العنوان الخمر والجهاز العصبي
عنوان تمهيدي الخمر بين الطب والفقه (الحلقة ٧)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975
مشاهدات 4
نشر في العدد 258
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-يوليو-1975
القسم الثاني:
مجموعة من أمراض الجهاز العصبي، وتكون نتيجة لإدمان شرب الخمور، وليست ناتجة عن
نقص الفيتامينات المصاحبة للإدمان، وهي ثلاثة:
1. الهذيان الارتعاشي
2. الصرع
3. الهلوسة
1- الهذيان
الارتعاشي (DELIRIUM TREMENS):
وتظهر هذه الحالة الخطرة عند مدمني الخمور في
الحالات التالية:
أ - شرب كمية ضخمة من الخمور.
ب - بعد الإصابة بالالتهابات، وخاصة الرئوية.
جـ - بعد إجراء عملية جراحية أو إصابة في
حادثة لأحد من مدمني الخمور؛ ولذا ينبغي على الطبيب أن يدقق في سؤال المريض وأهله
عما إذا كان يشرب الخمور وكم هي الكمية المتعاطاة، مهما كان المرض لا علاقة له
بالخمور في ظاهر الأمر. فإصابة المريض المدمن في حادثة سيارة مثلًا تبدو أمرًا لا
علاقة له مباشرة بشرب الخمر.. ولكن ذلك قد يؤدي إلى حالة الهذيان الارتعاشي.
د - توقف مدمن الخمر فجأة عن شرب الخمور.
وتبدأ أعراض هذا المرض بازدياد القلق وفقدان
الشهية مع الأرق، ثم تظهر ارتعاشات واختلاجات فجة في اليدين واللسان والوجه. كما
يتخيل المريض أشباحًا أو يسمع أصواتًا ليس لها وجود إلا في مخيلته، كما يحس بحشرات
وعناكب تجري تحت جلده.. وقد يرى الثعابين وهي تزحف عليه.. كما يسمع جلبة حيوانات
وفئران وحشرات مرعبة ويراها بعينيه، فيصرخ فزعًا مرعوبًا من هذه الأشباح.. فتأتي
الممرضة أو الطبيب ويؤكدون له أن لا شيء هناك.. وهو واثق كل الثقة أنها أمامه..
فكيف يصدق قولهم بينما هو يرى بعينيه تلك الأفاعي ويسمع بأذنيه فحيحها؟! كما أنه
يشم تلك الرائحة العفنة التي تزكم أنفه، والكل يقسم أن ليس هناك روائح كريهة على
الإطلاق.. ثم تلك الطعوم القذرة البغيضة التي يقدمونها له مع طعامه.. إنها سموم ناقعة
وهم يزعمون أنها غذاء جيد.. تبًّا لهم.. أي غذاء جيد ذلك الذي يزعمون! يحضرون له
أغذية من سم الأفاعي والعناكب ثم يزعمون أنها لحم طير مما يشتهون.. تبًا لهم
وتعسًا!
وهكذا يعيش المريض في رعب وأوهام وخيالات
مرعبة.. وهي ما يطلق عليه حالات الهلوسة، وقد جهد الطب في معرفة أسبابها، فوجد بعض
التعليلات وما زال أغلبها سرًا كائنًا لم يكشف عنه بعد، وقد اكتشف أن لهذه الحالة
علاقة بالنوم.. وما كشف هو أن نوم المرء السوي يمر بمرحلتين:
الأولى: مرحلة النوم العميق:
وفيه تقل سرعة النبض وسرعة التنفس، كما يقل ضغط الدم، كما تقل أيضًا سرعة الموجات
الكهربية المنبعثة من المخ من ثلاث عشرة موجة في الثانية في حالة اليقظة إلى ثلاث
موجات عند النوم العميق كما يسجلها رسام المخ الكهربائي، وتستغرق المرحلة ساعة
ونصف ساعة ثم تتبعها المرحلة التالية.
المرحلة الثانية:
وهي ما يسمى بنوم حركة العين السريعة (RAPID EYE MOVEMENT SLEEP):
وفيها حركة سريعة لمقلة العين، وتستغرق هذه
المرحلة من خمس إلى عشر دقائق فقط. ويسجل رسام المخ الكهربائي تغيرًا ملحوظًا
وزيادة في النشاط الكهربائي للمخ، فتتحول تلك الموجات البطيئة في المرحلة السابقة
إلى موجات سريعة على شكل موجات المغزل، وتبلغ سرعتها خمس عشرة موجة في الثانية.
ويكون التنفس سريعًا غير منتظم، كما يزداد
وجيب القلب وخفقانه على عكس ما كان عليه في مرحلة النوم العميق، وترتخي العضلات
ارتخاءً شديدًا، وبإيقاظ الشخص في هذه الحالة يتبين أنه يحلم.. وتتكرر هذه الحالة
كل ليلة من 4 إلى 6 مرات، وإذا تكرر إيقاظ الشخص في هذه المرحلة فإنه قد يكرر ذلك
النوم لعشرين مرة في الليلة الواحدة.. ولا يشعر الشخص بأنه قد أخذ حاجته من النوم
إلا إذا دخل في مرحلة نوم حركة العين السريعة، أما إذا كان نومه خاليًا من هذه
المرحلة فإنه يصبح متعبًا ولا يشعر بأنه قد أخذ حظه من النوم.
وقد وجد أن بعض العقاقير التي تسبب الإدمان
مثل الكحول والباربيتورات تؤدي إلى انعدام نوم حركة العين السريعة، وهو النوم
الضروري للإنسان. فإذا ما سحب العقار أدى ذلك إلى حركة عكسية، وهي أن يكون نوم
الشخص كله في مرحلة نوم حركة العين السريعة. ولما كانت يقظة المدمن لفترات قصيرة
تتخللها نوبات نوم حركة العين السريعة التي تحصل فيها الأحلام، اختلطت على المدمن
الأحلام بالواقع، ورأى الأحلام المزعجة والكوابيس المرعبة وكأنها حقيقة. وهو لذلك
يرى الأفاعي والعناكب والحشرات تزحف عليه، ويسمع الأصوات المخيفة، كما يشم الروائح
الكريهة ويطعم الطعوم الغريبة المزعجة، ولا يشك في أن تلك الرؤى هي حقائق؛ إذ كيف تقنع
من يرى بعينيه ويسمع بأذنيه أن ما يراه ليس إلا كابوسًا؟!
وهكذا تتحول حياة هذا البائس إلى سلسلة من
الكوابيس المزعجة، فيصرخ ويستنجد ويتهم من حوله بتدبير المؤامرات لقتله، أو يتهم
زوجته بالخيانة الزوجية، كما يتهم أقاربه وأصدقاءه بفعل الفاحشة معها.. وهذا ما
يعرف باسم الاعتقادات الزائفة (DELUSIONS)،
وتختلط عليه الاعتقادات الزائفة بالهلوسة.. فقد يرى أشخاصًا يهاجمونه أو يدبرون له
مكيدة، فيقوم بالدفاع عن نفسه فيهاجم الطبيب أو الممرضة، وإذا وصل إلى يده آلة
حادة فقد يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة.. ويصاب بالشك الشديد في كل من حوله، وهي
الحالة المعروفة باسم البارانويا (PARANOID IDEATION)، ويصاب المريض بالخلل الشديد في تقدير المكان والزمان وتقدير
المواقف.
كما أن حالات الرعب والقلق والكآبة تؤدي إلى
الحالة المزاجية السوداوية «الميلانخوليا (MELANCHOLIA)»، وخلاصة القول: تتحول حياته إلى جحيم لا يطاق.
ولكأنما لا يكفيه كل هذا العذاب الذي يصب عليه
صبًا، فتضاف إليه حالات الصرع والتشنج.. وتنتابه حركات عنيفة لاإرادية ينتفض لها
جسده كله مع فقدان الوعي.. فتنقبض عضلات جسمه انقباضًا شديدًا حتى لا يستطيع أن
يخرج نفسَه، وتطبق عليه إطباقًا مخيفًا رهيبًا، فيزرق لون جلده ويعضّ لسانه ويقع
مغشيًا عليه إلى الأرض.
وهذه المرحلة تعرف بالمرحلة المنقبضة (TONIC
PHASE)، ثم تتبعها اختلاجات وتشنجات سريعة، وهي
عبارة عن تقلصات سريعة للعضلات يتبعها ارتخاء لفترة ثوانٍ، ثم يعود الانقباض
فالانبساط.. ويرتجف المريض من جرائها.. ويهتز جسمه كله اهتزازًا مرعبًا مخيفًا..
ويظهر الزبد من فمه.. ولكأنما هناك ألف يد خفية تهزه هزًّا عنيفًا في كل ثانية، وتقذف
بكل عضلة فيه حتى تدفع البول والغائط من مخارجه دفعًا.. كل ذلك وهو مغشي عليه.
انظر إلى هذه الصورة المرعبة المخيفة ثم
استمع بعد ذلك إلى تحليلات الأطباء يفسرون لك كيف تستطيع الخمر أن تقوم بهذه
الأعمال الرهيبة التي تحتاج إلى قوة ألف حصان لفعلها.. والطب يقول: إن هناك مادة يكونها
الجسم تمنع الاختلاجات والتشنجات والارتعاشات تُدعى مادة «جابا»، وهي مادة مكونة
من حامض أميني وفيتامين البيريدوكسين بالمعادلة التالية:
(حامض أميني (جلوماتيك) + فيتامين
البيريدوكسين = جابا)
ولهذه المادة خاصية عجيبة في منع الاختلاجات
والصرع.. فماذا تفعل الخمر؟ إنها تقوم بمنع صنع هذه المادة الهامة.. ونتيجة لذلك
يزداد هياج خلايا المخ ويضطرب نشاطها الكهربائي، فتحدث نوبات الصرع التي ذكرناها.
وأشهر الخمور المسببة لهذه الحالة هو خمر الروم (RUM)، وهو خمر يشبه العرق الموجود في كثير من البلاد العربية، وقد
سميت هذه النوبات المخيفة بنوبات الروم.
وهناك خمر أخرى تدعى الأبسنث (ABSINTHE) تسبب الصرع بخاصية أخرى؛ إذ بها مادة سامة تدعى ثيوجون (THUJONE) تهيج خلايا المخ وتزيد من نشاطها الكهربائي وتحوله إلى حالة صرع
مرعب مخيف..
ولا تكتفي الخمر بفعل هذه الأفاعيل بذاك
البائس التعيس المصاب بحالة الهذيان الارتعاشي، وإنما تضيف إلى ذلك ارتفاعًا
شديدًا بالحرارة حتى تصل إلى 105 فهرنهايت. كما يفقد جسم ذلك البائس قدرته على
مقاومة الميكروبات والفطريات الغازية فتهجم عليه وتجده فريسة سهلة..
وكأنما هذه المصائب تنحدر إليه من كل حدب وصوب..
فتصاب الكلى ويكثر الزلال في البول.. وتضطرب سوائل الجسم وموادها مثل الصوديوم
والبوتاسيوم والبيكربونات.. وترتفع حموضة الدم إلى درجة قاتلة.. ثم تأتي ثالثة
الأثافي فتصيب القلب.. فتتمدد عضلة القلب وتنتهي سريعًا بوهط القلب وهبوطه فالوفاة..
ولذا فإن علاج حالات الهذيان الارتعاشي يتطلب
جهدًا شاقًا وتخصصًا دقيقًا في كيفية معالجته.. ولهذا وجدت مستشفيات خاصة في
أوروبا وأمريكا لمعالجة حالات الإدمان وما يتبعها من مضاعفات خطيرة.. ومع هذا
التخصص الدقيق ورغم وجود الإمكانيات الهائلة والتقنية الحديثة فإن من ينقذون من براثن
هذا الوحش الكاسر ليسوا إلا نسبة ضئيلة ممن يقعون فريسة له.
ولذا فمن الواضح جدًا أنه من الأسلم في كل حال
الابتعاد عن براثن هذا الوحش الكاسر.. بل الحق أننا نظلم الوحش حين نشبهه بالخمر
وبما تفعله.. فلن تستطيع وحوش الأرض كلها أن تقوم بمثل هذا التعذيب الرهيب لأولئك
البؤساء الذين يقعون فريسة لها..
القسم الثالث:
مجموعة من الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي
بسبب إدمان شرب الخمور، ونتيجة لنقص فيتامينات ب1 وب6 ونياسين.. والخمور تسبب نقص
الفيتامينات للأسباب التالية:
1. سوء التغذية المصاحبة للإدمان؛ فالمدمن في العادة
لا يهتم بشراء الطعام وقد لا يملك القدرة على شرائه، وإذا وجد لديه الطعام الجيد فالشهية
مفقودة، فإذا أرغم نفسه على ازدراد الطعام فإن التهاب جدار المعدة الناتج عن شرب
الخمور كفيل بقيئه وطرده من المعدة.. فإذا أرغم على البقاء فإنه يمر بدون هضم ولا امتصاص
من الأمعاء.. وهكذا يفقد الطعام فائدته حتى لو أرغم المدمن نفسه على أخذ الطعام
بدون رغبة فيه.
2. أن الكحول مادة ذات سعر حراري عالٍ وتحتاج لأكسدتها
كميات كبيرة من فيتامين ب1، وبالتالي يؤدي ذلك إلى نقص هذا الفيتامين؛ إذ إن الجسم
يستهلك منه بوجود الكحول أضعاف الكمية المستهلكة منه عند عدم وجود الكحول في
الجسم.
ويؤدي نقص هذه الفيتامينات إلى أمراض الجهاز
العصبي التالية:
1. التهاب الأعصاب المتعدد
2. مرض فيرنيكه الدماغي
3. مرض البلاجرا
4. متلازمة كورساكوف
5. التهاب عصب العين المؤدي إلى العمى
ولنبدأ بشرح موجز لكل واحد من هذه الأمراض الوبيلة
التي تسببها الخمر:
1. التهاب الأعصاب المتعدد:
قد تحدثنا بإيجاز عن الأعصاب في مقدمة الحديث
عن الجهاز العصبي، وقلنا إن هناك اثني عشر عصبًا من كل جهة تخرج من المخ وهي
المسماة بالأعصاب المخية.. وأن هناك ثلاثة وثلاثين عصبًا شوكيًا من كل جهة (اليمين
واليسرى) تخرج من النخاع الشوكي، كما أن هناك مجموعة من الأعصاب اللاإرادية وهي
المجموعة التعاطفية والمجموعة نظير التعاطفية.
وإذا نظرنا إلى كل عصب من هذه الأعصاب نجده
يخرج من خلية عصبية إما في المخ أو في النخاع الشوكي.. وله محور أسطواني وغلاف
دهني - نخاعي (انظر الصورة).
وتصدر الأوامر من المخ من خلايا بيتز وتسير في
مسارات عجيبة رائعة حتى تصل إلى الخلايا الموجودة بالقرن الأمامي من النخاع الشوكي..
ومن هناك تخرج الأعصاب وترسل الأوامر إلى العضلات فتنقبض.. كما تذهب الأحاسيس في
أعصاب أخرى حتى تصل إلى النخاع الشوكي، ومنه في مسارات بديعة متناسقة حتى تصل إلى
المخ حيث الإدراك والرؤية.
وما تفعله الخمر في هذه الأعصاب هو تحلل في
محاورها الأسطوانية، وهذه المحاور هي الأعصاب ذاتها، وهي التي تنقل الإشارات
الكهربائية والأوامر من الخلايا إلى العضلات وتنقل الأحاسيس من الجلد والجسم إلى
خلايا الجهاز العصبي.
ويؤدي التهاب المحور الأسطواني وتآكله إلى التحلل
الصبغي في الخلية العصبية التي يتفرع منها العصب.. وينتهي ذلك بموت الخلية
العصبية، وبذلك لا يمكن شفاء ذلك العصب.
ولذا فإن ما تفعله الخمر في الأعصاب أشد مما
تفعله كثير من الأمراض الأخرى؛ إذ يكون التهاب الأعصاب مقصورًا على الغلاف الدهني دون
المحور الأسطواني، وهو التحلل المشهور بتحلل فالاريان في الأمراض الأخرى؛ ولذا
يعود العصب إلى سابق حالته بعد شفائه.. أما التهاب الأعصاب الناتج عن شرب الخمر
فإن إصابته قد تكون بالغة ومميتة للعصب نفسه فلا يبرأ حتى بعد التوقف عن الشراب..
وإن كان البرء والشفاء هو الغالب عند التوقف عن الشراب وأخذ كميات كبيرة من
فيتامين ب1.
ولا تقتصر الإصابة على الأعصاب الشوكية التي
تغذي الطرفين العلويين والسفليين (أي الكتفين والعضدين والذراعين واليدين والفخذين
والساقين والقدمين)، بل تشمل الأعصاب المخية وأهمها إصابة العصب الوجهي المزدوج..
فيصاب العصب الوجهي (العصب المخي السابع) من الجهتين اليمنى واليسرى، وهذا أمر
نادر الحدوث إلا في حالات الإدمان الكحولي، كما تصاب الأعصاب المغذية لعضلات
العين، ويؤدي ذلك إلى الرؤية المزدوجة بحيث يرى المريض الشخص شخصين، والقلم قلمين
وهكذا، مما يسبب ضيقًا وحرجًا شديدًا للمريض، وأكثر أعصاب عضلات العين إصابة هو العصب
المخي السادس (العصب المبعد)، وتكون الإصابة به أيضًا مزدوجة. وكلما التفت المريض يمنة
ويسرة اضطربت الرؤية ورأى الشيء شيئين، وتسبب ذلك في صداع وضيق.
ولا تكتفي الخمر بإصابة الأعصاب الشوكية
والأعصاب المخية، وإنما تصيب أيضًا أعصاب الجهاز اللاإرادي: التعاطفي ونظير
التعاطفي.
وقد أسلفت القول في أهمية هذا الجهاز، وكيف
يسيطر على نبضات القلب وضغط الدم وعمليات الهضم والتنفس والسيطرة والجهاز
التناسلي.
ونلاحظ إصابة هذا الجهاز بالأعراض
التالية: ازدياد وجيب القلب وخفقانه واضطراب نبضه، كما يقل ضغط الدم عند الوقوف
بحيث يؤدي ذلك إلى الشعور بالدوخة والدوار اللذين قد تصل شدتهما إلى الغيبوبة.
كما يضطرب الجهاز الهضمي نتيجة لإصابة الأعصاب
اللاإرادية، ولشرب الخمور وتأثيرها المباشر على الجهاز الهضمي.
ويفقد المريض قدرته الجنسية ويصاب بالعنة،
وذلك نتيجة لإصابة الأعصاب التعاطفية ونظير التعاطفية المغذية للجهاز التناسلي..
وهكذا تفعل الخمر بهذا البائس!
أ - شلل في الأطراف: يبدأ من القدمين
والساقين ويزحف على الساعدين والعضدين حتى يصل إلى الذراعين والفخذين، ويكون فقد
الإحساسات أشد من ضمور العضلات؛ فلا يشعر المريض بالحرارة والبرودة ولا حتى بوخز
الإبر، كما أنه لا يستطيع الوقوف أو المشي إلا بصعوبة بالغة؛ وذلك لفقدان الإحساسات
المنبعثة من العضلات. ولذا نرى المريض يرفع رجله دائمًا لأعلى ويقذفها نحو القاع
عند المشي.. ويترنح في مشيته.. وذلك ما يدعى بالتخلج الإحساسي؛ تمييزًا له من التخلج
المخيخي الذي ذكرناه من قبل والذي يصيب المدمنين أيضًا.
ب - شلل في بعض الأعصاب المخية: مثل
العصب المخي الثالث المغذي لعضلات العين، أو العصب المخي السادس المغذي للعضلة
الوحشية لمقلة العين، أو العصب المخي السابع المغذي لعضلات الوجه.
جـ - شلل الأعصاب اللاإرادية: التي
تؤدي إلى اضطراب الجهاز الهضمي وإلى هبوط ضغط الدم عند الوقوف، وإلى فقدان القدرة
الجنسية، وإلى اضطراب النبض ووجيب القلب وخفقانه.
2. مرض فيرنيكه الدماغي:
وهو مرض خطير ناتج عن نقص فيتامين ب المركب،
وعلى وجه الخصوص فيتامين ب1. وتكثر الإصابة به في المدمنين للأسباب التي شرحناها
من قبل.
وتكون الإصابة في المخ الأوسط وحول القناة في
المادة السنجابية (الرمادية) في المخ الأوسط، أي في المناطق التي يخرج منها العصب
المخي الثالث والرابع اللذان يغذيان عضلات العين، وينتج عن إصابتهما شلل في عضلات
العين مما يسبب الرؤية المزدوجة، كما أن بالمخ المتوسط منطقة مسؤولة عن اليقظة
فإذا أصيبت نتج عن ذلك خمول وبلادة ونوم وما هو بنوم ولكنه شبيه به، كما أن الجسم
والأطراف كلها تصاب بالشلل، ولكنه لا يكون على وتيرة واحدة وإنما يقل ويزداد من
يوم إلى آخر، كما يصحب ذلك بعض الاضطرابات العقلية والنفسية كعصاب كورساكوف.
3. عصاب كورساكوف:
وهو مرض نفسي أول ما لوحظ على مدمني الخمور.
ويفقد المريض فيه ذاكرته للحوادث القريبة العهد، بينما يحتفظ بذاكرته للحوادث
المتقادمة. ويقوم المريض بوصف وقائع وهمية وحوادث خيالية ويجزم بوقوعها مع اعتقاد
لا يتزعزع بصحة خيالاته، فيجزم المريض مثلًا بأنه خرج إلى السوق واشترى كذا وكذا
وقابل فلانًا وفلانًا.. بينما هو مشلول لا يستطيع أن يحرك عضلة ساقه.
4. التهاب عصب العين المؤدي إلى
العمى:
ويحدث هذا عند مدمني الكحول، كما يحدث أيضًا
نتيجة التدخين مع شرب الكحول، وكلا العادتين مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا؛ فنادرًا ما
نجد شخصًا يشرب الخمر دون أن يدخن. وتتعاون المادتان السامتان في الكحول والتبغ
على إحداث العمى، وخاصة مع وجود نقص في مجموعة فيتامين ب المركب. كما أن الكحول
الميثيلي له صيت شائع في إحداث العمى بمجرد شربه ولو لمرات قليلة. وقد كثرت
الإصابة في الولايات المتحدة عندما منعت الخمر، كما أن الإصابة به غير شديدة
الندرة في البلاد العربية حيث تُشرب الخمور الرديئة سرًا، وحيث لا توجد حملات توضح
أضرار الخمور وعواقبها الوخيمة.
5. مرض البلاجرا:
وهو مرض خطير ينتج عن نقص مجموعة فيتامين ب
المركب، وخاصة فيتامين النياسين. ويكثر في البلاد التي تعتمد على الذرة كمصدر
غذائي أساسي دون القمح، كما يظهر بين مدمني الخمور لإصابتهم بنقص غذائي في
الفيتامينات المذكورة.
وينتج عنه إصابة جلدية تكون في الأجزاء
المعرضة للشمس؛ مثل الوجه وصفحة العنق واليدين والساقين والأقدام، ويزداد الالتهاب
في أماكن الارتفاق كالمرفقين والركبتين.. ويكون ذلك مصحوبًا بإسهال شديد والتهاب
باللسان مع حمرة شديدة، كما يصاب الجهاز العصبي بإصابات بالغة:
أ - المخ: فساد وتآكل في خلايا قشرة
المخ تؤدي إلى الجنون.
ب - النخاع الشوكي: ويصاب المسار
الهرمي، وهو الذي يحمل إشارات الحركة من الخلايا المخية العليا إلى خلايا القرن
الأمامي في النخاع الشوكي. وينتج من ذلك شلل للأطراف من نوع الشلل الأعلى الحركي،
وهو شلل للأطراف غير مصحوب بضمور العضلات مع تيبس وزيادة في الأفعال الانعكاسية.
كما أن المسارات التي تحمل الأحاسيس من الأطراف إلى المخ تصاب أيضًا، وخاصة تلك
التي تحمل الأحاسيس من العضلات والصفاقات، وهي التي تدلنا على مواضع أقدامنا.
جـ - التهاب الأعصاب المتعدد: ويصيب
الأعصاب الطرفية فيشل اليدين والقدمين، ثم يزحف الشلل فيصيب الساعدين فالذراعين في
الأطراف العليا، ويزحف في الأطراف السفلى من القدمين إلى الساقين فالمقعدين.
وتشفى هذه الحالة إذا أعطي المريض جرعات كافية من فيتامين النياسين (حامض النيكوتينيك) مع كميات وافرة من الحليب (اللبن) الذي يحتوي على بروتينات خاصة مضادة لمرض البلاجرا، وهو الحمض الأميني ترتبوفان. وهكذا نرى اللبن دائمًا على طرفي نقيض مع الخمر في كل شيء؛ فالخمر تهيج أغشية المعدة وتسبب التهابها، واللبن (الحليب) على النقيض من ذلك يهدئ من التهاب أغشية المعدة ويستعمل كعلاج ناجع لالتهاباتها وقرحها، واللبن يشفى من مرض البلاجرا والخمر تسببها، بل إن اللبن إذا شرب قبل تناول الخمور أعاق امتصاصها وأخباثها، ولا عجب فقد اختاره الرسول صلوات الله عليه حين أسرى به وترك الخمر حين قدمت إليه، فتناول اللبن وشرب منه. واللبن كله فوائد، والخمر كلها مضار.. فسبحان من خلق الأشياء وأودع فيها صفاتها وخصائصها!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل