العنوان الخطاب الدعوي في المرحلة المقبلة.. آمال وآفاق
الكاتب د. عبد الرحمن البر
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013
مشاهدات 59
نشر في العدد 2047
نشر في الصفحة 50
السبت 06-أبريل-2013
قد كثرت مِنَن الله علينا ﴿وَإِن تَعُدُّوا نعْمَةَ الله لا تحصوها﴾ (النحل : ۱۸), ومنها منته على الأمة باحتضانها لـ «المشروع الإسلامي»، وتجاوبها مع دعاة الصحوة الإسلامية، بعد ثورة عظيمة دفعت الأمة لإعادة رسم خريطة اهتماماتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية وفق منظومة القيم التي تميزها وتؤكد هويتها الإسلامية الأصيلة مما جعل الحاجة ماسة إلى أن يراجع الدعاة بين الحين والآخر خطابهم الدعوي شكلًا ومضمونًا؛ حتى يؤتي أكله بإذن ربه.
- ضبط مرجعيته بأن يكون قائمًا على العلم الشرعي ومنطلقًا من القرآن الكريم والسنة النبوية.
- الوضوح والبساطة وعدم التعقيد أو التقعر في عباراته وألفاظه.
وفيما يلي عشر من السمات التي أرى أنها يجب أن تتوافر في الخطاب الدعوي؛ لكي يحقق الأهداف المرجوة:
١- ضبط المرجعية للخطاب الدعوي, بأن يكون قائمًا على العلم الشرعي، ومنطلقًا من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, ومستخدمًا لتعبيراتهما ما أمكن ومتخلقًا بآدابهما على الدوام، مستمسكا بالتوجيه الحكيم؛ ﴿وادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥).
٢- وضوح الخطاب وبساطته وعدم تعقيده أو التقعر في عباراته وألفاظه، كما هو شأن القرآن العظيم؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَرْنَا الْقُرْآنَ للذكر فهل من مذكر﴾ (القمر: 17)، وكما كان شأنه في خطابه الذي وصفته عائشة - رضي الله عنها - فيما رواه أبو داود قالت: «كان كَلامُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فَضْلًا يَفْهَمُهُ كُلِّ مَنْ سَمعَهُ».
٣- شمولية الخطاب وتنوعه ليصل إلى الناس أطفالًا وكبارًا، ورجالًا ونساء, مثقفين وعوام وطلبة علم وعلماء, شاملًا في القضايا والموضوعات التي يطرحها, المدعوين والمخاطبين الذين يتوجه اليهم مهما كانت خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية.
٤- واقعية الخطاب وملامسته لحاجات الناس ومراعاته للزمان والمكان وفي هذا الصدد يقول ابن القيم - يرحمه الله تعالى- في «إعلام الموقعين»: «لا يَتَمَكنُ الْمُفْتِي وَلا الحاكم (يعني القاضي) مِنَ الْفَتْوَى وَالْحُكم بِالْحَقِّ إِلا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْفَهْمِ: أَحَدُهُمَا: فَهُمُ الْوَاقِعَ وَالْفِقْهِ فِيهِ... وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهُمُ الْوَاجِبِ فيالواقع، وَهُوَ فَهُمُ حُكم اللهِ الَّذِي حَكَمَ به كتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي هَذَا الْوَاقِع، ثم يُطْبَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرَ .. فَالْعَالِمُ مَنْ يَتَوَصَلَ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقهِ فِيهِ إِلى مَعْرِفَةِ حُكمِ اللهِ وَرَسُولِهِ .. وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا أَضَاعَ عَلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمْ، وَنَسَبَهُ إلَى الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بَهَا رَسُولَهُ».
5- إيجابية الخطاب وبناؤه على حسن الظن بالناس، وتغليب الأمل والتفاؤل والرجاء على التيئيس وسوء الظن، وتجنُّبُ الحكم على الناس بالضلال والكفر وتضخيم أخطائهم, والحرص والإصرار على متابعة الدعوة والصبر على المدعوين واستمرار المحاولة في تصحيح مفاهيمهم وإن لم يستجيبوا وفي صحيح مسلم عن أبي مُوسَى، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعَثَ أحدًا من أَصْحَابه في بعض أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنفِرُوا وَيَشِرُوا وَلَا تعسروا».
٦- تقدير ظروف المدعوين وأحوالهم والتدرج معهم في طريق الالتزام بأحكام الدين وقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: «إِنَّمَا نَزَلَ أوّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا تابَ النَّاسُ إِلَى الإسلام نزل الحلال والحرام, وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لا ندع الخَمْرُ أبدًا, ولو نزل: لا ترنوا لَقَالُوا: لا ندع الزنا أبدًا».
إن الفساد لم يقع في حياة الناس فجأة, وإنما تراكمت ممارساته على مر السنين حتى استحكم؛ ولذلك فهو يحتاج لحكمة في مقارعته.
ولله در عمر بن عبدالعزيز الذي قال: «إني أعالج أمرًا لا يعين عَلَيْهِ إِلا الله، قد فني عَلَيْه الكبير، وكبر عَلَيْهِ الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وَهَاجَر عَلَيْهِ الأَعْرَابِي، حَتَّى حسبوه دينًا لا يرَوْنَ الْحق غَيره».
ومن مواقفه الرائعة في ذلك: ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أن ابنه عبد الملك قال له : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُنْفِذَ لِرَأيِكَ فِي هَذَا الأَمرِ، فَوَاللهِ مَا كُنْتُ أَبَالِي أَنْ تَغْلَي بي وبك القدورُ في إنفاذ هَذَا الأمر.
فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرُوضُ النَّاسَ رِيَاضَةً الصِّعَبِ، فَإِنْ أَبْقَانِي اللهُ مَضَيْتُ لِرَابِي، وَإِنْ عُجلَتْ عَلَيْ مَنِيَّةٌ فَقَدْ عَلِمَ اللهُ نَيْتِي، إِنِّي خَافُ إِن بَادَهْتُ النَّاسَ بِالَّتِي تَقول أن يُلجئوني إلى السيفِ، وَلَا خَيْرَ فِي خَيْرٍ لَا يَجِيءُ إِلَّا بالسيف».
* شموليته وتنوعه ليصل إلى جميع الناس صغارًا وكبارًا ورجالًا ونساءً مثقفين وعوام وطلبة علم وعلماء.
* واقعيته وملامسته لحاجات الناس ومراعاته للزمان والمكان.
7- مراعاة الأولويات في الخطاب، فهذا أصل أصيل في فقه الدعوة إلى الله تعالى, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي الدعاة بهذا الأسلوب في الدعوة؛ فروى البخاري أن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال لمُعَاذ بن جَبَل حِينَ بَعَثَهُ إلى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنْ مُحَمَّداً رَسُولُ الله فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَات في كل يَوْمٍ وَلَيْلَة فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بذلك فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ, وَاتَّقِ دَعْوَةَ المظلوم، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حجاب».
وما أروع ما قاله الإمام الشاطبي - يرحمه الله تعالى - في الموافقات في هذا المعنى: «وَقَدْ أَخْبَرَ مَالِكٌ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ عِنْدَهُ أَحَادِيثَ وَعَلْمًا مَا تَكَلَّمَ فِيهَا وَلا حَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ يَكْرَهُ الكلامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ، وَأَخْبَرَ عَمَّنْ تَقَدِّمَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلكَ، فَتَنبهُ لِهَذَا المعنى, وَضَابطهُ: أَنَّكَ تَعْرِضُ مَسْأَلَتَكَ عَلَى الشريعة، فإن صحت في ميزانهَا، فَانْظُرُ فِي مالها بالنسبة إلى حالَ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يؤد ذكرها إلى مفسدة, فأعراضها في ذهنك عَلَى الْعُقُولِ، فَإِنْ قَبلَتْهَا، فَلَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِيهَا. إِما عَلَى الْعُمُومَ إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ لائقة بالعموم، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لمَسْأَلَتَكَ هَذَا الْمَسَاعُ، فَالسُكُوتُ عَنْهَا هُوَ الْجَارِيَ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِية».
8- الرفق والرحمة واللين في الخطاب, حتى مع المسيئين وهذا ما علمنا إياه القرآن في قوله تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون الذي طَغَى؛ ﴿فقولا لَهُ قَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَّهُ يتذكرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 10)، وفي قوله تعالى لرسولنا الكريم: ﴿فبما رَحْمَة من الله لنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْب لا نفَضُوا مِنْ حَولك ﴾ (آل عمران:١٥٩). ومن النماذج الرائعة في هذا الباب ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي بال في المسجد، فهم الناس أن ينالوا منه، فقال لهم: «دَعُوهُ وَأَهريقوا عَلَى بَوْله دَلُوا مِنْ مَاء؛ فَإِنَّمَا بعثتُم ميسرين وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعْشرين».
والداعية يجب أن يمثل القدوة في التزامه بهذا الخلق الكريم؛ حتى يكون لخطابه الدعوي استجابة فعلية وأثر بليغ في نفوس المدعوين وفي حياتهم، وحتى في حالة إساءة البعض للداعية فإنه يجب ألا يستفزه ذلك للرد على الإساعة بإساءة، بل إن دستور الداعية في ذلك ما دعا إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 33- 34)
٩- تفعيل النقد الذاتي والقبول التام بالتقييم والمراجعة المستمرة للأخطاء, فالمراجعة في الفعل البشري أمر شرعي كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليها أصحابه، ويقول، كما في صحيح البخاري: «والله، إِنْ شَاءَ اللهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا»، هذا نوع من المراجعة للوصول إلى ما هو خير وأفضل، وهو توجيه للدعاة للإقرار بأوجه القصور في الخطاب الدعوي بكل صراحة وشفافية، والحرص على معالجة هذا القصور بكل أمانة وصدق.
۱۰- الالتزام بضوابط الحوار الشرعية في الخطاب الدعوي من خلال الإخلاص في البحث عن الحقيقة والاهتمام بالموضوعية والتواضع، والالتزام بأدب الخطاب، والسماع بعناية لوجهة النظر الأخرى, والتحديد الدقيق للمشكلة المطروحة للحوار, وقبول الحجة المنطقية، والبعد عن التعميمات في الحكم وإجراء الحوار بحسن نية والصبر على الرد على وجهات النظر المقابلة، والالتزام بالضوابط السابقة.
أسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه
(*) عميد كلية أصول الدين بالمنصورة - جامعة الأزهر.