العنوان الحقيقة.. أين هي؟ ولماذا.. لا نعيشها؟
الكاتب الأستاذ الدكتور فاروق حمادة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973
مشاهدات 73
نشر في العدد 150
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 15-مايو-1973
إن «الحقيقة» قد أصبحت مجهولة لدى كثير من
أبناء أمتنا في هذه الأيام الكالحة. و«مجهوليتها» هذه لم تكن ضعفًا في هذه الحقيقة
أو هزالًا لها، إنها جاءت نتيجة للتشويش، وإثارة الزوابع، وإطلاق قنابل الدخان
الكثيف حولها من جميع الجهات؛ وذلك لتخاف النفوس من الاقتراب من هذه الحقيقة
أولًا، فلا تستطيع معرفتها وكنهها وقوتها وعظمتها ثانيًا، ولتبقى عشرات، بل مئات
الملايين من هذه الأمة تدور في دوامة شائكة، وتخب في صحراء تستنزف منها الجهود ولا
أمل في النجاة منها.
إن سواد الأمة وغالبها، ليقف مشدوهًا في كثير
من الأحيان أمام المفاجآت التي تفجؤه فلا يهتدي إلى الصواب، وإن شئت فقل: إلى
الطريق المؤدي إلى شاطئ السلامة وبر الأمان. ولكثرة هذه المفاجآت وتتابعها -وهي
بلا شك ضمن سلك قد نظمت خرزاته بإحكام وإتقان ولما تنتهِ بعد- يوشك اليأس أن يصل
إلى قلوب هذه الفئة التي تتلهف ليوم السعادة المنشود، يوم الأمن المطلوب، يوم يعود
الحق إلى نصابه، والأسير إلى دياره بعد غربة وطول افتراق.
ومما يساعد على وصول اليأس إلى القلوب كثرة
التصريحات من هنا وهناك بتناقضاتها الظاهرة، وتمحلاتها المكشوفة، وأساسها السطحي،
ومداها القصير.
أقول: إن الغالبية -وبتأثير هذه العوامل
وغيرها- قد لا تهتدي إلى الحقيقة، ولكن أولئك الذين يتحركون ويعملون، مع دعواهم
بالإخلاص وحسن النية والقصد السليم، لا أشك في أن الحقيقة عند غالبهم -إن لم تكن
عند الجميع- قد أصبحت مكشوفة ومعروفة؛ لقد استطاعت أبصارهم اختراق حجب الدخان،
والزوابع التي أثيرت -سواء بقصد أم بغير قصد- فعرفوا الحقيقة وعرفوا مكانها
وأهميتها.
إن أمتنا في صراعها العنيف ومعركتها الملتهبة
مع الصهيونية وغيرها، قد آن لها أن تتوجه الوجهة الصحيحة لكسب المعركة وتحقيق
النصر.
إن المغالطات بدأت تظهر وبدون لبس أو غموض
أمام أولئك الغافلين، وبدأ العوار ينكشف، وبدأت النفوس جميعها تتململ: كفانا
مغالطات! كفانا تناقضات!
إن أي فرد من أفراد هذه الأمة ليعيش على
أعصابه مرهقًا مكدودًا، وهو مستسلم على فراشه الوثير، وأريكته الضخمة الفخمة؛ لأنه
مهدد في كل لحظة، والتهديد من أكثر من عدو.
و«الحقيقة» أول ما تحتاجه الصدق في البحث
عنها، والإخلاص في قصد الوصول إليها، وليس الصدق ما تعارف عليه الساسة في عصرنا، إنه
الصدق بمعناه العربي الصحيح، ثم تحتاج إلى الثبات في سبيلها؛ فالحقيقة لا يكفيها
أن تُعرف فحسب، بل إنها للمسؤولية العظيمة في معرفة الحقيقة، ألا وهي الثبات ورفع
رايتها والقيام بواجبها، وبصدق، فهما شيئان متلازمان!
لقد جربت أمتنا في معاركها شتى الوسائل
والأساليب إلا هدي الحقيقة وسبيلها، فماذا كانت النتيجة؟ إنها الخيبة المستمرة،
والخسائر المتوالية، والتعقيد المتزايد في الأمور، وما ذلك إلا لأننا تعامينا
وغالطنا أنفسنا، وأصابنا من العنجهية والغرور.
إن إسرائيل من أول يوم قامت فيه وبدأت الصراع
معنا، لم تكن تقصد في صراعها الأرض والمال والثراء؛ لم تصارع من أجل هذه الأمور،
أي من أجل الأرض لأنها أرض، وأن اليهود لهم أغنى الناس في أي منطقة يحلون فيها،
وهذا معروف وليس بحاجة إلى دليل.
إن صراعهم مع العقيدة، وفي سبيل العقيدة.
إن أي فرد منهم، وعلى كافة المستويات يعلم
تمام العلم أن حربه في سبيل عقيدته لا لشيء غيرها، ويحارب عقيدة صلبة، يحارب
العقيدة الإسلامية؛ لأنهم يعلمون أيضًا أن العقيدة النصرانية إنما هي من صنعهم،
فكان لهم طريقان:
الأول:
إضعاف العقيدة المحاربة في نفوس أهلها ومعتنقيها، وإقصاؤها عن واقع الحياة والفكر
والسلوك لتخمد الجمرة التي تشعل الدنيا عليهم حربًا، وتضرمها نيرانًا.
الثاني:
تقوية العقيدة التي يحاربون لأجلها وغرسها في نفوس الناشئة والشباب وفي مختلف
الأعمار والمراحل؛ ليكون لديها المعين الدافق من البذل والتضحية.
أما الشيء الأول فما عليك إلا أن تنظر بفكرك
في صفحات المجتمعات الإسلامية اليوم وغير الإسلامية أيضًا، ثم اقرأ هذا الكلام
الذي هو فقرة من بروتوكولاتهم -وهي جزء وليست كلًا من مخططهم الرهيب:
حينما نمكن لأنفسنا فسنكون سادة الأرض، لن
نبيح قيام أي دين غير ديننا، أي الدين المعترف بوحدانية الله الذي ارتبط خطنا
باختياره إيانا، كما ارتبط به مصير العالم.
ولهذا يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان،
وأن تكون النتيجة المؤقتة لهذا إثمار ملحدين، فلن يدخل هذا في موضوعنا، ولكنه
سيضرب مثلًا للأجيال القادمة التي ستصغي إلى تعاليمنا على دين موسى، الذي وكل
إلينا بعقيدته الصارمة، يجب إخضاع كل الأمم تحت أقدامنا» (انظر البروتوكول الرابع
عشر).
وأما عن الشيء الثاني: وهو تقوية عقيدتهم
الشرسة الصارمة الحاقدة على الجنس البشري، فيكفي أن تعلم أنها مادة رئيسية في
التعليم وبجميع مراحله حتى الجامعي، على العكس منها في العالم الإسلامي، فهي مادة
غير رئيسية في التعليم وبجميع مراحله، ولا توجد في التعليم الجامعي أصلًا، وساعات
تدريسها أقل من ساعات تعليم الموسيقى والفنون!!! وفي هذا تحقيق لمآرب الخصم، وخدمة
لمخططهم، سواء أكان بجهل أم بتجاهل منا!
إن اليهود استطاعوا السيطرة على العالم
النصراني بأجمعه، وهم في طريقهم للسيطرة على الصين واليابان، وما البلشفة إلا من
مكرهم ودهائهم، ولكن في بعض الأحايين تستيقظ ضمائر بعض الواقعين تحت وطأتهم -وضمن
مخططات مرسومة في أحايين أخرى- فيكتبون عن حقيقة إسرائيل والصهيونية، وممن كتب
عنهم رجل فنلندي زار إسرائيل فلاحظ الآثار العميقة والتنشئة الرهيبة للشباب
اليهودي على العقيدة اليهودية للدعاية المبشرة بفكرة «الشعب المختار».. وهَيمنتها
على كل شيء في المجتمع، وإليك بعض ما جاء في كتابته:
«وخلال تجوالي في المدن والأقاليم
الإسرائيلية، تبين لي أن الأمر يتعلق ببلد لا تلقن فيه إلا فكرة التعالي العرقي
لشعب موجه لقيادة البشرية بأسرها. هناك ملايين من الكتب الإسرائيلية مكرسة للدعاية
المبشرة بفكرة الشعب المختار. وتتوسل حكومة تل أبيب بدعايتها بالصلوات التي تقام،
فحينذاك تفسر الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل على الشعوب العربية بأنها حرب
وطنية، ويدان قرار مجلس الأمن الذي يطالب بإعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها بأنه
شيء مهين لا مبرر له؛ لأن فلسطين بأسرها تعود منذ أقدم العصور إلى إسرائيل، ولا
تعني فلسطين حسب الكتاب المقدس إلا دولة إسرائيل، ولا يقبل بديل بالشعار المرفوع
بشأن إسرائيل الكبرى «من النيل إلى الفرات».
ويقول -وهذا مقطع آخر من حوار جرى بمحضره-؛
سأل رجل دين بروتستانتي نرويجي نائبًا في الكنيست:
- بأي
طريقة تعتزم إسرائيل إدماج الأراضي الواقعة داخل حدودها الجديدة؟
- إننا
نمتثل التعاليم التي تقول: بالحديد والنار سنستولي على الأرض التي هي لك.
- لكن
هذه تعاليم أنبيائكم، فما الذي يقوله رجال السياسة؟
- نفس
المقولة، الرئيس الأول للدولة حاييم وايزمان قد استقبل المهاجرين في ميناء
حيفا بما يلي: إنه شيء عجيب أن يعود أبناء إسرائيل بعد ألفي عام إلى دارهم،
الآن لن يطردهم منها أحد، وكان الرئيس على حق، فهناك ثلاث قوى تدعمنا وهي:
الإله، الصهيونية، والولايات المتحدة (عن جريدة العلم - عدد 8277).
هذه الكلمات بمعناها نسمعها دائمًا، وليست
الولايات المتحدة فقط هي التي تدعمها بل المعسكران الشرقي والغربي؛ مثلًا: وزير
خارجية بلجيكا الذي قام بزيارات عدة للشرق الأوسط واستقبل بالحفاوة البالغة في
البلاد العربية، تمخض الأمر عن إعلان بلجيكا أنها تقيم مصنعًا للسلاح تملكه
إسرائيل! ألمانيا الغربية، فرنسا -صديقة العرب- بريطانيا، تتجه إلى تقوية سلاح
البحرية الإسرائيلي. إثيوبيا -زعيمة منظمة الوحدة الإفريقية- قاعدة انطلاق إسرائيل
إلى إفريقيا كلها، وكذلك هي قاعدة المذابح ضد المسلمين في القارة السوداء. روسيا
-رائدة السلام العالمي وصديقة العرب- تبعث بالإمداد البشري لإسرائيل لتغطي الأراضي
المتزايدة في إسرائيل. تيتو! يحاول إقناع العرب بأن اقتلاع إسرائيل مستحيل!! (عن
«العلم»).
كل هذا ليؤكد حقيقة قرآنية هامة على الطريق
يجب أن يترسمها كل مسلم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى
حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)، أوليس في أحداثنا الأخيرة تأكيد
لهذه القاعدة التي لا تنقض: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ
أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾
(النساء: 102).
لقد آن لنا الخروج من دوامة المغالطات، وفلك
المتناقضات، والبعد عن الحقيقة؛ لقد آن للشعوب المسلمة أن تعرف أن حربها عقدية،
هذا من جانب، أما الجانب الآخر فقد آن للذين عرفوا هذا أن يعطوا لهذه العقيدة
دورها في الكفاح والذب عن نفسها؛ فإن هذه العقيدة من أول يوم بدأت فيه بتحويل
البشرية اصطدمت بتلك العقائد الزائفة والمبادئ الفاسدة، واشتعلت نيران المعارك على
طول خط التاريخ ومع سير الزمن، ولكن لما كانت تلك العقيدة حرة طليقة تعمل عملها في
النفوس والمشاعر والأفكار والمجتمعات ما عرفت التراجع والتخاذل، وما ذلك إلا بفضل
حيويتها وقوتها الذاتية، وبدأ الحقد يتجمع، والكيد يترسب ويتربص بهذه العقيدة
الدوائر.
إنها الحقيقة المطلقة، الحقيقة الأزلية التي
لا تتعدد، إنها الآن حبيسة سجينة، هي مبعدة عن النفوس والأفكار والسلوك، هي مشوهة
في ملفات محاكم القضاء، وإنها نقية بريئة.
إن الطرق كلها جربت ففشلت، فلنعطِ لهذه
العقيدة مكانها الصحيح، وليس مجرد كلمات جوفاء معسولة ملؤها الدغدغة للأمة التي
كابدت الذل والهوان، والبؤس والحرمان في غيبة هذا المارد العملاق عن ساحة المعركة
وواقع الأمة، وليرفع من طريقها العقبات والمعوقات لتصل للنفوس قبل كل شيء سيما
الناشئة، وتستعيد هيمنتها على حياة الأمة ومجتمعها.
ولنُذعن لهذه العقيدة ولنعمل على هديها؛ فأمر
هذه العقيدة عجيب عجيب، أنشأت خالدًا، وأبا عبيدة، وسعدًا، وصلاح الدين، وهي قادرة
اليوم وفي كل يوم وعلى أي أرض أن تنشئ أمثالهم، وهي قادرة على إعادة الحق إلى
نصابه واسترداد الشرف للكرامة المكلومة، والعزة المهانة، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4-5). وما دمنا بعيدين عنها فإننا في
مفازة التيه ويوشك أن تنقطع بنا المطي ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل