; الحكام المستبدون.. وعلى الباغي تدور الدوائر | مجلة المجتمع

العنوان الحكام المستبدون.. وعلى الباغي تدور الدوائر

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998

مشاهدات 111

نشر في العدد 1303

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 09-يونيو-1998

كان من بين التأثيرات الكبيرة للحرب العالمية الثانية أن بدأ انحسار الاستعمار الغربي عن بلدان العالم الثالث وبدأت هذه الأقطار تنال استقلالها تباعًا. 

ولكن العقلية الغربية المسيطرة التي نشأت على حب السيطرة وامتصاص خيرات الشعوب المستضعفة لم تكن لتترك هذه البلدان لتنعم بالخروج عن التبعية للغرب أو تقوم فيها حكومات وطنية مستقلة تتيح للشعوب الحرية التي افتقدتها وتنطلق في طريق التنمية والتقدم، فسرعان ما تسلمت السلطة في معظم البلاد العربية والإسلامية حكومات رفعت شعارات الثورة والتحرر الوطني والانتماء القومي والحرب على الاستعمار، ولم تكن في الواقع إلا حكومات عميلة تقف وراءها دول ومخابرات أجنبية معروفة، ولم تكن ثورتها إلا على القيم وتحررها إلا من الفضائل والاخلاق، وانتماؤها إلا لمن أوصلها إلى كرسي السلطة، وحربها إلا على الإسلام والمسلمين.

قام «الثوار» بالدور المرسوم لهم في منع تحكيم الشريعة الإسلامية وضرب الحركات الإسلامية، ومحو العلم الشرعي من عقول الناشئة، وتعطيل أكبر الجامعات والمعاهد الإسلامية، وتحويل الدول العربية المسلمة إلى دول علمانية تحكمها القوانين الوضعية التي أعدت في الغرب والتي تنبذها المجتمعات العربية المسلمة وبسط أولئك الحكام سيطرتهم على البلاد بقوة السلاح وبأدوات البطش والقهر فقتلوا الأبرياء وفتحوا أبواب السجون والمعتقلات على مصاريعها للمسلمين الذين ليس لهم ذنب إلا أنهم متمسكون بدين الله مطالبون بتحكيم شرعه، وكمموا الأفواه وقيدوا الحريات واغتالوا الفضيلة ومكارم الأخلاق ونوازع الخير عند الناس.

 وعلى المستوى الاقتصادي أخذت تلك الحكومات بالتوجه الاشتراكي الذي حرم الناس من حق الملكية، وقتلوا عندهم الدافع الشخصي في السعي لكسب الرزق وتحقيق النماء، فهربت رؤوس الأموال خارج بلادها وأصبحت تلك البلدان أسواقًا مستهلكة تُمنع من زراعة أرضها أو استثمار مواردها أو دخول مجال التصنيع الاستراتيجي وغيره لتظل عالة تعتمد على المساعدات الأجنبية. 

وبعد أن انهارت الاقتصاديات وأفلست خزائن الدول وخوت جيوب المواطنين تحولت تلك الحكومات إلى سياسات الانفتاح الموهوم والخصخصة وبيع أملاك الدولة، فاندفع المضاربون والمستثمرون الأجانب يشترون العقارات والمصانع والشركات بأرخص الأثمان، وعادت السيطرة الأجنبية على الاقتصاد أسوأ مما كانت في عهود الاحتلال، ونتيجة طبيعية لخراب الذمم وانعدام الضمائر وغياب الخوف من السميع البصير انشغل حكام معظم تلك الأقطار المعنية وفي زمرتهم أبناؤهم وأقاربهم وحاشيتهم بسرقة الأموال واستغلال النفوذ والمتاجرة بمعاناة الشعوب. 

وتضخمت ثرواتهم حتى وصلت إلى أرقام فلكية فهم يسيطرون على البنوك والشركات والمؤسسات وقطاعات النقل والمواصلات والاتصالات والوكالات التجارية والتصدير والاستيراد ويفرضون الإتاوات على غيرهم ويجبرونهم على أن يدخلوا معهم شركاء في أعمالهم ويصدرون القوانين التي تخدم مصالحهم، ويستغلون القرارات السياسية التي يضعونها بأنفسهم لتحقيق المزيد من الكسب الحرام، وبالجملة فقد سيطر أولئك وأعوانهم ومن يرضون عنهم على شتى مناحي الحياة ولم يدعوا لغيرهم متنفسًا.

فهل يعقل أن يكون رصيد الرئيس الإندونيسي السابق وحده ١٦ مليار دولار وهو الذي جاء إلى السلطة لا يملك سوى راتبه في الجيش؟ ومن أين أتت أسرته بتلك الثروة التي قدرها البعض بأربعين مليار دولار؟ ووصلت بها تقديرات أخرى إلى مائة مليار دولار، وهل يجوز أن تتجمع تلك الثروات في يد أسرة واحدة لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة فيما تحصي بعض التقديرات عدد الفقراء في إندونيسيا بمائة مليون شخص؟ نعم مائة مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر سيما بعد الأزمة الاقتصادية الطاحنة الأخيرة.

لذا لم يكن غريبًا أن يثور الشعب الإندونيسي مطالبًا بالإصلاح، وأن يخرج الشباب والطلبة إلى الشوارع، وأن يعتصموا بالبرلمان، وأن تصاب أوجه الحياة المختلفة بالشلل حتى سقط سوهارتو ليلاقي مصيره الأسود، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فعندنا في البلاد العربية حكومات عسكرية ثورية جاءت كما أسلفنا بتخطيط غربي، ونزت على السلطة، وفعلت ما فعلت كما ذكرنا في مقدمة حديثنا من نهب للثروات واستغلال النفوذ فأصبحت أرصدتهم بالمليارات وعلى سبيل المثال لا الحصر صدام وأمثاله الذين ابتليت بهم بلاد العرب ولا يزالون يحكمون أقطارًا كثيرة منها، فهذه سجونهم مملوءة بالأبرياء، وهـذه البنوك الأجنبية طفحت بأرصدتهم، وهذه خيرات البلاد تصب في جيوبهم وجيوب أعوانهم أولئك الظلمة الذين استبدوا ونهبوا وقتلوا وخربوا، ستنالهم يومًا يد العدالة لتنفذ فيهم الحكم العادل.

إن هذه الصور الشائهة للحكام المستبدين الظالمين المستغلين ينبغي أن تختفي من العالم وعلى الأخص من عالمنا الإسلامي، فالإسلام يحرم الاستبداد والظلم والجور والبغي والفساد والإفساد، ويضع أسسًا راقية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في عام الرمادة يأكل أقل مما يأكل بقية المسلمين وحين ظهر بثوب طويل استُنكر عليه ذلك، فأوضح للمسلمين أن ابنه تنازل له عن نصيبه من القماش فوصله بقطعته فلبسها، فأين هذه النماذج المشرقة مما نراه في عالمنا اليوم؟!

وإن لم يرعوِ أولئك الظالمون النهابون المفسدون ويكفوا أيديهم عن ممتلكات الشعوب وإرادتها، ويصححوا مسارهم الآثم، فلا يلومون إلا أنفسهم إذا أصابهم ما أصاب شاه إيران أو شاوشيسكو دیكتاتور رومانيا السابق أو الجنرال سوهارتو، وما ذلك عنهم ببعيد بإذن الله.... فالظلم ظلمات وعلى الباغي تدور الدوائر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل