتحول المسلمون في الغرب «شيعًا يضرب بعضهم رقاب بعض» لابد من إيجاد أرضية تصالحية بين العاملين للإسلام، لابد من إيجاد تقارب لابد من نقاش علمي لحسم الخلافات أو على الأقل وضعها في مجال ما يمكن أن يسعه الاجتهاد، الخلق الإسلامي عند الاختلاف يغيب أحيانًا وهذه كبيرة. الكبائر في تاريخنا تسامح كبير وفي حاضرنا ضيق صدر، وانتماء لفهم إسلامي لا للإسلام، وهذا ما يجب التنبه له ولله الحمد هناك اتجاهات في الغرب من المسلمين الجدد تنحوا للتفكير الحر والخروج من الأطر الجاهزة، وهي الأخرى لا تخلو من أخطار.

● وكيف تنظرين من موقعك الثقافي لدور المرأة في هذا الشأن الكبير؟

● أشكركم على هذا السؤال؛ المرأة المسلمة الملتزمة بدينها هي التي تضطهد في كثير من الدول وهي مضطهدة من قبل الدولة أكثر من أي امرأة أخرى بما فيها الدول التي تتباهى بأنها أعطت المرأة حقوقها بل إن تلك الدول هي أكثر الدول قمعًا للمرأة المسلمة، بناء على المرجعية الثقافية العنصرية التي تستثني الإسلام من الديمقراطية والحرية بما فيها حرية المرأة ليس من حق المرأة أن تختار الحجاب وأن تلتزم بأوامر ربها، تمنع من أن تختار لباسها، وتمنع من الدراسة والعمل إن أصرت على ذلك وتدخل السجون والزنازين، أي اضطهاد هذا يحيق بالمرأة في هذا العصر الذي فقد الكثير فيه آدميتهم، لقد كانت المشكلة في العالم الإسلامي تكمن في عدم تعليم المرأة المسلمة، مما أدى إلى توالي أجيال جاهلة، ولكن المشكلة الآن هي الأجيال التي نشأت نشأة غير إسلامية وتجهل الإسلام بل البعض يحاربه وضرر المتعلمات الجاهلات لدينهن يوازي ضرر الجاهلات غير المتعلمات.

في ظل ما ذكرت من اضطهاد تتعرض له المرأة المسلمة ما المطلوب منها؟

الحجاب أمر إلهي غير قابل للمساومة في تركيا تناضل المسلمات يقدمن فاتورة انتمائهن للإسلام، يثبتن أنهن من الصادقات لم يفرض عليهن أحد الحجاب وبعضهن من عائلات غير ملتزمة وبعضهن من عائلات غير مسلمة أصلًا، لابد من مساعدتهن، ومساعدة كل المضطهدات في تونس، وحسب علمي لا توجد دولة غير ما ذكرت تضطهد فيها المرأة المسلمة بالشكل المخزي ذلك؛ أوصي أخواتي بالصبر والنضال، وأنا أعلم شعور الأخت المسلمة فقد سجنت وعذبت ونزع من على رأسي الحجاب وعندما دخلت السجن وضعت جزءًا من بطانية على رأسي وعندها هددوني بنزعه فقلت لآمرة السجن: بإمكانك نزع حجابي الذي فوق رأسي ولكن لا طاقة لك بحجابي الذي في قلبي وعقلي وبالمناسبة أريد أن أقول لأخواتي اللواتي يعشن في محيط محافظ الحجاب سلوك وأخلاق ورمز ثقافي وصورة صادقة لمجتمع الفضيلة وهو جزء لا يتجزأ من شخصية المرأة المسلمة، وبدون ذلك يكون مجرد قطعة قماش الحجاب ثقافة أو لا يكون المستشرق الفرنسي كوريان قال: «حدث تقديس للحجاب وفقد واجبه الأساسي»، وإذا نظرنا للحجاب على أنه تقاليد مجرد تقاليد نكون في الوضع الذي أشار إليه المستشرق الفرنسي وإذا احتقر الإنسان تقاليده أو انبهر بالآخر لن تكون له خصوصية ولن يكون مثل الآخر.

● هناك جدل حول المرأة والعمل السياسي، في أماكن كثيرة، وبحكم معاصرتك للتجربة النسوية في العالم واطلاعك الواسع في أي صف تقفين؟

● والمؤمنات، وبهذا نفهم أن قضية الاستخلاف في الأرض ليست خاصة بالرجل بل بكلا الجنسين، فآدم عندما عصى ربه لم ينزل بمفرده للأرض، فالمسؤولية في السماء مشتركة وفي الأرض كذلك، هذا في الإطار العام، أما التفاصيل، فتختلف باختلاف الرجل والمرأة، فسيولوجيًّا وبيولوجيًّا وسيكولوجيًّا، عندما ننظر في الفروقات بين الرجل والمرأة نجد أن الله خلق الاثنين لوظيفتين مختلفتين مع وجود بعض المداخل المشتركة فالمرأة تستطيع القيام ببعض الأعمال التي يقوم بها الرجل ولا تستطيع في البعض الآخر، والرجل كذلك يستطيع القيام ببعض المهام التي تقوم بها المرأة ولا يستطيع في البعض الآخر، وحتى يأتي اليوم الذي لن يأتي فتستوي فيه المرأة والرجل في كل شيء يجب أن نراعي بعض الفروقات في حكمنا، أو تكوين مجلس استشاري خاص م بالنساء سواء في الشؤون النسوية أو العامة في البلد فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستشير زوجاته في شؤون الدولة، والمرأة المثقفة المعاصرة تستطيع أن تفيد مجتمعها في كل المجالات المتاحة، ولا أريد أن تكون المرأة ديكورًا في كل مكان كما يراد لها أو يريد البعض منهن أن تكون، كما لا تريد أن يكون هناك إحباط، لابد من معالجة الأمور بعقل، ونظر في العواقب التي يمكن أن تترتب تاريخيًّا على أي موقف.

● وماذا عن استخدام المرأة كشكل من أشكال الاستقطاب السياسي؟

 ● هذا ما نلاحظه في الانتخابات الأمريكية الحالية، إذ إن الطرفين يتباريان في المناداة إلى العودة للقيم الدينية، ومعالجة الخروقات في المجال الأسري، فإذا كان العمل يأخذ من وقت المرأة ثماني ساعات فإن العمل السياسي يأخذ منها وقتها كله، وبهذا نستطيع أن نفهم سر العلاقات الباردة بين الزوجين المسيسين في الغرب خذ مثال كلينتون وزوجته هيلاري، إنهما أنموذجان للأسرة المسيسة، إن المرأة الجاهلة تخرج أجيالًا جاهلة، ولذلك من واجب المجتمعات الإسلامية أن تعلم المرأة، سواء وجدت لها وظيفة في المجتمع، أو بقيت في البيت متفرغة لتربية أبنائها، ونحن عندما نتحدث عن المرأة فإنما نتحدث عن المرأة في كل مكان، بما في ذلك الفلبينية والإندونيسية والفرنسية وغيرها الخادمة امرأة ومن حقها العيش بكرامة وبناء أسرة والحضانة التي تولت المسؤولية نيابة عن المرأة لن تكون أفضل للطفل من أمه، وأعتقد أن علماء الاجتماع أمامهم مسؤولية كبيرة في توجيه المجتمعات، وبالمناسبة أدعو الطلبة المسلمين الذين نالوا قسطًا وافرًا من العلوم الشرعية الدراسة علم الاجتماع فعلم الاجتماع الذي لا يستند للدين في تحليله الحركة المجتمع يكون عاجزًا عن رؤية كل جوانب المشكلة.

● البعض يعتبر الحديث عن الظلم الذي تعرضت له المرأة أو تتعرض له الآن نوعًا من جلد الذات وأن المرأة بخير في عالمنا الإسلامي؟

● ممن تتعرض المرأة للاضطهاد في العالم الإسلامي؟ من ثلاثة رجال، إما من رجل جاهل أو عاص أو طاغوت، أما الذي يطيع أمر ربه ويعرف قوله- صلى الله عليه وسلم- «لا يكرم المرأة إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم»، وقوله- صلى الله عليه وسلم- «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» وغيرها من الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة فالمرأة في كنفه سعيدة وعن الحياة معه راضية، بعد المجتمعات الإسلامية عن فهم الإسلام جعل البعض يبحث عن عزاء في الدوامة التي: تلف العالم المعاصر الآن المرأة التي تقتسم الفراش مع رجل يجهل الإسلام يعصر أنفاسها، لا يمكن أن تحسب جرائمه في حقها على الإسلام، أما التقاليد فمنها المحمود ومنها المذموم، والنبي- صلى الله عليه وسلم- «يقول إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فقد كان قرآنًا يمشي على الأرض «ولكم في رسول الله أسوة حسنة» .

● كيف تنظرين لقضية ضرب النساء؟

 ● القرآن لم يأمر بضرب النساء إلا المرأة الناشز التي تمتنع عن زوجها دون مبرر شرعي أو تطلعت لغيره، وضرب المرأة الناشز بطريقة لا ضرر فيها يكشف حقيقة مشاعر المرأة تجاه زوجها، إنها بالون اختبار، إما أن تنفجر وتطلب الطلاق أو حتى تأخذ متاعها وتهجره للأبد، وإما أن تغضب غضبًا لا يفهم منه أنها تكرهه أو تحب أحدًا غيره، وفي الروايات الغربية المعاصرة، وفي الحياة اليومية، حتى بين الأصدقاء وليس الأزواج فقط تكون غلظة الرجل إما طريقًا لمحبة جارفة أو فراقًا لا لقاء بعده » والإسلام يبغض النفاق ولا يعني ذلك أن كل رجل له الحق في اختبار زوجته بهذه الطريقة، وإنما في حالات ضيقة جدًّا حددها الإسلام في زاوية ضيقة جدًّا وحساسة لا ينبغي تعميمها، لقد تعرفت إلى أخت إنجليزية اعتنقت الإسلام وكانت إحدى النساء السبع اللواتي تخرجن في جامعة أكسفورد قالت لي إن موقف الإسلام من المرأة وترتيب وضعها في المجتمع هو الذي دفعني لاعتناق الإسلام المرأة الآن تتعرض للضرب والابتزاز والتحرش الجنسي وحتى القتل والتسويق السياسي والتجاري ولابد من وقف التزييف الحاصل والتجديف في حق الإسلام.

● يبدو أن هناك صراعًا بين الفكر القيمي الإسلامي والفكر الغربي الحداثي كيف تنظرين لهذا الصراع؟

 ● قضية الصراع بيننا وبين الغرب لن تنفعنا كثيرًا.. دعوتنا للإسلام ستفيدنا أكثر يجب أن ندعو للإسلام ولا ننشغل بالردود، يجب أن نرتقي بفهمنا للإسلام من خلال النقد الذي يوجه لنا. التحرر الحقيقي- كما أفهمه. هو التحرر من أولئك الذين يريدون للعالم أن يرقص على أنغامهم السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، كيف يمكن لامرأة أن تدعي التحرر والآخرون يختارون لباسها الموضة سلبت المرأة عقلها الآخرون يفكرون نيابة عنها، وإذا رفضت دمغوها بالتخلف، فتجري خلفهم لاهثة..

 ● ما الذي يجب أن تفعله المرأة المسلمة في مواجهة التحديات المذكورة، والمساهمة في الدفاع عن المرأة كما أرادها الله؟

● أريد أن أبعث بسلامي لكل المحجبات وراء القضبان في العالم الإسلامي، وللأخوات المحرومات من التعليم والعمل في بعض البلدان كتونس وتركيا بسبب أحجبتهن، فأنا مثلهن مازلت ممنوعة من العمل بسبب حجابي، فبلدي الذي قدم أكثر من مائتي ألف شهيد، واغتصبت فيه المسلمات الكلمة الأخيرة فيه ليس لقياداته وإنما للأغراب أدعياء الديمقراطية الديمقراطية العنصرية، فهي لهم فقط، فلا دور حددوه لنا سوى أن تمتدح ديمقراطيتهم ولا نعلم أن نصبح مثلهم، نحن في جهاد ولابد من استمرار الجهاد الأجيال القادمة في حاجة لنماذج معاصرة لعالمات معاصرات لمجاهدات معاصرات لكاتبات وصحفيات لطبيبات ميزات لكل عصر خصائصه وأنا أحب المبادرات الإسلامية في عالم الفكر والحياة المعاصرة بما لا يخرج عن معلوم من الدين بالضرورة اصنعوا النماذج يكن لكم المستقبل بالمداد والدماء الصبر والتضحية.. الجلد والإصرار والرباط في كل الأماكن. العلاقة يجب أن تكون على أسس إسلامية وليس على أسس حزبية تصنيف الأعداء وتصنيف الأصدقاء يجب أن يكون بالأرقام، راهنوا على الدراسات العليا فنحن في عالم الألقاب.

الرابط المختصر :