العنوان الحملة الأرمينية على تركيا.. على طريقة الابتزاز اليهودي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000
مشاهدات 107
نشر في العدد 1420
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 03-أكتوبر-2000
الحملة الدعائية الأرمينية ضد الأتراك سارت منذ فترة فوق نار هادئة وإن كانت تسخن أحيانًا لكنها بدأت هذه الأيام تظهر جليًا، ويبدو أن هذه الحملة ستضيق الخناق على الدبلوماسية التركية كثيرًا في الأيام المقبلة.
الجانب اللافت للنظر في هذه الحملة هو استمرارها بشكل مكثف «على المستوى العالمي» فمجموعات اللوبي الأرميني من الولايات المتحدة إلى فرنسا ومن أستراليا وحتى سويسرا تطرق الباب تلو الباب مطالبة بدعم تهمة «المجزرة» الموجهة ضد تركيا بهدف استصدار قرارات من البرلمان ومختلف المؤسسات ضد تركيا، كما أن مسؤولي أرمينيا يتحينون الفرص كي ينقلوا الدعوى إلى المحافل الدولية.
ولم يضع الرئيس الأرميني روبرت قوجاريان الفرصة لنقل الموضوع إلى الأمم المتحدة عبر الكلمة التي ألقاها في «قمة الألفية» بنيويورك.
الموضوع نفسه نجده اليوم على جدول أعمال الكونجرس الأمريكي نتيجة جهود اللوبي الأرميني الذي يسعى جاهدًا منتهزًا فرصة الانتخابات الرئاسية للحصول على دعم له في مجالس مختلف الولايات الأمريكية إلى درجة مصادقة اللجنة الفرعية للكونجرس لشؤون حقوق الإنسان على «مسودة المجزرة الأرمينية» نقلت المسودة بعدها إلى طاولة بحث لجنة العلاقات الخارجية لمجلس النواب تمهيدًا لإدراجها في جدول أعمال الهيئة العامة للكونجرس.
إن هدف الأرمن وهم يقومون بهذه الحملة على النطاق العالمي، هو تأمين الدعم النشط من الأمم المتحدة والبرلمانات والمنظمات الشعبية وصولًا إلى ممارسة أشد الضغوط على تركيا.
والحقيقة أن اللوبي الأرميني بجهوده المؤثرة استطاع أن يجمع شيئًا من الدعم في هذا الاتجاه فالأوساط الحساسة تجاه مفهوم «المجزرة» تصيخ السمع لهذه الادعاءات وبعبارة أخرى فإن الأرمن يستغلون الحساسية تجاه «المجزرة» ويستخدمونها كورقة في هذه الهجمة.
أما تركيا التي تقف حيال هذا الهجوم موقف الدفاع، فعليها أن تستخدم أكثر ما تستخدم ثقلها السياسي، ومن دواعي الأسف ألا يكون لتركيا لوبي مؤثر في الدول الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكذلك فإن من المؤسف أن تركيا أثبتت حتى اليوم عجزها عن شرح قضاياها للعالم الخارجي حتى في القضايا التي تملك كل الحق فيها وأوقعت نفسها في قفص الاتهام.
فالدبلوماسية التركية تحاول الآن استخدام نفوذها لدى هذه الدول أو المؤسسات بهدف عرقلة الحملة الأرمينية، وإحدى الطرق إلى ذلك تحذير الدول المعنية من أن تؤدي هذه المحاولات إلى تسميم العلاقات الثنائية، وهو ما فعله الرئيس سزر ووزير الخارجية إسماعيل جيم خلال لقاء الأول مع الرئيس الأمريكي كلينتون ومباحثات الثاني مع نظيرته الأمريكية مادلين أولبرايت أما الطريقة الأخرى التي يمكن اللجوء إليها فهي وضع العلاقات الاقتصادية في الميزان! حيث يمكن توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الأخرى باللجوء إلى «تدابير مقابلة» في التجارة وعروض السلاح وهي طريقة لا نعتقد أن تركيا ستقوم بها فعلًا.
وجهًا لوجه:
إن الحملة الأمريكية تجعل تركيا وجهًا لوجه مع عدد من الدول الصديقة فالكلمات والمواقف المؤيدة لادعاءات المجزرة في الكونجرس الأمريكي أو برلمانات الدول الأخرى تلقي ظلالها على العلاقات مع هذه الدول، والنتيجة مزيد من الضيق والحرج في سياسة تركيا الخارجية.
ولكن ما الذي يكسبه الأرمن من ذلك؟ يحتمل أن تكون الكلمات التي ألقاها قوجاريان في الأمم المتحدة، أو القرار الذي اتخذته لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان السويدي قد أعجبت الرأي العام الأرميني ليس إلا ولكن ليس لذلك أي قيمة عملية من الناحية العملية، فمن غير المتوقع أن تتبنى الولايات المتحدة أو الدول الأخرى القضية الأرمينية وتعتبرها سياسة دولة واحتمال حصول المشروع المقدم إلى مجلس النواب الأمريكي على المصادقة احتمال ضعيف. وحتى لو وافق مجلس النواب فإن مجلس الشيوخ سيرفضه، وفي كل الأحوال لن يصادق عليه الرئيس الأمريكي.
وعلى هذه الحالة فإن حملة الأرمن هذه لن تكسبهم شيئًا من الناحية الفعلية، وكل ما هنالك أنها ستزيد العداء مع تركيا وتحول دون تطبيع العلاقات مع أرمينيا بصورة خاصة.
أما بالنسبة إلى تركيا، فستحاول مواصلة مقاومة الحملة مع الحرص في الوقت نفسه على عدم إفساد العلاقات مع الدول الصديقة وبعكسه سيتحقق أحد الأهداف التي تتوخاها الحملة الأرمينية التي تقول أوساط عليمة إنها تستهدف الحصول على فوائد اقتصادية كما فعل الكيان الصهيوني مع ألمانيا بحجة التعويض عن مقتل اليهود وما زال يستنزف منها الأموال حتى اليوم عن أناس يقال إن مئات الألوف منهم لم يلقوا حتفهم بأيدي النازيين، خاصة أن أرمينيا تمر بأزمة اقتصادية خانقة أدت إلى محاولة سكان القرى الأرمينية القريبة من الحدود التركية عبور الحدود إلى تركيا هربًا من المجاعة التي يواجهونها، والمعروف أن الكيان الصهيوني بدأ بالمطالبة بالتعويض عن ضحايا النازية من اليهود في عام ١٩٥٢م كحل للتخلص من الضائقة المالية الحادة التي وصلت إلى حد العجز عن استقبال اليهود الآتين من شمال إفريقيا واليمن والعراق وإیران، رغم ردود فعل مناحيم بيجن التي كانت ترفض استلام المعارضة وفي مقدمتها تعويضات من عدوهم ألمانيا.
وتؤكد مصادر مطلعة في واشنطن أن الهدف من المشروع الأرميني هو تنفيذ خطة مؤلفة من ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى تستهدف إلصاق تهمة القيام بالمجزرة بتركيا، والمرحلة الثانية تبدأ فيها المطالبة بالتعويض عن القتلى، وأخيرًا تقديم مطالب تتعلق باستقطاع أراض من تركيا بدعوى أنها تعود لأرمينيا.
واللافت للنظر أن الأرمن يتجنبون بإصرار مراجعة المحاكم الدولية كمحكمة حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، وقال سفير تركي سابق إن السبب يعود إلى استحالة إثبات وقوع مجزرة أو مذبحة ضد الأرمن لكون ما حدث في الماضي لا يعدو قتالًا مع الطابور الخامس الذي شكله الأرمن لطعن الدولة العثمانية من الخلف بالاتفاق مع الروس، وكذلك وجود كثير من الوثائق والمقابر الجماعية التي تثبت مهاجمة الأرمن للمدنيين العزل وقتل آلاف منهم رجالًا ونساءً وأطفالًا، النقطة الأخرى اللافتة للنظر أن الأرمن يزعمون أن المذبحة وقعت في فترة زمنية تمتد من ١٩١٥م إلى ۱۹۲۳م أي أنها تشمل العهدين العثماني والجمهوري، والغرض واضح وهو إلصاق التهمة بتركيا.
والشيء الذي يعجز الإنسان عن فهمه هو هذه الألاعيب البيزنطية البسيطة في محتواها، فحتى لو فرضنا أن مثل هذه المجازر والمذابح قد وقعت فما ذنب الناس الآن عن دماء سُكبت قبل أكثر من ثمانين عامًا؟ أضف إلى ذلك أن تلك الأحداث وقعت بتحريض ممن يدعون حاليًا إنهم حماة الأرمن وحماة حقوق الإنسان.
الجديد في القضية:
الجديد في القضية أن هناك مساعي تركية تدعو لتشكيل فريق من المختصين والخبراء الأتراك والأرمن برئاسة شخصية محايدة لجمع الوثائق والأدلة التاريخية عن الموضوع والتوصل إلى نتيجة تضع حدًا لهذا الموضوع ولكن إلى أن يتم ذلك ماذا يقول الباحثون؟ يتناول كتاب «الأقليات وتدمير الإمبراطورية العثمانية» الذي ألفه بالإنجليزية صلاحي صونييل ونشرته مؤسسة التاريخ التركي موضوع الأرمن.. جاء في هذا البحث أن عدد التجار المسجلين في عضوية الغرفة التجارية والصناعية بإسطنبول عام ۱۹۱۲ بلغ ثلاثين ألفًا ٢٥% منهم من الأرمن و٤٥% روم و١٥% فقط من الأتراك.
