العنوان الجزائر: انفجار مناظق البربر ثمرة انسداد سياسي وغضب اجتماعي وصراعات داخل النظام
الكاتب نور الدين العويديدي
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 88
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 40
السبت 12-مايو-2001
الجزائر
غابت المطالب العرقية والمتظاهرون أيدوا «الإنقاذ» و«حطاب» لنقمتهم على السلطة
أثارت أحداث منطقة القبائل جدلًا صاخبًا في الجزائر وخارجها, وتباينت الرؤى في تفسير الحدث بين رأي رسمي اعتبر الأحداث مؤامرة تورطت فيها جهات داخلية وخارجية، ورأي عام شعبي وإعلامي أجمع على أن انفجار الأزمة هو نتيجة طبيعية لحالة الاحتقان الاجتماعي, والسياسي, وانهيار المقدرة الشرائية، وانتشار الفقر والبطالة في المجتمع الجزائري.
فبسبب حادث ليس غريبًا على الساحة الجزائرية، أردت فيه قوات من الشرطة شابًا من طلاب الثانوية بالرصاص في بلاد القبائل, اندلع الغضب وتفجرت شرارة الغيظ المكبوت في الصدور، فاشتعلت مناطق البربر في وجه السلطة, وسقط في المواجهات الحامية التي استمرت أكثر من عشرة أيام متتالية عشرات القتلى من الشباب الغاضب، ومن قوات الأمن والدرك في مواجهات دامية تسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة.
ما يلفت النظر في هذا التفجر الشعبي: شعاراته والأهداف التي يطولها غضب الشارع, بالحرق والتدمير، ونوعية القائمين على الاحتجاجات وطريقتهم في التعامل مع الدولة ورموزها.
انتفاضة شباب
غلب على المشاركين في الأحداث الشباب من طلاب الجامعات، والمعاهد الثانوية، وحتى تلاميذ المدارس الابتدائية، وتحمل المشاركة الكثيفة للشباب دلالات تعبر بقوة عن حالة فقدان الأمل لدى الأجيال الجديدة في دولة الاستقلال، وحكامها وقادتها من سياسيين وعسكريين، وذلك بسبب حالة الانسداد السياسي والاجتماعي، واستفحال البطالة، وانتشار الفقر المدقع، وتفاقم الفساد والجريمة.
ولا بد أن نسجل هنا أن التهميش والفقر والحرمان والبطالة لا تطول شباب القبائل وحدهم، فربما يكون هؤلاء أسعد حظًا من كثير من سواهم في مناطق أخرى أكثر حرمانًا وتهميشًا.. وهنا مصدر الخطورة، فما حدث في مناطق القبائل ذو قابلية عالية للانتقال بسرعة إلى أماكن أخرى.
لقد شهدت العشرية الماضية، التي يسميها الجزائريون، بالعشرية الحمراء، انتشارًا كبيرًا للبطالة في أوساط الشباب حيث تتجاوز البطالة في هذه الشريحة العمرية 40% في المعدل العام بحسب إحصاءات رسمية, وتصل في بعض المناطق إلى ما فوق ٨٠% ممن تتراوح أعمارهم بين ۱۸ و ۲۹ عامًا، بحسب إحصاءات غير رسمية، وتقدر إحصاءات رسمية عدد العاطلين عن العمل بنحو ٤ ملايين عاطل، في حين ترى مصادر غير رسمية أن العدد أكبر بكثير من ذلك.
وتفاقمت البطالة بشكل عام بسبب سياسة الخصخصة واقتصاد السوق التي اندفعت إليها الجزائر على شاكلة بعض الدول التي عرفت لمدة طويلة الاقتصاد الاشتراكي المخطط، وقفزت بشكل متعجل، ودون تهيئة اجتماعية وسياسية كافية، نحو اقتصاد السوق، وهو ما خلق حالة واسعة من الفوضى والتخبط والفساد والمافيات المالية والسياسية.
وترافقت تلك السياسات بل جلبت معها الفقر المدقع، وتقدر إحصاءات رسمية عدد من هم دون خط الفقر بنحو ١٤ مليون جزائري، أي نصف عدد السكان، كما تفاقمت في أوساط الشباب ظواهر العزوبية والعنوسة وتأخر سن الزواج, وطالت ۳۰% من الشباب، ويعاني الجزائريون، ولاسيما سكان المدن الكبرى من أزمة سكن مستفحلة إلى الحد الذي يتناوب فيه أبناء العائلة على النوم في المنزل: الإناث ليلًا والذكور نهارًا، في حين تذكر مصادر أن هناك نحو مليون شقة فارغة، يملكها العديد من الأثرياء والجنرالات، يستفيدون منها بتأجيرها أو للاستفادة منها في أغراضهم الخاصة.
وتقول تقديرات غير رسمية أن أكثر من مليون ومائتي ألف تلميذ لم يلتحقوا بالدراسة في العام الدراسي الحالي؛ بسبب عجز آبائهم عن توفير الضروريات المدرسية لهم. وتتحدث صحف رسمية ومستقلة، باستمرار عن اكتشاف أمراض عديدة في المدارس، تعرف بأمراض الفقر، مثل الجرب وسوء التغذية، وتتناول الصحف باستمرار ظواهر الانتحار, وهي ظواهر غريبة عن المجتمع الجزائري المسلم، ومعظم ضحاياها من الشباب العاطلين عن العمل، فليس غريبًا على هذه الفئة أن تكون وقود التظاهرات المعارضة للدولة.
استهداف رموز الدولة
ومما لوحظ في الأحداث استهداف رموز الدولة, ومؤسساتها بالحرق والتدمير، من مراكز للشرطة وبلديات ومصارف ومصالح ضرائب, حتى مراكز البريد، وكل ما له صلة قريبة أو بعيدة بالدولة ورموزها، وكان لافتًا للنظر مطالبة الشبان المتظاهرين بطرد الشرطة والدرك الوطني والجيش من المنطقة، ونقل عن متظاهرين قولهم إنهم يسعون إلى «تحرير» المنطقة من كل وجود للدولة وموظفيها.
وتعكس هذه الحدة في التعامل مع الدولة، ومع كل ما يرمز إليها روح معارضة جذرية ترى في الدولة سببًا لكل البلايا والمشكلات.
ويلاحظ في هذه الأحداث تراجع الشعارات المطالبة بتثبيت اللغة الأمازيغية، واعتبارها لغة وطنية أو المطالبة باستقلال مناطق البربر، وقالت تقارير صحفية إن المتظاهرين في منطقة القبائل عمدوا في أكثر من مكان إلى تحطيم مقار حزبي جبهة القوى الاشتراكية والتجمع, من أجل الثقافة والديمقراطية البربريين، وهو ما ينفي عن المظاهرات طابعها الجهوي أو العرقي، ويضعها في سياقها الطبيعي باعتبارها انتفاضة اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى.
ويلاحظ في المقابل ظهور شعارات أخرى بديلة, تذكر ببداية عقد التسعينيات، وهي الشعارات الشهيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ من مثل «عليها نحيا وعليها نموت», «الدولة الإسلامية»، أو شعار «الجيش والشعب معك يا حطاب»، «والمقصود هنا أمير الجماعة السلفية للدعوة والجهاد حسان حطاب التي تحارب السلطة».
وهذه الشعارات التي رددها المتظاهرون الغاضبون لا تعني أن سكان مناطق القبائل تحولوا إلى متحزبين للإنقاذ، أو أتباع لأمير الجماعة السلفية, وإنما تعني أنهم اختاروا رفع أكثر الشعارات إغاظة للدولة ومؤسساتها, ولاسيما المؤسسة العسكرية التي يقاتلها حطاب دون سواها، كما اختاروا رفع شعارات جبهة الإنقاذ التي قام النظام في العشرية الماضية كلها على محاربتها, والسعي لمحوها من الوجود.
وهكذا اختار متظاهرو البربر رفع شعارات إسلامية لا عرقية أو لغوية, وأعلنوا تأييدهم لأحد أشد أمراء الجماعات المسلحة معارضة للدولة, وهو ما لم يكن يرغب فيه معظم ناشطي البربر الذين يقيم كثير منهم تحالفًا موضوعيًّا مع السلطة, ولاسيما مع الجيش ضد جبهة الإنقاذ وضد الهوية العربية والإسلامية للبلاد، وجاء اختيار المتظاهرين لتلك الشعارات؛ لإعلان التقائهم أكثر الأطراف تضررًا من سياسة الدولة ومؤسساتها السياسية والعسكرية، بغض النظر عن اتفاقهم معه أو مخالفتهم له في الرؤية الفكرية والسياسية.
هل الأحداث عفوية؟
تتباين الآراء التي تبحث في تحديد أسباب اندلاع الأحداث، بين من يرى أنها أحداث عفوية، جاءت ردًا على مقتل شاب دون مبرر, وأن الحادث كان مناسبة لتفجر غضب مكبوت منذ سنين في مواجهة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والامنية والسياسية، وبين من يرى أن الأحداث غير بريئة ومخطط لها جيدًا, وتأتي في إطار صراع أقطاب السلطة, ولاسيما الصراع المعروف بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقائد المخابرات العسكرية الجنرال محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق.
بوتفليقة: هناك مؤامرة
ولوحظ في خطاب بوتفليقة الداعي إلى تهدئة الوضع أنه تبنى بوضوح نظرية المؤامرة حين أعلن أن أطرافًا في الداخل وأخرى في الخارج تقف وراء الأحداث, وحين ربط بين إقرار مشروع الإصلاحات الاقتصادية وبين الأحداث, وهو ما يحمل دلالة واضحة على وجود صراعات، الأمر الذي لاحظه الناطق باسم جبهة القوى الاشتراكية علي قربوعة الذي دعا الرئيس إلى كشف الملابسات وتوضيح التلميحات الواردة في خطابه.
الوقت لايزال مبكرًا لمعرفة الخلفيات الحقيقية للأحداث ودور مختلف الجهات في تغذيتها، ومدى استفادة مختلف أطراف الحكم، أو تضررهم منها، ولكن لا يمكن البت بتأكيد التخطيط «التآمري», كما لا يمكن البت باستبعاده أيضًا إذ عرفت الجزائر أحداثًا سابقة لعب مثل هذا التخطيط دورًا في اندلاعها، مثل انتفاضة ٥ أكتوبر ۱۹۸۸م, وأحداث صيف عام ١٩٩٨م.
وما يمكن تسجيله هنا أن الصراع بين عدد من أقطاب الحكم قد أخذ أوجهًا وأبعادًا متعددة، إذ تؤكد مصادر قريبة من بوتفليقة أنه لمح في أكثر من مرة إلى أن إضرابات العديد من النقابات, ولاسيما نقابة عمال استخراج النفط يقف وراءها الجنرال توفيق رئيس المخابرات العسكرية, فقد لمح بوتفليقة إلى مسؤولية من يشرب السيجار ويضع رجلًا على رجل في القصور؛ في إشارة فهم أنها موجهة بشكل مباشر ضد توفيق، أما ما تكتبه الصحف من انتقادات حادة للرئيس أو ما تقوله الأحزاب عنه، بما فيها تلك التي تشارك في الحكومة فمعظم الجزائريين يرجعونها إلى تدخلات الجنرال القوي محمد مدين وتوجيهاته.
ولا تقف المخابرات العسكرية عند هذا الحد في تحريك خيوط المشهد السياسي الجزائري، إذ اتهم حسين آيت أحمد- زعيم جبهة القوى الاشتراكية «بربري»- المخابرات باغتيال المطرب القبائلي معطوب الوناس في صيف عام ۱۹۹۸م، والادعاء أن الجماعات المسلحة تقف وراء اغتياله.
وقال متابعون إن اغتيال الوناس الذي أشعل غضب القبائل تم التخطيط له من قبل الأجهزة الاستخبارية الجزائرية، من أجل إعاقة الرئيس السابق الأمين زروال عن تنفيذ قانون التعريب، الذي كان مقررًا أن يبدأ العمل به في شهر يوليو ۱۹۹۸م.
تمرير قضايا أخرى
أما الأحداث الأخيرة فلا يستبعد الشيخ عبد الله جاب الله- رئيس حركة الإصلاح الوطني الجزائرية- أن تستغل لتمرير مشروع إصلاح التعليم الذي عجزت الحكومة عن تمريره بعد انفجار الجدل بشأنه, ووقوف قطاع واسع من النخبة من التيار العروبي والإسلامي ضد إقراره.
ويخشی جاب الله من أن تستغل الأحداث؛ لتمرير مطالب جماعات البربر الفرانكفونية، التي تسعى لفرنسة التعليم والانتقاص من دور اللغة العربية والتربية الإسلامية فيه لصالح اللغة والثقافة الفرنسيتين، وهو ما دفع البعض إلى القول إن الأحداث قد تكون مخططة؛ لخدمة أهداف الجماعات الفرانكفونية والبربرية النافذة في المؤسسات الحساسة في الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.
ويستبعد محللون آخرون أن تكون الأحداث مخططًا لها, وإن كانوا لا يستبعدون أن تعمد العديد من الجهات النافذة لتوظيفها لاحقًا لخدمة مصالحها وأهدافها، وهم يرون أنه حتى لو كانت هناك جهات عمدت إلى إعطاء إشارة الانطلاق للأحداث، أو دفعت إليها, فإن الأحداث شأنها شأن انتفاضة أكتوبر ۱۹۸۸م خرجت عن الطوق وتجاوزت الحدود، التي قد تكون رسمت لها، إذا تم التسليم بنظرية التخطيط لانطلاقتها.
فاستهداف رموز الدولة وانتشار الأحداث على مساحة كل بلاد القبائل وانتقال العدوى إلى الجامعات في العديد من المدن الأخرى- وعلى رأسها العاصمة- يعني أن مثل هذه التحركات صارت تمثل خطرًا على النظام بأسره بسياسييه وعسكرييه، وهو ما يعني أنها خرجت على السيطرة, وصارت تهدد مستقبل المخططين لها أيضًا.
تراجع السلاح فتحرك الشارع
ويرى متابعون أن كثيرًا من الجزائريين عولوا في مطلع التسعينيات على العمل المسلح من أجل تغيير النظام، ومن ثم تحسين الأوضاع، ولكن النظام نجح في التغلب على المعارضة المسلحة كما تمكن من تحريف ما سُمى «الجهاد» عن أهدافه, وجعل منه عملًا عبثيًّا لا طائل من ورائه, وجاء قانون الوئام المدني ليدفع بالعديد من أعضاء الجماعات إلى تسليم أنفسهم وأسلحتهم للسلطة، وهو ما أسقط نهائيًّا فكرة التعويل على السلاح كسبيل للتغيير.
ومع تقلص العمل المسلح واستشراء الفقر والبطالة والفساد، أخذ الشارع الجزائري يعول على نفسه، وبدأت النقابات تشن سلسلة من الإضرابات؛ لانتزاع حقوق العمال، وأخذ الكثير من الخبراء والمحللين، بمن فيهم خبراء ومحللون مقربون من السلطة يحذرون من أخطار انفجار الشارع؛ بسبب تزايد الفقر وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ويخشى بعض المحللين أن تكون انتفاضة البربر وبلاد القبائل مجرد «بروفة» أو مقدمة لانفجار أوسع على شاكلة انتفاضة عام ۱۹۸۸م، فاجتماع الفقر والبطالة وتراجع المقدرة الشرائية مع الانسداد السياسي, والصراعات الداخلية في صلب النظام يمكن أن تكون مجتمعة مكونات مثالية لـ «كوكتيل مولوتوف» اجتماعي وسياسي يمكن أن ينفجر في أية لحظة، وهم يقولون إنه كلما صمتت بندقية، علا صوت بالاحتجاج والمطالبة بالتغيير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل