العنوان الحصار
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1940
نشر في الصفحة 66
السبت 19-فبراير-2011
يعاني الإنسان المعاصر من الحصار.. الإنسان في العالم كله.. غربه وشرقه على السواء.. قد تختلف النسب بين بيئة وأخرى، وقد تتغاير أنماط الحصار هنا وهناك.. ولكن وبشكل عام، يبدو أن المعاناة التي تتمخض عن الحصار الذي يأخذ برقاب الإنسان المعاصر، غدت أمرا محتوما في حضارة لم تعد تكترث بإنسانية الإنسان، أو تتعامل معه بصفته كائنا فريداً ذا مواصفات قل نظيرها بين الكائنات. حصار التكاثر بالأشياء.. حصار الآلة.. حصار النظم الشمولية. حصار المادية.. حصار الطواغيت والأرباب حصار الإغراء والتفكك والانحلال.. حصار التلوث البيئي بأصنافه كافة.. حصار القلق والاكتئاب..
وكل واحد من هذه الأنماط يعمل منشاره في الإنسان المعاصر فيسوقه إلى التعاسة والشقاء.. ويقوده إلى الدمار..
الأمراض النفسية ازدادت سعاراً .. وقاموسها أصبح ينوء بحالات متكاثرة سرطانيا.. والأوجاع الجسدية الموقوتة والمزمنة، أصبحت هي القاعدة وغيرها الاستثناء.. وإلى عهد قريب كانت حالات ضغط الدم، والحساسية، والتهاب القولون وانسداد الشرايين، وألام المفاصل والانزلاق الغضروفي، وأوجاع القلب والرأس والجلطات والذبحات وغيرها، وغيرها، حالات محدودة لا تكاد تذكر.. والآن، فإن معظم الناس في مشارق الأرض ومغاربها يعانون من واحد أو أكثر من هذه الأمراض.
لقد توافرت للإنسان المعاصر كل سبل التيسير المادي والخدمي، ولكنه ليس بسعيد، لأنه على المستوى النفسي في دائرة الروح يعاني من إهمال منقطع النظير حضارته المعاصرة تمنح جسده ما يريد، ولكنها لا تكاد تستجيب المطامحة وأشواقه وخبراته النفسية والروحية، إن الإنسان المعاصر يعاني من واحدة من أبشع حالات التضخل والتفكيك في عمقه الإنساني، ومن ثم فهو يتعرض بالضرورة للضياع فيما يذكرنا بالمقولة المعروفة: ماذا لو ربح الإنسان العالم وخسر نفسه؟
في كتاب أريك فروم الإنسان بين الجوهر والمظهر يطرح المؤلف هذا التساؤل الخطير، تتملك أم تكون؟ وكأنه بذلك يختصر المعضلة بكلمات قلائل.. فالذي يحدث الآن على مستوى العالم أن الحضارة المعاصرة تفتح المجال للإنسان على مصراعيه لكي يتملك، لكنها تضيق الخناق عليه، وتسد السبل أمامه إذا حاول «أن يكون»..
و«الدين» هو صوت الخلاص، وسبيل التحرر والفكاك من كابوس الحصار.. الدين هو المنهج والصراط للتحقق بالسوية الإنسانية.. الدين، هو وحده القادر على تعديل الوقفة الخاطئة، والعودة بالمعادلة البشرية إلى وضعها الطبيعي أن يصبح هدفنا أولا هو أن تكون.. أما التملك فالمفروض أن يأتي تاليًا، خلافًا تمامًا لما يحدث الآن في الخبرة الحضارية المعاصرة.
هذا التكاثر المجنون بالأشياء.. هذا السعي المحموم للاقتناء.. هذا النزوع المادي والاندفاع باتجاه مطالب الجسد.. هذه الآلية الطاغية التي تخترق مفاصل الحياة وشرايينها، وتزداد سعارًا يومًا بعد يوم.. هذا التلوث المخيف الذي يخترق معادلات الأرض، ويملا سماءها بالدخان والسموم..
وبموازاة ذلك كله، يتعرض الإنسان لأبشع صيغ القسر والاستلاب من خلال النظم والطاغوتيات التي تتحكم برقابه، فما يزداد إلا تعاسة وشقاء.. ويوما بعد يوم يفقد بعده الإنساني ويضيع..
الحصار يحيط بالإنسان من جهاته الأربع، ويمنعه من أن يكون.. ومن أجل ذلك يصير الدين ضرورة من الضرورات. لأنه مركب الخلاص الوحيد إذا أريد للبشرية ألا تتعرض للغرق.. وللإنسان أن يكون.