هذه الصورة تدل على أن غالبية الأتراك في الدولة العثمانية كانوا من البيروقراطيين والقرويين أما الأقليات فقد أصبحوا أغنياء بفضل التجارة.
أما من الناحية السياسية، فهذه الوضعية تعني أن العثمانيين لم يمارسوا تميزًا يحول دون نشاط الأقليات خاصة مع عهد «التنظيمات» حيث بدأت أسهم الأقليات ترتفع في البيروقراطية ودوائر الدولة.
من المعروف أن الأرمن بصفة «الملة المخلصة» التي كانت تطلق عليهم التحموا بالثقافة العثمانية وخاصة في الفنون المعمارية وبعض الفنون، وما زال المواطنون الأرمن يقدمون اليوم مساهمات قيمة لتطوير الثقافة التركية.
لكن كثيرًا من الأرمن في الماضي وبتحريض من التيارات القومية الشوفينية في البلقان، خدعوا بفكرة «أرمينيا الكبرى» فقاموا لتحقيق هذه الفكرة في ولايات بتليس وديار بكر وأرضروم وألازيغ «العزيز» ووان ومرعش وهي المعروفة بـ«الولايات الستة».
يذكر أن شعوب البلقان التي انفصلت عن الدولة العثمانية كانت تمثل الأكثرية أو قريبًا من الأكثرية على أرضها وترابها أما الأرمن فلم تكن لهم أكثرية في المناطق التي عاشوا فيها فقد قامت بيزنطة من قبل وليس الدولة العثمانية بتشتيت شمل الأرمن.
تقول المؤرخة أن إليزابيث ريدغات المعروفة بتعاطفها مع القضايا القومية للأرمن استنادًا لما تدعيه بطريركية الأرمن بإسطنبول أن نسبة الأرمن في الولايات الستة في عام ١٩١٢م كانت ۳۸.۹% ونسبة الأتراك هي ٢٥٤% والأكراد ١٦,٣%.
أما المؤرخة الأمريكية ميغي فقد أجرت حول هذا الموضوع بحثًا مفصلًا وكانت النسبة لديها هي ٢٦.٥% من الأرمن و٦٥% من المسلمين، وقد حاولت «اللجان الأرمينية» إزالة هذا الفارق عن طريق استخدام أجهزة إعلام الدول الغربية وروسيا بالإضافة إلى التحجج بـ«التطهير العرقي».
وكما سجلت صفحات التاريخ فقد انخرطت المنظمات الأرمينية المسلحة أثناء الحرب العالمية الأولى في الجيش الروسي وطعنت الجيش العثماني من الخلف، كما قامت بعمليات عسكرية وإرهابية وأعمال تصفيات جماعية ضد «السكان المسلمين» تثبت ذلك الأعداد الكبيرة من المقابر الجماعية للمسلمين التي عثر عليها في المناطق الشرقية من الأناضول بالإضافة إلى الآلاف من الوثائق ولا بد لنا أن نذكر أن بعض عمليات القتل ضد الأرمن حدثت من قبل السكان المحليين في تلك المناطق بهدف الانتقام تارة والسلب والنهب تارة أخرى واتخذت الحكومة العثمانية قرارًا بتهجير الأرمن بهدف إبعادهم من مناطق القتال كيلا يمارسوا دور الطابور الخامس خلف الجبهة، لكنها لم تصدر أي أمر بقتلهم حتى أنا ريدغات وهي المعروفة بانحيازها للأرمن تعترف بأن ادعاءات إصدار الأمر بالقتل الجماعي ضد الأرمن يعوزها البرهان، فالحقيقة هي كما قالها المفكر التركي المعروف ضياء كوك ألب في المحكمة العسكرية بإسطنبول عندما كانت إسطنبول تحت الاحتلال الإنجليزي:
لم يكن هناك قتل، بل قتال! لقد حدثت مآس في الجانبين لكن «التصفية» لم تكن يومًا من الأيام سياسة للدولة.
ولننظر بعد ذلك فيما إذا كانت لجان مجلس النواب الأمريكي ستدرك حكمة ترك التاريخ للمؤرخين وعدم اللجوء إلى نبش جراح الماضي.
خدمة وكالة جيهان للأنباء- إسطنبول
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل