العنوان شواهد حول التوظيف الفني
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006
مشاهدات 72
نشر في العدد 1730
نشر في الصفحة 66
السبت 09-ديسمبر-2006
يعد فيلم «عمر المختار» الذي أخرجه مصطفى العقاد، يرحمه الله، نموذجًا مقنعًا على الفرص المفتوحة لتوظيف السينما توظيفًا إيمانيًا.
إن الفيلم المذكور يتوجه بأدائه المؤثر، بقوة الكلمة وتقنيات الفن السينمائي، إلى الإنسان المعاصر لكي يتبين للناس من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه، ويقول أيضًا: إن العدوان الغربي ما كان يتردد لحظة في استخدام أي أسلوب لتدمير مقاومة الخصم.. يقول أيضًا كيف أن المسلم على قلة حيلته في موازين القوى، كان قديرًا على الرد بقوة العقيدة، وأن هذه الطاقة الفاعلة صنعت الأعاجيب ومكنت المسلم الذي يدافع عن أرضه وعرضه وعقيدته، من مجابهة خصمه والحاق الهزائم به، لولا أن هذا كان يبرر لنفسه في المأزق، أي أسلوب لامتلاك زمام المبادرة وسحق الطرف الآخر.
ومن منا لا يتذكر تلك اللقطة المؤثرة من فيلم عمر المختار «الذي يؤدي دوره الممثل العالمي المعروف أنتوني كوين» يجلس قبالة تلامذته الصبيان، بلحيته البيضاء الوقور يعلمهم القرآن الكريم.. كان يتلو عليهم، ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7-9).
ما يلبث أن يتقدم إليه رجل من أصحابه، يهمس في أذنه بكلمات، هجوم مباغت شنته كتيبة إيطالية على إحدى قرى المختار... لم يكن في القرية مقاتل واحد.. كل من فيها كانوا من النساء، والأطفال، والعجزة، والشيوخ.. أبيدوا بالضربة العمياء عن آخرهم.. تتغير ملامح عمر المختار، تنتابه الحيرة للحظات.. ولكنه ما يلبث أن ينهض قائمًا وهو يتلو: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (1)) ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9)... يتحدث مع صاحبه ثم ما يلبث أن يغادر المكان لكي يقيم الوزن بالقسط ويعيد الميزان إلى وضعه العادل، فيشن حملة مباغتة على موقع عسكري. للإيطاليين فيبيد أفراده ومعداته جميعًا...
والمشاهد لا يملك إلا أن يهتز انفعالًا للموقف المثير.. للبعد الإيماني والإنساني معًا الذي ينطوي عليه ويعبر عنه.. ها هنا نجد أنفسنا قبالة واحدة من قيم الإسلام العليا، وهي في بدء الأمر ومنتهاه قيمة إنسانية: لأن هذا الدين ما جاء إلا من أجل العودة بالإنسان إلى سويته الضائعة.. ها هنا نجد أنفسنا قبالة العدوان الغربي الذي طالما انحرف بالميزان، وإزاء الرد الإسلامي الذي يسعى جاهدًا لإقامة القسط في هذا العالم.. إن هذه اللقطة التي ترفع خطابها بقوة الأداء الفني لهي أشد تأثيرًا من مئات الخطب والمواعظ والدروس والمحاضرات وأيضًا هي أقدر على تأكيد قيم الإسلام، وإنسانيتها، وعدالة القضية التي يدافع عنها المسلم المعاصر الذي تعرض ولا يزال للعدوان.
هذا شاهد فني على المستوى العالمي فلأضرب مثلًا على المستوى المحلي...
في صيف عام ١٩٩١م التقيت عددًا من الإخوة الفلسطينيين في عمان.. كانوا من المهتمين بالمسرح الإسلامي، وكانوا يملكون قدرات مقنعة في مطالب العمل المسرحي، النص الجيد والممثل الكفء، ولكن الأهم من هذا كله المخرج القدير، عرضوا مسرحيتين أو ثلاث على مسرح الجامعة الأردنية في عمان، تناولوا فيها هموم القضية الفلسطينية وفوجئوا بحشود الطلبة والمثقفين وجماهير الناس تتدفق على عروضهم يومًا بعد يوم وأسبوعًا بعد أسبوع.. واستمر عرض المسرحية الواحدة أكثر من شهر، وكثافة الحضور المدهشة هي نفسها رغم أن القائمين على الأعمال لم يقوموا بحملة دعائية كافية.. بينما هناك أعمال مسرحية عديدة تم تكثيف حملاتها الإعلامية ومع ذلك عرف عنها الجمهور!! والمهم أن العمل المسرحي حقق تأثيرًا ملحوظًا وهو يقدم جوانب من القضية في منظورها الإيماني الأصيل.
هنالك شاهد آخر النشيد الإسلامي الذي حقق رواجًا كبيرًا، فتفرغت لإخراجه على أشرطة الكاسيت والفيديو شركات متخصصة تزداد عددًا يومًا بعد يوم.. ما الذي تريد أن تقوله ظاهرة كهذه سوى أن التوظيف الفني الجيد للصوت الجميل والنص الشعري المؤثر يمكن أن يفعل ما لا تفعله عشرات المؤلفات والدروس والمحاضرات.