العنوان الحوار الروسي – الأمريكي لحظر التكنولوجيا النووية عن إيران
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 30-مايو-1995
هل يمكن اعتبار قرار الحظر التجاري الأمريكي الذي أعلنه الرئيس بل كلينتون ضد إيران يوم ٣١ إبريل ١٩٩٥م أثناء اجتماع صهيوني، «قشرة موز تحت قدمي الرئيس الأمريكي الذي يفتقد إلى الخبرة» على حد وصف الزعيم الإيراني آية الله علي خامنئي؟ أم أنه اتخذ لاعتبارات سياسية داخلية على حد قول قسطنطين شوفالوف نائب المدير العام للدائرة الأسيوية ومسئول الملف الإيراني في الخارجية الروسية؟
عملية الرصد الأولية لنتائج القرار تشير إلى صحة القولين، خاصة وأن بل كلينتون لم ينجح في الحصول على وعد محدد وواضح من الرئيس الروسي بوريس يلتسين أثناء القمة التي عقدت في موسكو بينهما لمدة 3 ساعات يوم 19 مايو الجاري بمنع تنفيذ عقود بيع المفاعلات النووية الروسية لإيران، ولذلك أعرب إسحاق رابين - رئيس الوزراء الإسرائيلي - يوم ١٢ مايو عن قلقه بسبب عدم تمكن كلينتون من الحصول على تعهد واضح من يلتسين بخصوص امتناع موسكو عن بيع إيران تكنولوجيا نووية، وقال في التصريحات التي نقلتها «الأسوشيتدبرس»، نقلًا عن صحيفة «معاريف» إذا فشل كلينتون فإن هناك شكوكًا في قدرة «إسرائيل» على تحقيق نتائج.
أسباب الموقف الروسي
وإذا كان المعلن عن اجتماع كلينتون - يلتسين أن روسيا تراجعت عن موضوع بيع مفاعلات نووية لإيران إذا تم إلغاء بيع تكنولوجيا يمكن من خلالها تصنيع أسلحة نووية، علاوة على تأجيل توقيع اتفاقية بيع المفاعلات للاستخدام في الأغراض السلمية؛ فإن ذلك لا يعدو أن يكون أكثر من مناورة سياسية من يلتسين للحصول على مكاسب أخرى مثل موافقة كلينتون على إحداث تغييرات في اتفاقية الحد من الأسلحة وخفضها في أوروبا والموقعة عام ١٩٩٠م، إذ تريد روسيا زيادة عدد الأسلحة وهو ما تعارضه معظم الدول الأوروبية وتركيا والمقرر دخولها حيز التنفيذ في نهاية العام الحالي، إذ قال كلينتون ليلتسين إنه مع استمرار بحث الموضوعات الفنية الخاصة بالاتفاقية، وبذلك أعطى كلينتون الضوء الأخضر لإحداث التغييرات التي تريدها روسيا مقابل دعمه في الموضوع الإيراني.
- العوامل الداخلية في أمريكا وروسيا وراء عدم اتخاذ موقف محدد بشكل قاطع
والمكسب الثاني الذي حققه يلتسين هو موافقة واشنطن على تأجيل موضوع توسيع الناتو بضم دول أوروبا الشرقية ووسط أوروبا له، وهو ما ترفضه موسكو وذلك حتى موعد اجتماعات الدول الصناعية السبع التي ستنظم في كندا أو في الاحتفالات بالعيد الماسي للأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، رغم أن كلينتون نفسه كان قد هاجم روسيا من قبل في هذا الموضوع، وقال إن الناتو لا يقبل أن يتدخل أحد في شئونه وأن عملية توسيعه وضم أعضاء جدد تعتبر واحدة من تلك الشئون.
والمكسب الثالث ليلتسين هو نجاحه في إجبار كلينتون على حضور الاحتفالات التي أقامها في الذكرى الخمسين للحرب العالمية الثانية رغم رفض الرئيس الأمريكي ذلك الأمر عدة مرات بسبب الوضع في الشيشان، إلا إنه ويسبب رغبته في إحراز مكسبًا بالنسبة للملف الإيراني إرضاءً لإسرائيل، لبى الدعوة الروسية التي استهدفت الحصول على شرعية دولية الأحداث الشيشان، وإن كان كلينتون -ومن قبيل حفظ ماء الوجه - قد أبلغ يلتسين قلق الغرب من أحداث الشيشان، وضرورة وضع حد لخرق مواثيق الإنسان هناك، فوعده يلتسين مثل كل وعوده السابقة بالانتهاء من ذلك الأمر قريبًا، واتفقا على أن تدعم واشنطن موسكو في قضايا القروض لدى صندوق النقد الدولي ولدى الدول الغربية.
أما توقيع يلتسين لاتفاقية الشراكة من أجل السلام فهو تحصيل حاصل إذ إن موسكو أعلنت من قبل موافقتها على ذلك، وعمومًا فإن التعهدات الروسية أيا كان حجمها فإنها تبقى أسيرة أمرين:
الأول: هو عدم التزام موسكو بأي تعهد قطعته، ففي القمة التي عقدت في يناير ١٩٦٤م في موسكو بين يلتسين وكلينتون، وكانت حول نزع الصواريخ النووية في أوكرانيا، تم الاتفاق فيها على عدم تقديم روسيا أية مساعدة لإيران في مجال الطاقة النووية، إلا أن روسيا قبلت فيما بعد التعاون مع إيران.
الأمر الثاني: هو بيع المواقف بمقابل مادي معلوم، وهو ما كشفته مادلين أولبرايت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة، وذلك في التصريحات التي أدلت بها في «إسرائيل» قبل لقاء كلينتون - يلتسين، إذ قالت: «إن روسيا أبدت استعدادها للتخلي عن بيع المفاعلات مقابل تعويضات مناسبة»، وإن كان الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية وصف تلك التصريحات بأنها من ابتداع خيال أولبرايت إلا أن التصريحات تظل تعبيرًا عن جزء من الحقيقة.
من يدفع التعويضات؟
والمشكلة الحقيقية لتحقيقها تكمن فيمن سيدفع تلك التعويضات، خاصة وأن حجم العقد الروسي - الإيراني يبلغ مليار دولار، وهو ما لا تستطيعه واشنطن، خاصة في إطار اتجاهها لتقليص بنود ميزانية المساعدات الخارجية، علاوة على الخسائر التي ستلحق بها من جراء الحظر، إذ إن الشركات الأمريكية كانت تستورد ما نسبته ٢١٪ من صادرات
- أنقرة ترفض الانضمام إلى الحظر الأمريكي والأرجنتين تشترط تقديم أدلة ضد إيران
إيران النفطية أي ما يقدر بـ ٣.٥ - ٤ مليارات دولار، وسيؤدي ذلك إلى فقدان نسبة من الوظائف باعتراف واشنطن نفسها، أي بارتفاع نسبة البطالة التي تحاول الإدارة الأمريكية جاهدة الحد منها أو تقليصها لأدنى حد ممكن.
وإذا كانت الدول الأوروبية قد أعلنت رفضها لدعم الموقف الأمريكي ضد إيران فبالتالي لا يمكنها المساهمة في تقديم التعويضات المطلوبة لروسيا، خاصة وأنها أوقفت القروض التي كانت أعلنت عن نيتها تقديمها لها، وذلك بسبب الغزو الروسي للشيشان، إذ إن تلك الدول تغير الرأي العام لديها أهمية قصوى.
أما احتمال أن تدعم بعض الدول العربية ذلك فهو أمر شبه مستحيل تحقيقه رغم موافقة إحدى الدول على أن تكون بديلاً للنفط الإيراني مبررة ذلك لأسباب اقتصادية، وبالتالي لن يمكن دفع التعويضات أو إغراء روسيا المعرفة ما إذا كانت تصريحات أولبرايت من ابتداع خيالها كما قال غريغوري كاراسين الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية.
التأجيل للتوظيف
وعدم إعلان روسيا موقفًا محددًا يرجع إلى رغبة موسكو في توظيف الملف الإيراني واحتياج كلينتون إليه خاصة في فترة الانتخابات الرئاسية للحصول على مكاسب أخرى خاصة في موضوع مرور أنبوب النفط الأذربيجاني الذي تعول عليه موسكو كثيرًا، إذ إن واشنطن تدعم خيار مرور الأنبوب من أرمينيا إلى تركيا، وهو ما سيفقد موسكو الكثير على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي إذ تصر على مروره من الأراضي الروسية حتى ميناء نوفوروسيسكي على البحر الأسود، ثم ينقل في سفن إلى بلغاريا ويتم تسييله في أنبوب حتى ميناء داده أغاج اليوناني على بحر إيجه ليتم شحنه في ناقلات النفط العملاقة فيما بعد إلى الأسواق الخارجية بعيدًا عن المضايق التركية وقواعد المرور الجديدة فيها، والتي فرضتها أنقرة العام الماضي العرقلة نقل البترول من نوفوروسيسكي عبر المضايق التركية.
ولذلك كان تقييم محمد يزدي – رئيس السلطة القضائية في إيران - صحيحًا، وهو ما أعلنه أثناء خطبة الجمعة في طهران يوم ١٢ مايو الحالي، إذ قال حول لقاء كلينتون – يلتسين: «إن كل دولة تدافع عن مصالحها» في إشارة إلى الخلاف بين موسكو وواشنطن على موافقة روسيا بيع مفاعلين نوويين لإيران.
الاعتبارات الداخلية
وإذا كان كلينتون يستخدم الموضوع الإيراني لاعتبارات داخلية منها إرضاء اللوبي اليهودي خاصة أنه كان قد زايد على الجمهوريين يوم ٨ مايو الجاري أثناء كلمته أمام مؤتمر «إيباك»، وقال: إن سعي إيران للحصول على أسلحة الدمار الشامل لا يهدد «إسرائيل» فحسب بل كل الشرق الأوسط وفي النهاية جميعنا، فإن يلتسين من ناحيته يدرك أن ذلك الموضوع قد يؤثر عليه سلبيًا داخليًا خاصة وأن فلاديمير جيرنوفيسكي - زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي - الفاشستي - والذي يعتبر منافسًا قويًا ليلتسين في انتخابات الرئاسة المقبلة عام ١٩٩٦م يستخدم نفس الموضوع إذ قال في تصريحات صحفية نقلتها صحيفة «زمان» التركية يوم ١٦ مايو الجاري، أنه لا يقبل الضغوط الأمريكية على روسيا في موضوع العلاقات مع إيران وقال حول عدم اجتماع الرئيس الأمريكي به أثناء زيارته لموسكو مثلما فعل مع باقي زعماء الأحزاب الروسية «إنه يعرف بأننا لن نبيع روسيا»، واتهم جيرنوفيسكي كافة الزعماء السياسيين الروس بأنهم الطابور الخامس ويخدمون المصالح الأمريكية.
كما توجد أيضًا في موسكو أصوات رافضة للضغوط الأمريكية على روسيا فيرى غيورغي كاوروف - مدير العلاقات العامة بوزارة الطاقة النووية - أن الضجة المثارة ترجع الشركات غربية كانت تنوي عقد صفقات مماثلة مع إيران، إلا أن النجاح الروسي أثارها فأرادت إفساد ما تم الاتفاق عليه.
أما شوفالوف - المدير العام للدائرة الأسيوية - اعتبر أن فكرة حصار إيران ولدت ميتة، ويرى أن واشنطن لا تريد رؤية التوجه السلمي للمشروع، وأن الحديث عن نيات إيرانية لتطوير تكنولوجيا نووية لأغراض عسكرية يعتبر خداعًا سافرًا، مؤكدًا وجود قرارات روسية تمنع سفر الخبراء النوويين الروس إلى إيران بهدف منع الأخيرة من توقيع عقود عمل فردية مع أصحاب الخبرات النووية مشيرًا إلى سعي واشنطن لفرض قيود على التعامل مع إيران خارج الأطر الدولية.
مخالفة المادة الرابعة
وما يجعل الموقف الأمريكي غير منطقي ولا يعتمد على أسس قوية هو ممارسة واشنطن ضغوطًا على موسكو لمنع روسيا من بيع مفاعلات لإيران، في حين أنها تسعى لبيع محطات لكوريا الشمالية التي كانت قد رفضت تفتيش منشأتها النووية العام الماضي مما أثار ضجة عالمية، في حين أن خبراء الوكالة للطاقة النووية يفتشون المنشآت النووية الإيرانية وعددها ٦ علاوة على معاهد أبحاث وفرن يورانيوم 4 مرات سنويًا في الوقت الذي لا يفعلون ذلك مرة واحدة مع بعض الدول.
كما يتناقض الموقف الأمريكي مع المادة الرابعة من معاهدة الحد من الأسلحة النووية والتي وافقت إيران على توقيعها - برغم إصرارها على تعديلها لاحقًا - إذ إن واشنطن أرادتها أبدية، وتنص على مساعدة الدول التي تملك الطاقة النووية على الاستفادة منها لأغراض سلمية، في حين رفضت إسرائيل التي أعلنت دعمها لواشنطن في موقفها ضد إيران التوقيع على تلك المعاهدة.
ويكفي للتدليل على أن التحرك الأمريكي ضد إيران يستهدف إرضاء إسرائيل، أن القرار أعلن يوم الأحد ٢١/٤ أمام المؤتمر اليهودي، كما أن إسحاق رابين - رئيس الوزراء الإسرائيلي - دعا إلى قيام تحالف للعالم الحر ضد الخمينية بكل مظاهرها، - يقصد الحركات الإسلامية – مؤكدًا أن إسرائيل، القوية وحدها التي تعيش في سلام مع جيرانها قادرة على ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط كما امتدح شيمون بيريز - وزير الخارجية الإسرائيلي - موقف اليابان بتأجيل منح إيران قرضًا بقيمة ٥٤٢ مليون دولار.
ولأول مرة تواجه واشنطن فشلاً بهذا الحجم لتأمين التأييد اللازم لموقفها والذي إذا كان صحيحًا ما تراجعت من إصدار قرار به من مجلس الأمن الدولي، فهي لم تستطع حتى أن تضمن موقفًا تركيًا مؤيدًا، إذ أعلنت أنقرة يوم
- جيرونوفيسكي يرفض الضغوط الأمريكية ويتهم الساسة الروس بأنهم الطابور الخامس لأمريكا
٣/٥ رفضها الانضمام إلى الحظر الأمريكي على إيران، وقال الرئيس سليمان دميريل: لقد تأثرت تركيا كثيرًا من الموقف الذي اتخذه الغرب من العراق ولا تزال، وأضاف أنه في حال وقوع نزاع معين مع إيران فإن من شأن ذلك أن يلحق أضرارًا جديدة بتركيا، وعارض أن تلعب تركيا الدور الذي قد تمليه عليها الدول الحليفة في مثل هذه الحال، وقال: إن تركيا لا تستطيع تأدية مثل هذا الدور ولابد لها من أن تتبع سياسة خاصة بها في هذا المضمار.
وقال أوزدم سانبرك - مستشار الخارجية التركي - إنه من المستحيل فرض حظر من جانب تركيا على إيران طالما لم يصدر بذلك قرار من مجلس الأمن، بل إن إيران وتركيا اتفقتا أثناء زيارة رضا غلام زادة - وزير البترول الإيراني - لتركيا يوم ٢/٥ الجاري على زيادة حجم كمية البترول المستوردة من إيران من 4 ملايين طن إلى 5 ملايين، رغم محاولات کارلوس میسنر - مساعد وزير التجارة الأمريكي - حث أنقرة على اقتفاء أثر واشنطن، إذ إنه زار أنقرة يوم ٢/٥ أيضًا إلا أنه رفض الإدلاء بتصريحات حول طلب واشنطن من أنقرة دعم موقفها، وعند إجابته قال السفير الأمريكي في أنقرة مارك جروسمان إنه لم يفتح ذلك الموضوع في المباحثات التي تمت مضيفًا بأنهم أحاطوا وزارة الخارجية التركية علما بقرار الحظر.
إن الأرجنتين التي أعلنت أنها على استعداد لدعم الحظر اشترطت لذلك أن تقوم الولايات المتحدة بتقديم أدلة موثقة على دعم إيران للإرهاب، مما يعني أن ذلك الإعلان يدخل في الإطار الاستهلاكي ليس إلا.
وبالتالي يكون التقييم الحقيقي لقمة كلينتون - يلتسين فاشلة على المستوى العملي، وإن كانت قد ظهرت بغير ذلك على المستوى الإعلامي مثل فشل كلينتون في تأمين الدعم الدولي والإقليمي المطلوب لقرار الحظر الذي يستهدف خدمة إسرائيل، التي ترفض التوقيع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية وتواصل سياسة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية مثلما يحدث في القدس حاليًا.
وعمومًا فرغم تراجع قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار الأمريكي فإن طهران تعتبر قد عبرت امتحانًا سياسيًا عسيرًا يتبلور في الرفض الدولي والإقليمي لدعم الولايات المتحدة ضدها، والذي يستهدف في الحقيقة إجبارها على دخول العملية السلمية والاستسلام لـ «إسرائيل»، مثل غيرها من دول المنطقة بهدف إجبار الدول المترددة على دخول الفخ الإسرائيلي، وبالتالي انتهاء القضية الفلسطينية المتعثر هضمها حاليا بسبب الرفض الإسلامي الذي تعتقد واشنطن أن الموقف الإيراني سبب لدعم ذلك الرفض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل