; الخلاف السوري الأردني بين الخلافات العربية | مجلة المجتمع

العنوان الخلاف السوري الأردني بين الخلافات العربية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1980

مشاهدات 62

نشر في العدد 507

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 16-ديسمبر-1980

  • الأنظمة الثورية عبر الخارطة العربية تفرز الفتن والاشتعالات الحدودية حيثما وجدت.
  • هل تعيد تجربة صلاح جديد مع الأردن نفسها مع نظام خلفه من جديد؟

 لنقف هنيهة أمام المصور الجغرافي الذي يبين دويلات العالم العربي وحدوده على الخارطة الرسمية.. لنقف هنيهة مطلين على الشعوب والأنظمة في هذه الدويلات التي نشأت على هذه الشاكلة بعد توفر عاملين أساسيين:

  1. سقوط الخلافة الإسلامية الجامعة للوطن العربي والإسلامي، في وحدة لا تعرف الحدود والخلاف والنزاع والتشنخ.
  2. العمل الاستعماري الذي وضع هذه الخارطة وحدد البلاد العربية، واقتسم النفوذ فيها بعد سقوط الخلافة الإسلامية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

 هذان العاملان هما السبب الجوهري الرئيسي في التكوين الخرائطي المعتمد من قبل الأنظمة العربية والعالمية للعالم العربي.

 ومنذ أن توفرت الفرصة للمستعمر الغربي الصليبي الحاقد بفقدان الزعامة العربية الإسلامية الواحدة، اتخذ من تقسيم العالم العربي إلى دويلات متشرذمة.. ونصب على هذه الدويلات زعامات لها مالها.. وعليها ما عليها من وزر وإثم في تمكين الاستعمار من اقتسام الولاء السياسي بزعامات المنطقة بين أطرافه المتنافسة على النفوذ.

 وهنا لا بد من وضع إشارتين:

الأولى:

 إن الأطراف الاستعمارية وعلى رأسها «فرنسا -وإنجلترا» لم تكن في فترة ما بين الحربين العالميتين على وفاق تام.. وإنما كانت حالة الجزر والمد التي تحدد العلاقة بين الطرفين، هي أشبه بالحالة التي يلاحظها المراقبون السياسيون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في عصر الوفاق الحالي، وسياسة الوفاق بين «فرنسا- وإنجلترا» آنذاك لم تكن إلا الترجمان الصحيح لحالة اقتسام النفوذ في دول العالم الثالث، ومنها دول العالم العربي والإسلامي. بحيث تنعكس هذه الحالة بالتالي على الأنظمة الحاكمة في المستعمرات التي ارتبط زعماؤها بالفرنسيين أو الإنجليز.

الثانية:

 إن الزعامات التي كانت تحكم المنطقة كانت تحدد سياستها الداخلية والخارجية تبعًا للولاء الاستعماري الخاص بها.. فالملوك المصريون قبل فاروق.. لم يكونوا إلا الأداة الطيعة في يد الإنجليز.. بحيث ينحصر دورهم السياسي في التعبير عن الولاء للاتجاه الإنجليزي ومواقفه من قضايا هذا العالم، بينما كان حكام سوريا ولبنان والمغرب العربي مثلًا يعبرون عن الولاء لفرنسا في اتجاهاتهم السياسية والخارجية.

ماذا يعني هذا؟!

 إن في هذه الرؤية معان كثيرة تفسر لنا مواقف الاتجاهات السياسية المتناقضة لزعماء هذه الأمة في فترة ما بين الحربين، الأمر الذي كان يؤدي إلى إشغال المنطقة الدائم في حالة الصراعات الهامشية تضمن استمرارية وجود المستعمر في وسط الخلافات العربية.

فتنة الاتجاهات الثورية:

 وقد تطورت هذه الحالة إلى الأسوأ بعد قيام الثورة على الملكية في مصر، حيث جاء عبد الناصر.. وساهم بعد سنوات قليلة من مجيئه في جلب الحضور الروسي إلى المنطقة العربية.. وهذا يعني أن حضورًا استعماريًا جديدًا دخل في الصراع على النفوذ في العالم العربي.. ثم انتقلت العدوى إلى سوريا.. حيث نودي باتخاذ المنهج الاشتراكي الممسوخ عن النظريات الماركسية.. وانتقلت هذه العدوى إلى بلدان عربية أخرى شكلت فيما بعد محورًا سياسيًا، دأب على بذر الشقاق في صفوف الأمة.. حتى إننا لو عدنا إلى الخارطة العربية الآن.. لوجدنا أن المستعمر نجح نجاحًا باهرًا في رصف بعض الزعامات الثورية على الخارطة العربية بهدف استمرار النزاع والخلاف بين الأنظمة المتجاورة. ففي إفريقيا نجد أن جمهورية موريتانيا على خلاف مستمر مع المملكة المغربية والنظام فيها.. بينما نجد حكومة المغرب في نزاع دائم مع حكام الجزائر وهم ممن يوصفون بالثورية والتقدمية. وحكام الجزائر على خلاف مستمر مع جيرانهم التونسيين.. بينما نرى حكام تونس يعيشون في حال من الصراع السياسي المستمر مع جارهم القذافي، الذي كان متذبذبًا في البدء في علاقاته مع التونسيين، بحيث ارتقت العلاقة بين البلدين إلى مستوى إعلان الوحدة الفورية، ثم انحدرت فجأة إلى مستوى حشد القوات العسكرية.. وعملية قفصة التي حركها العقيد من الحدود الليبية إلى الداخل التونسي مثل كبير على ذلك. أما علاقة القذافي بجاريه «السادات والنميري» فليست بحاجة إلى تعليق.

 ولعل المراقب يفهم من هذا كله أن بروز الحكومات التي وصفت نفسها بالثورة والتقدم هي التي جلبت الشقاق الأيديولوجي إلى العالم العربي.. ليتطور الخلاف في عصر الثورات إلى حروب وإشعال لبعض المناطق الحدودية في عالمنا الآمن، وبالتالي فإن تلك الأنظمة هي التي تتحمل ما يحصل من فتن حدودية بين أطراف العالم العربي.

 والذي يؤكد تمامًا أن الفتن الحدودية بين الدول العربية هي من صنع الأنظمة الثورية العميلة للشيوعية، أن دول الخليج والجزيرة العربية تعيش في حال من الأمن الحدودي، سببه عدم وجود الأنظمة الثورية العميلة للروس والاتجاه الشيوعي العالمي.. الذي من شأنه إشعال الفتنة حيثما وجد. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ما يحصل من فتن في الزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية بين اليمنيين يعود سببه إلى الحقيقة التي أشرنا إليها.. وهي وجود نظام ثوري في اليمن الجنوبي، وبالتالي فإننا لا بد أن نقول:

إن الفتن توجد دائمًا في المناطق التي يتسرب إليها النفوذ الروسي عبر الأنظمة الثورية.

أضواء الخلاف السوري الأردني

 لا بد أن يكون التناقض الأيديولوجي الذي وجد بوجود الأنظمة الثورية الموالية للروس أعداء العرب والإسلام، أدخل سوريا في صراعات مع جميع جيرانها منذ مجيء حزب البعث إلى الحكم من خلال التستر الطائفي المعروف وراءه.

  • فمنذ عام ١٩٦٦، عندما تسلط اللواء صلاح جديد، وهو رجل نصيري أعطى ولاءه السياسي للشيطان الروسي بعد الانقلاب الذي قام به الجيش على الجناح المدني من البعثيين.
  • ومنذ تلك الفترة السوداء من حياة سوريا السياسية، نشب خلاف مرير مع حكومة الملك حسين، بحيث كانت أجهزة الإعلام السورية تدأب على تحويل أنظار الشعب السوري من العداوة مع اليهود في فلسطين، إلى العداوة مع الأردن وشعبه الشقيق.
  • وفي العهد النصيري الأول -عهد صلاح جديد- أراد الروس أن يدخلوا العالم العربي بأيديولوجيتهم التي تعتمد على الشقاق والنزاعات الحدودية من البوابة السورية.. فكانت سورية في تلك الحقبة كثيرًا ما تفرز بعض قطاعاتها العسكرية وتوجهها نحو الأردن الشقيق، بدلًا من أن يكون المكان الطبيعي لها على الجبهة المحاذية لليهود.
  • ويستمر هذا الوضع المتشنج بسبب ثورية النظام الخرقاء حتى عام «1970» عندما حشد الطائفي النصيري البغيض صلاح جديد قوات الجيش السوري ودفع بها إلى الداخل الأردني.. كان ذلك في شهر أيلول من عام ۱۹۷۰.. عندما  ادعی نظام دمشق العميل للسوفيات آنذاك أنه يريد معاقبة الأردن، زاعمًا أن ولاء الفلسطينيين يجب أن يكون للاتجاهات الثورية.. منصبًا نفسه حاميًا ومدافعًا عن الفلسطينيين..
  • الملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشيمة

 وكانت معركة ضروس لقي فيها الطائفي البغيض صلاح جديد درسًا كان سببًا في سقوطه فيما بعد.

  • وهنا لا بد من ملاحظة المعاهدة السورية الروسية التي عقدتها حكومة نور الدين الأتاسي في عهد الحاكم العسكري -جديد- مع الروس، وأثرها في دفع حكام سوريا المتمركسين إلى السقوط والهاوية، عندما شهروا السلاح العربي في وجه العرب المسلمين على الحدود مع الأردن.. ولا بد أن نلاحظ أيضًا أن الروس الشيوعيين أفادوا آنذاك من شق الصف الفلسطيني بحيث ضمنوا من خلال ذلك التأزيم ولاء زعماء بعض المنظمات الفلسطينية لهم، بعد جهود قام بها نظام الأتاسي وزعين والحاكم العسكري «صلاح جديد».

 الحشود السورية الأخيرة:

 هنا لا بد من طرح الأسئلة التالية بعد أن نقلت لنا الصحافة العربية اليومية تطورات ما حدث على الحدود بين سوريا والأردن.

  1. هل هناك من علاقة بين التهور السوري عام ۱۹۷۰ والمعاهدة السوفياتية، وما يحصل الآن بين البلدين الجارين؟
  2. لماذا تورط صلاح جديد مع الأردن عام ۱۹۷۰ بدعوى الدفاع عن الفلسطينيين، ولماذا تبرز هذه الدعوى الآن؟
  3. هل يريد الاتحاد السوفياتي من منظمة التحرير أن تكون واحدة من المنظمات الشيوعية، بدليل أنه يحاول توريط حلفائه لجر بساط المنظمة إلى تحت قدميه؟
  4. هل صحيح أن أسباب الخلاف الأساسي بين نظام دمشق والمملكة الأردنية الهاشمية يعود إلى عنصرين:

الأول: الرغبة باعتراف حكومة الأردن بأن المنظمة هي الممثل الحقيقي الوحيد للفلسطينيين. «مع ملاحظة أن الملك الأردني أعلن هذه الحقيقة في مؤتمر القمة».

الثاني: أن الأردن يدفع بالإخوان المسلمين إلى الداخل السوري للقيام بالقلاقل الهادفة إلى إسقاط النظام السوري.

 إننا وضعنا هذين العنصرين أمام الموقف الأردني الواضح.. وربطنا ذلك بالمعاهدة السوفياتية.. وموقف نظام صلاح جديد عام «1970» من حكومة الملك الأردني وشعبه.. لوقفنا على حقيقة مؤداها أن الأنظمة الثورية الموالية للسوفيات تفتعل المعارك الهامشية، كلما اهتزت الأرض تحتها في محاولة للبقاء على كرسي الحكم.. هذا ما حصل لنظام صلاح جديد الطائفي، ومع ذلك فقد سقط!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

134

الثلاثاء 05-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 8

نشر في العدد 117

88

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

مطلوب مؤلف لهذا الكتاب