العنوان (الافتتاحية)الخروج من المأزق العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 90
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 09-يوليو-1996
يكاد يجمع المراقبون على أن الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس ۱۹۹۰م، كان أحد أهم الأسباب الرئيسية وراء وصول العالم العربي إلى حالة التمزق والتشرذم والضعف التي يعيشها الآن، بحيث أصبحت ثرواته مرهونة وأمنه غير مستقر، والوفاق بين كثير من دوله شبه معدوم، مما مكن العدو الصهيوني من أن يمارس ضغوطه عبر حلفائه لدفع الدول العربية للقبول بما يسمى بمسيرة التسوية، التي قامت على أساس تنازل العرب عن فلسطين والاعتراف بالكيان الغاصب والصلح معه، وإقامة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بينه وبين الدول العربية، وكان مؤتمر مدريد الذي عقد في العام ۱۹۹۱م هو الملتقى الذي جعل معظم الدول العربية تقر لإسرائيل بالسيطرة على فلسطين المحتلة، ثم توالت بعده نكبات الاستسلام باتفاق أوسلو الذي وقعه عرفات مع الصهاينة، ولم يكن في صورته النهائية العملية الحالية، سوى أنه حول عرفات وسلطة الحكم الذاتي التي يتزعمها، والتي تضم عشرين ألف جندي إلى جيش مسلط على أبناء الشعب الفلسطيني، ومدافع عن إسرائيل وأمنها، ثم جاءت اتفاقية وادي عربة التي لم تكن سوى تأمين لحدود إسرائيل الشرقية مع الأردن، ثم مؤتمر شرم الشيخ الذي حمل الدول العربية المشاركة فيه مسؤولية الحفاظ على إسرائيل وأمنها وكيانها، ثم جاءت الانتخابات الإسرائيلية التي أفرزت حكومة نتنياهو الأكثر تطرفا، فكأنما كانت هي الدوي الذي أيقظ العرب على أوهام السلام وسراب التسوية، واتضح لكثير منهم أن المسيرة التي ساروا فيها لم تكن سوى مسيرة للوهم والخداع، وأن حكومة نتنياهو ليست سوى امتداد لعصابات الهاجاناه الصهيونية، التي تحولت إلى حكومات إسرائيلية متعاقبة تقتل العرب، وتنهب ديارهم وأموالهم وأراضيهم، فتنادى العرب إلى أول قمة عربية تعقد في القاهرة منذ الغزو العراقي الغاشم للكويت، وكان مجرد الإعلان عن هذه القمة دافعا لبداية بعث الأمل والثقة لدى الشعوب العربية في نفسها وفي أمتها، ورغم الضغوط الغربية الهائلة التي مورست على القمة حتى لا يكون بيانها الختامي متشدداً تجاه إسرائيل، فقد حوى البيان الختامي بعض النقاط الإيجابية غير أنه بطبيعة الحال لا يكفي بصورته التي خرج بها لإخراج العرب من المأزق الراهن الذي يعيشون فيه.
فهناك أسباب واضحة أوصلت العرب إلى هذا المأزق لابد من القضاء عليها وإزالتها أولا، ثم تأتي بعد ذلك وسائل وأسباب النهوض واستعادة المجد والعزة والكرامة.
وإن أول هذه الأسباب هو الابتعاد عن دين الله، وتمزق الولاءات العربية بين القوى الكبرى التي تتربص بالمسلمين، والتي تقف من البداية وراء تمزيق صفوفهم وإضعافهم وتشرذمهم، وثاني هذه الأسباب هو الحواجز الضخمة التي بنتها كثير من الحكومات بينها وبين شعوبها ، فأصبحت معظم الحكومات وكأنها مسلطة على الشعوب لا قائمة على شؤونها، وأصبح الظلم والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان الذي كرمه الله سمة بارزة في كثير من الدول، فامتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين، وتحول كثير من القضاة إلى جلادين، وفقدت تلك الحكومات مصداقيتها لدى شعوبها، كما فقدت دعم شعوبها لها، وإن أية حكومة تستمد سلطانها من الظلم والطغيان والتسلط على شعوبها فإن عمرها قصير وأيامها معدودة وفي سنن الأولين عبرة لمن أراد أن ينظر فيها.
كما أن أحد الأسباب الرئيسية وراء وصول الدول العربية إلى المأزق الراهن هو عدم احترام كثير من الحكومات آراء شعوبها في القضايا المصيرية، وإن أبرز الصور التي تدل على ذلك هو أن الحكومات التي سارعت بإقامة علاقات الصلح مع إسرائيل - فيما إسرائيل تواصل جرائمها ضد العرب - لم تقم باستشارة شعوبها أو استطلاع رأيها في هذه القضية المصيرية، وإذا رجعنا إلى كامب ديفيد نجد أن الرئيس المصري السابق أنور السادات قد ذهب إلى تل أبيب، بعدما جاءه الإلهام بذلك حسب ادعائه، وكذلك فعلت معظم الحكومات العربية الأخرى التي أصبح العلم الإسرائيلي يرفرف على أراضيها، بينما شعوبها ترفض اليهود وتستعيذ بالله منهم ومن إفكهم وضلالهم في كل صلاة.
ومع هذه الأسباب فإن هناك أسبابا أخرى كثيرة، لكننا نعتقد بأن هذه هي الأسباب الرئيسية للمأزق العربي الراهن. إن وصول العرب إلى هذا المأزق كان نتيجة لتخطيط مدروس وتنفيذ محكم، قام به أعداء الإسلام من الشرق والغرب الذين لا يريدون لها الخير، ويودون أن تظل تدور في فلكهم لتخدم مصالحهم، وتصبح سوقا لمنتجاتهم، وأن يظل حكامها يستمدون قوتهم من التسلط والظلم والطغيان لشعوبهم، وتحالفهم مع أعداء الإسلام، ومن ثم فإن الخروج من هذا المأزق يستوجب البدء بهذه الخطوات الثلاث:
أولا: العودة إلى المنهج الأصيل للأمة الذي ارتضاه الله لها وحدد لها فيه عوامل الاستقرار والقوة، متمثلاً في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[ الأنعام: 153]
ثانيا : المصالحة مع الشعوب، ورفع الظلم الواقع عليها والإفراج عن مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين، واحترام حقوق الإنسان وفق ما قرره الله سبحانه وتعالى، وحدده رسوله في حجة الوداع بقوله: «أيها الناس.. كلكم لآدم وآدم من تراب.. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» وقول عمر رضي الله عنه لأحد ولاته قام بظلم أحد الرعية: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
ثالثا : احترام إرادة الشعوب ورد الاعتبار لها ومنحها الحق في المشاركة في اتخاذ القرار في قضاياها المصيرية، لتحقيق المصلحة العليا للأمة والقدرة على مواجهة الأعداء المتربصين بها من كل جانب.
إن أي تصور لإخراج الأمة من مأزقها بعيداً عن هذه الأسس الرئيسية من الصعب أن ينجح، لأن التخلي عن منهج الله هو أساس الأزمة، ولأن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، ولأن حكومات دون شعوب تدعمها وتقف وراءها، وتشد من أزرها، ضعيفة في مواجهة التحديات، وسراب لن يدوم، ولأن الخيرية التي كرم الله بها هذه الأمة قرنها بواجبات لا تفارقها كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
إننا نامل أن تكون هذه الفترة فترة حساب مع الذات، ومراجعة حقيقية يعيد العرب فيها تصحيح أوضاعهم، وإعادة بناء كيانهم على أسس من تقوى الله والالتزام بدينه ،لأن كل ما سوى ذلك لن يكون إلا زبدا، ولن يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس، وإن جولة الباطل ساعة، أما جولة الحق فإلى قيام الساعة: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..... .... والله يعلم وأنتم لا تعلمون.