العنوان ملوك الآخرة.. الجزاء الأوفى
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2010
مشاهدات 75
نشر في العدد 1925
نشر في الصفحة 59
السبت 30-أكتوبر-2010
وبعد رحلة طويلة قضاها عباد الرحمن على كوكب الأرض، مدركين للهدف من الخلق، وعاملين بمقتضى هذا الهدف، ومتخلقين بالأخلاق التي تتناسب مع هذا الهدف، والتي ذُكر جانب كبير منها في سورة الفرقان، من صفات عباد الرحمن كانت النهاية عند لقائهم بخالقهم العظيم الجزاء الأوفى بما عملوا عندما كانوا في الدنيا، وهو أعلى درجات الجنة.
أعلى منازل الجنة
يقول تعالى في نهاية ذكره لصفات عباد الرحمن: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا * خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا﴾ (الفرقان: 75-76).
يقول الإمام القرطبي: «والغرفة الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا» (1).
وليس هذا فحسب إنما يجدون وهم في هذه المنازل العالية من الترحيب والإكرام من ربهم والملائكة ما يزيدهم سعادة ومتعة، حيث يقول تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا﴾.
يقول الإمام القرطبي: «والتحية من الله والسلام من الملائكة، وقيل: التحية البقاء الدائم والملك العظيم، والأظهر أنهما بمعنى واحد، وأنهما من قبل الله تعالى» (2).
بماذا استحقوا هذه المنزلة؟
لا شك أن الله تعالى قد ذكر لنا جملة من صفات عباد الرحمن، وهي ولا شك صفات أساسية للمرشحين إلى هذه المنازل العالية، إلا أن الله تعالى ختم هذه الصفات بالصفة التي أهلتهم إلى هذه المنازل، ألا وهي ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا﴾..
فضل صفة الصبر
يقول الإمام ابن القيم: «فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو وجندًا لا يهزم، وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان؛ فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ، ومحله الظفر كمحل الرأس من الجسد» (3).
لقد تحملوا في سبيل مرضاة ربهم من أنواع البلاء ما تحملوا، صابرين في البأساء والضراء وحين البأس، مستلذين ما يصبهم من العناء ما دام في جنب الله، لا يتذمرون عندما يتذمر الناس، ولا يقنطون عندما يقنط الناس، ولا يتشاءمون عندما يتشاءم الناس، بل إن صفة الصبر هي الغالبة عليهم تدفعهم للابتسامة والرضا في أشد حالات البلاء، احتسابًا لما يرجونه من ربهم، واثقين بما وعدهم بعد رحلة الدنيا وما فيها من البلاء.
فهذا الجزاء العظيم يستحق مثل هذا الصبر العظيم؛ فالجنة وما فيها من التكريم تتصاغر أمامها لذات الدنيا ومصائبها؛ لذلك كان الصبر هو البلسم الشافي، والعلاج الناجع لما يصيبهم في الدنيا من المصائب.
حسابات خاطئة
كثيرون في هذه الحياة يبيعون الآخرة وما فيها من الجنات وأنواع اللذائذ الدائمة المتجددة بالدنيا وبلذائذها الزائلة، ذلك لأن ما يرونه في الدنيا لذائذ محسوسة ولذائذ الآخرة مغيبة؛ لذلك يبيعون الغائب بالحاضر والغيب بالمرئي والدائم بالزائل وهذه وايم الحق حسابات خاطئة، لا يمكن أن تصدر من عاقل؛ لذلك عاب الله عليهم هذه الحسابات في آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة البقرة: (أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ) (البقرة: 86).
ففي حسابات هؤلاء الدنيويين بأن عباد الرحمن حمقى ومغفلون؛ إذ يبيعون لذائذ الدنيا ومناصبها وشهواتها بوعد غيبي غير ملموس ولا محسوس، ويعيبون عليهم «عدم الواقعية، بينما في ميزان الله الدنيويون هم الأغبياء والحمقى؛ إذ يبيعون آخرة دائمة، وجنة عرضها السماوات والأرض بدنيا لا تتجاوز أعمار معظمهم فيها السبعين أو الثمانين، يقضون ثلثها في النوم، والثلث الآخر بقضاء الحاجات، ويبقى ثلث واحد إما يعتقون فيه أنفسهم من النار أو يوبقونها.
من يضحك في نهاية الأمر؟
وبقي في النهاية حسابات عباد الرحمن هي الصائبة وهي الصحيحة، وهم الذين سيضحكون في الآخرة على بائعي الآخرة بعدما كان الدنيويون هم الذين يضحكون ويستهزئون بهم ويسخرون منهم؛ فالعبرة بالخواتيم، والفائز هو الذين يضحك في النهاية.
يقول تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ * وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ * فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ * عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ (المطففين: 29 : 36).
يقول سيد قطب: «اليوم والكفار محجوبون عن ربهم، يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تهدر معه إنسانيتهم، فيصلون الجحيم مع الترذيل والتأنيب، حيث يقال لهم: «هذا الذي كنتم به تكذبون»، «والذين آمنوا على الأرائك ينظرون»، في ذلك النعيم، وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون».
الهوامش:
(1) القرطبي محمد، تفسير القرطبي 7/4799، ط. دار الثقافة.
(2) المرجع السابق، 7/4800.
(3) عدة الصابرين، ص 3، طبعة الباز، مكة.
(4) سيد قطب، في ظلال القرآن، 6/3861.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل