العنوان الحمى القلاعية : تحرج علماء بريطانيا وتثير الفزع في العالم
الكاتب د. ماهر البسيوني حسين
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001
مشاهدات 59
نشر في العدد 1443
نشر في الصفحة 34
السبت 24-مارس-2001
بعدما أعلنت بريطانيا خلوها من الأمراض الحيوانية الخطيرة.. واكتسبت مكانتها سمعة دولية طيبة لاحقتها الانتكاسات.
يعتبر مرض الحمى القلاعية FMD» Foot-and-mouth Disease» من أشهر وأقدم الأوبئة والطواعين التي تصيب الماشية منذ مئات- إن لم يكن آلاف- السنين وإن لم يكن قد ورد وصف له إلا في إيطاليا عام ١٥١٤م، وهو أول مرض قاتل للماشية يتم تعرف الميكروب الذي يسببه على أنه فيروس في العام ١٨٩٨م.
سبب فيروس الحمى القلاعية «FMD» وبائيات شرسة وقاتلة بحيث كان إذا دخل بلدًا قضى فيها على٩٠% أو أكثر من الماشية والأغنام وحيوانات أخرى ولخصائصه الوبائية السريعة الانتشار مثل النار في الهشيم فقد طالت تفجراته الوبائية معظم دول العالم اللهم إلا دول القارات الجديدة وإن كان قد أحدث مآسي في الولايات المتحدة ذاتها، ومع تقدم العلم، تم اكتشاف طرق عديدة لمكافحة المرض بل واستئصاله من دول كثيرة في العالم مثل أوروبا وأمريكا الشمالية والوسطى وأستراليا ونيوزيلندا كما استطاعت دول إفريقية وآسيوية أن تكبح جماح المرض أو أن تجتث شأفته كلية ومع هذا فقد ظل مرض الحمى القلاعية مرضًا متوطنًا في العديد من الدول الإفريقية والآسيوية والشرق الأوسط أيضًا.
ومع التقدم العلمي والتقني الهائل في أوروبا وبالذات بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فقد اطمأنت إلى أن لا عودة مطلقًا لهذا الوباء خاصة أن لديها إجراءات وقائية صارمة تمنع نفاذ أي فيروس أو دخوله إلى بلادها علاوة على أنها تمتلك التقنية المتطورة للكشف السريع عن أي تسلل فيروسي كما أنهم جاهزون بالتكنولوجيا والطعوم «اللقاحات» الفعالة التي يمكن أن تقي الحيوانات من قبل أن يمتد إليها أي وباء حتى ولو كان الحمى القلاعية.
كان آخر وباء من الحمى القلاعية يضرب بريطانيا في عام ١٩٦٧م ومن بعدها أعلنت بريطانيا نظيفة من هذا الوباء القاتل وغيره من الأوبئة الأخرى وذلك بفضل تقدمها العلمي والتكنولوجي ومعهد «بربرايت» لصحة الحيوان الذي يعتبر مركزًا مرجعيًا عالميًا للتعرف على الفيروسات وكذلك عمل اللقاحات وخاصة الحمى القلاعية..
وتربعت بريطانيا على عرش العلم ومكافحة الأمراض وكذلك في الإنتاج الحيواني واستأثرت في العالم بمردود اقتصادي ضخم بسبب تصدير الماشية واللحوم والمنتجات الحيوانية.. لكنها رغم ذلك ابتليت بظهور مرض جنون الـبـقـر منـذ عـام 1985م، الذي تفجر ثانية في العام ١٩٩٥م، وأثار الرعب في العالم، لأن الأبقار المجنونة تفقد اللحم واللبن ولا بد من موتها أو حرقها، علاوة على أنها أصبحت مصدرًا لمرض يصيب الإنسان يشبه جنون البقر. وأدى ظهور حالات من جنون البشر بسبب التعامل مع الأبقار المجنونة أو أكل لحومها أو أي من منتجاتها إلى ذعر شديد وحظر شامل من أوروبا والعالم على الماشية واللحوم البريطانية، مما أدى إلى خسارة بلايين الدولارات وإلى إحراق معظم- أو كل الماشية- المصابة كشرط أساسي لفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الحيوانية البريطانية.
وفي الوقت الذي كانت تستعد فيه بريطانيا لإقناع العالم في العام الجاري بأنها قد تخلصت تمامًا من الأبقار المجنونة وأنه لا خوف على الحيوانات أو الناس من عدوى الجنون، تفــجــر مرض جنون البقر مرة ثالثة وغرقت بريطانيا بأبقارها المجنونة في متاهة وذعر بلا حدود، إلا أن المأساة الرابعة كانت غير متوقعة وهي ظهور وباء جديد في الأبقار والأغنام والخنازير يسببه فيروس الحمى القلاعية، فكانت صدمة ولطمة زلزلت العلم البريطاني والتفوق التقني وهي مسخنة بجراح لم تندمل بعد من جنون البقر.
العالم بات مذعوراً من هول هذه المفاجأة خاصة أن الماشية البريطانية ولحومها ومنتجاتها قد استؤنف تصديرها على نطاق واسع لكثير من دول أوروبا والعالم، وهي الأكثر انتشارًا في المطاعم ووجبات الهامبورجر والتوسيس واللانشون ولحوم البيتزا وغيرها ولكن يحق للناس أن يتساءلوا ما الذي يثير الذعر في هذا الوباء؟!
من غرائب وعجائب هذا الفيروس أنه صغير الحجم جدًا تحيط بمادته الوراثية علبة من غشاء قوي، ومن ثم فإن الفيروس يقاوم الظروف البيئية القاسية ويظل قادرًا على إحداث الإصابة سواء من الحيوان المصاب أو رذاذه أو إفرازاته كما يوجد في معظم أنسجته وبالقدرة نفسها على إحداث العدوى وسرعة الانتشار فإنه ينتقل عن طريق المياه ومزاود الطعام والقش والتين والعلف الأخضر ومن المراعي الملوثة كما ينتقل عن طريق الرياح «فقد حدث انتشار المرض حديثًا في بريطانيا من مزرعة مصابة على بعد ۲۰۰ كيلومترًا من مزرعة سليمة» كما ينتقل أيضًا من السماد العضوي الملوث ومن فضلات المذابح والسلخانات ومن منتجات الحيوانات سواء الدم أو السرسوب «اللبأ» أو الحليب أو اللحوم ونخاع العظام، وأيضًا الجزارين والذين يتعاملون مع الحيوانات المصابة أو لحومها.. لكن ثمة أخطار أخرى من انتقال الفيروس عن طريق الطيور والحيوانات البرية وربما أيضًا الحشرات الملوثة.
ومن عجائب الفيروس المسبب للحمى القلاعية أنه يتكون من «7» أنواع ومن كل نوع ظهرت «تحت أنواع» وبناء عليه فإن لكل نوع أو تحت نوع إمراضية معينة ومناعة خاصة به لا تمنع الإصابة بالأنواع الأخرى وتختلف الأنواع الوبائية للفيروس من بلد إلى بلد ومن عام إلى آخر، وربما من منطقة أو مزرعة إلى أخرى.
بناء على هذا التباين والتعدد في الأنواع فلكي يتم تحصين الماشية والأغنام بلقاح فعال لا بد أن يحتوى هذا اللقاح «الطعم» على أكثر من نوع من الأنواع الأكثر سيادة في البلد المعني، ومع هذا، فقد ظهرت سلبيات عديدة من اللقاحات بعد إعطائها للحيوان فلم تكسبها مناعة وينتشر المرض كالنار في الهشيم بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن التطعيم سيقوم بمهمته في صد المرض وتكون النتيجة مأساتين أولاهما تكاليف التطعيم والثانية موت آلاف الماشية والأغنام في وقت وجيز.
وتوجد في اللقاح مشكلة ثالثة تتمثل في كون المناعة التي تنتج عن التطعيم باللقاح تكون قصيرة الأمد كما يجب أن يحقن الحيوان بجرعتين على الأقل وأن يعاد التطعيم بعد ٦- ٩ أشهر باستمرار وتزداد آثار هذه المشكلة عند المزارعين الذين يكتفون بجرعة تحصين واحدة لأن المناعة تختفي وعندئذ قد تتفجر إصابات قاتلة.
كما أن هناك مشكلة رابعة تتعلق بالتوقيت والعمر الذي يجب أن يتم فيه تحصين الماشية والأغنام الصغيرة، فمن المعروف أن العجول أو الخراف الصغيرة تكتسب منذ الولادة مناعة سلبية من الأم تنتقل إليها عن طريق لبن السرسوب «اللبأ» وأن هذه المناعة تحمي الحيوان الصغير لبضعة أشهر فقط بعدها يصبح عرضة للإصابة بالفيروس كما أن إعطاء اللقاح في وقت يوجد فيه لدى الحيوان مناعة من الأم، لا يكون فعالاً ويحدث تعارضًا، مما يسهل الإصابة بالرغم من هذا التطعيم الفاشل.
أما المشكلة الخامسة في اللقاح فترجع إلى أنه يجب تثبيط أو قتل الفيروس المصنع منه اللقاح بمادة الفورمالين أو بيتا بربيولاكتون أو أسيتيل إيثلين أمين، وعمومًا فاللقاحات المقتولة هكذا تكون مأمونة لكنها أقل فاعلية من اللقاحات المصنعة من فيروسات مضعفة «أي حية ولكنها ضعيفة وبطيئة الإمراضية» لأنه في كثير من الأحوال وخصوصًا بالنسبة لفيروس الحمى القلاعية، يتحول الفيروس إلى الشراسة ويسبب مرضًا وبيلاً بدلاً من أن يعطي حماية.
وأما المشكلة السادسة في اللقاح فهي أنه بالرغم من نجاح التحصين باللقاح المطلوب واكتساب الحيوان للمناعة الكفيلة بمنع المرض إلا أن الفيروس قد يتغير أو تظهر سلالة «عترة» جديدة لم تكن موجودة في اللقاح، كما أن الفيروس قد تختبئ مادته الوراثية داخل علبة «عباءة» لفيروس آخر وبالتالي فإن المناعة الموجودة لدى الحيوان لا تتعرف فيروس الحمى القلاعية المختبأة مادته الوراثية داخل غطاء فيروس آخر، ومن ثم تتسلل المادة الوراثية إلى داخل الخلايا وتتكاثر وتسبب المرض بالرغم من وجود مناعة ويطلق على هذه الظاهرة مصطلح الاختباء المورثي Genomic .Masking
لماذا فشلت بريطانيا في محاصرة المرض؟
إنه لمن المحير حقًا أن يعبث هذا الفيروس الصغير بجبروت العلم والتكنولوجيا البريطانيين بالرغم من أنها الدولة الوحيدة التي يوجد لديها المعمل المرجعي العالمي لمرض الحمى القلاعية وأنها نظيفة تمامًا من هذا المرض منذ العام ١٩٦٧م.
طبعًا لم يكن في الحسبان ما حدث.. ووقفت كل إجراءات محاصرة المرض- أو منعه- فاشلة منذ منتصف شهر فبراير إلى يوم كتابة هذا المقال الثالث عشر من مارس الجاري- وقد يعزى هذا إلى فرضيات:
أولها تسرب الفيروس مع حيوانات أو لحوم مستوردة وهذه الفرضية غير صحيحة.
والفرضية الثانية أن الفيروس أتى عن طريق لا يقع في نطاق الحجر البيطري أي أن تكون قد حملته طيور مهاجرة.
أما الفرضية الثالثة فربما يكون قد ظهر الفيروس كسلالة جديدة من معامل اللقاحات أو سلالة تم تعديلها وراثيًا لأغراض علمية أو لأغراض أخرى؟! أو ربما كما يزعم البريطانيون قد جاءهم مع شحنة من اللحوم الأرجنتينية!!
أعراض المرض: يصيب فيروس الحمى القلاعية الحيوانات المجترة مشقوقة الظلف مثل الأبقار والأغنام والماعز والخنازير كما يصيب من الحيوانات البرية الغزلان والأيائل ومن النادر أن يصيب الإنسان.
وتبدأ الأعراض بعد فترة حضانة ٣- ٨ حيث تظهر حويصلات على الأغشية المخاطية للفم واللسان والشفاه واللثة والبلعوم وسقف الحلق، كما قد توجد بين الأظلاف وعلى الضروع والحلمات ونادرًا على كيس الصفن أو الفرج وتسبب بعض السلالات الشرسة تقرحات في القلب مما يؤدي للوفاة ويكون المرض قاتلاً أكثر في العجول الصغيرة والحملان حيث يسبب التهابًا في عضلات القلب من غير أن تظهر أي جروح، وتفقد الحيوانات المصابة كثيرًا من وزنها، حيث يتناقص اللحم وإنتاج اللبن كما قد يصيبها العرج ويسبب المرض إجهاضًا للحيوانات الحوامل ونفوقًا في الحيوانات الصغيرة ومن الواضح أن السلالة الجديدة التي ظهرت الآن ببريطانيا شديدة الإمراضية وعالية الإمائة والشراسة.
الأعراض التي تظهر على البشر الذين يصابون بالفيروس تشبه ما يظهر على الحيوان ولكنها أقل حدة حيث تنتشر المثانات «الحويصلات» على الفم والوجه والأيدي ولكنها ليست قاتلة وتتركز العدوى أساسًا في الجزارين والمزارعين والأطباء البيطريين والإصابة دون أخطار أو مضاعفات.
كيف يمكن مكافحة المرض؟
قد يكون هذا الوباء الجديد استثناء لأنه غير متوقع وغير معروف سلالة أو «سلالات» الفيروس المسببة.. وعلى ضوء أنه لا يوجد أي علاج أو دواء ضد المرض فإن أهم طرق المكافحة هي منع انتشار المرض والوقاية منه باتخاذ بعض الإجراءات:
1- منع استيراد الماشية والأغنام واللحوم ومنتجاتها «بما فيها الألبان لأنه يفرز في اللبن».
2- عدم استيراد أو استعمال الأعلاف الجافة أو الخضراء من مناطق المرض.
3- حظر الدخول إلى المناطق المصابة سواء للحيوانات أو للبشر أو الدخول إليها.
4- تطبيق الحظر البيطري بدقة شديدة.
5- تطهير الحيوانات والأشخاص والشاحنات التي تتعرض للفيروس بعد التعرض.
6- حرق جميع الحيوانات المصابة أو التي تعرضت للإصابة بعد قتلها.
7- تغيير عادات الناس الغذائية والامتناع عن أكل منتجات اللحوم المستوردة.
8- تحصين المواشي والأغنام باللقاح متعدد السلالات.
9- إنشاء معامل متخصصة بكوادر فنية سواء للحظر البيطري أو للكشف عن الأمراض أو لصناعة اللقاحات.
10- الامتناع عن التلقيح الصناعي من عجول أو كباش مصابة، حيث يوجد الفيروس في المني.
11- الاهتمام بالثروة الحيوانية الوطنية والحفاظ عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل