; الجذور التاريخية للحملات العسكرية الروسية ضد الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان الجذور التاريخية للحملات العسكرية الروسية ضد الشيشان

الكاتب أحمد موسى عادل الشيشاني

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1132

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 03-يناير-1995

·       الإمام منصور مفجر الشرارة الأولى لمقاومة الاحتلال في القرن الثامن عشر.

·       دور الحركة (النقشبندية)، والحركة (المريدية) في حرب القوقاز الأولى.

التاريخ يعيد نفسه في منطقة القوقاز الشمالي، حيث تفيد آخر الأنباء الواردة من الوكالات العالمية والمحلية في القوقاز الشمالي بأن المسرح أصبح الآن جاهزًا "لحرب القوقاز الثانية"، على اعتبار أن حرب القوقاز الأولى جرت في القرن التاسع عشر، واستمرت أكثر من أربعين سنة، وتمكنت روسيا القيصرية في نهاية الأمر من احتلال شمال القوقاز وضم شعوبها الإسلامية إلى الحكم القيصري الروسي، وتتألف هذه الشعوب من كل من:

1- الشيشان. 2- الداغستان.

3- الأنجوش. 4- القبارطاي.

5- الشراكسة. 6- الأبخاز.

شرارة المقاومة للاحتلال القيصري بدأت في القرن الثامن عشر بقيادة "الإمام منصور" أو "أوشورما الشيشاني"، والذي كان قد تلقى علومه الدينية في بخارى وعاد إلى مسقط رأسه في بلده (ألدي) يدعو الناس فيها للزهد في الدنيا وترك مباهجها؛ لأن الحياة الخالدة هي بين رحاب الله، وانتشرت دعوة "الإمام منصور" هذه كالهشيم في جميع أنحاء بلاد الشيشان الجبلية الوعرة وامتدت إلى بقية مناطق شمال القوقاز، علمًا بأن الإمام منصور- ونظرًا لخلفيته في العلوم الدينية ببخارى- كان من أتباع الطريقة النقشبندية.

حملة كاترينا الثانية

في عام 1785م عندما بدأت كاترينا الثانية أو العظيمة كما تسميها كتب التاريخ في إرسال القوات الروسية إلى شمال القوقاز لضمها للحكم الروسي، تصدى لها "الإمام منصور" حيث دعا للجهاد ضد الغزاة الروس واجتمع له حشد كبير من شعوب شمال القوقاز، واستطاع "الإمام منصور" سحق القوات الروسية التي أرسلتها بقيادة العقيد "بيري" لاحتلال قرية (ألدي) مسقط رأس الإمام، حيث قتل الإمام العقيد بيري بنفسه أثناء المعركة، كما خسر الروس سبعة ضباط آخرين إضافة لحوالي ألف جندي، بينما هربت بقية القوة الروسية إلى الأتراك الذين كانوا يحتلون أرمينيا المجاورة لبلاد الشيشان قائلين: سنكون أسرى لدى الأتراك وليس قتلى في بلاد الشيشان.

وبعد انتصار "الإمام منصور" في أولى معاركه، انضم له أعداد أخرى من الشراكسة وقبائل النوغاي المغولية في الداغستان، وتجمع للإمام منصور جيش لا يستهان به، وتمكن الإمام بهذا الجيش من مهاجمة القلاع والتحصينات الروسية على ضفاف نهر التيرك، وهزم عدة حملات روسية عسكرية أرسلت لقمع حركته النقشبندية.

حرب القرم الثانية

وعندما نشبت حرب القرم بين روسيا وتركيا عام 1787م ذهب الإمام منصور لنجدة الأتراك بعد أن حاصر الروس قلعة "أنابا" آخر معاقل الأتراك في القرم، وتمكن من فك الحصار حول القلعة من خلال هجمات خاطفة على الخطوط الخلفية للروس مما سمح للأتراك باستقبال نجدة عسكرية أرسلت من إسطنبول لدعم حامية أنابا بقيادة "بطال عسكر باشا"، وبعد فك الحصار دخل الإمام منصور بقواته القلعة، وعندما أرسلت كاترينا جيشًا ثانيًا لحصار القلعة واقتحامها، قاومت الحامية التركية وقوات الإمام منصور هذه الهجمات واستطاعت صدها أكثر من مرة، لكن خيانة القائد التركي "بطال عسكر باشا" والذي خرج مع أتباعه من القلعة سرًا وانضم للروس حاملاً معه صناديق الذهب التي أرسلتها إسطنبول معه لدعم الحامية اقتصاديًا، أدت إلى هبوط الروح المعنوية للأتراك المدافعين عن القلعة رغم محاولات "الإمام منصور" المتكررة لرفعها.

وأخيرًا قررت الحامية الاستسلام وفتحت أبواب القلعة الحصينة للروس الذين استطاعوا أسر "الإمام منصور" بعد أن جرح في المعركة القصيرة التي جرت بين قواته والجنود الروس الذين دخلوا القلعة بالآلاف.

وقد تم نقل "الإمام منصور" إلى بلاط كاترينا في سانت بطرسبرج العاصمة؛ لتراه الإمبراطورة والتي بعد أن ألقت نظرة قصيرة عليه مكبلاً بالأغلال أمرت بسجنه في جزيرة نائية حيث تم قتله خنقًا من قبل حراسه.

على أية حال فإن الحركة النقشبندية التي ظهرت في بلاد الشيشان كقوة سياسية ضد الاحتلال الروسي كانت بذرة لحركة دينية أخرى نشأت في بلاد الداغستان تسمى بالحركة المريدية (MURIDISM) بقيادة "الإمام غازي محمد الداغستاني"، والذي أشعل فتيل حرب القوقاز الأولى في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وكان من تلامذته "الإمام شامل" الذي تسلم زعامة الحركة المريدية بعد مقتل "غازي محمد" في الداغستان أثناء إحدى المعارك ومقتل الإمام "حمزات" الذي خلفه بسبب ثأر شخصي.

الإمام شامل

وقد استطاع "الإمام شامل" مقاومة الروس في الداغستان لغاية عام 1839م، ولكنهم استطاعوا هزيمته في معركة "أخولكو" بالداغستان عام 1839م، ولكن "شامل" استطاع الهروب إلى بلاد الشيشان، والذين نصبوه إمامًا لهم، واستطاع شامل بقوات الشيشان استعادة الداغستان، وبقي زعيمًا لمنطقة شمال القوقاز حتى عام 1859م حيث تمت هزيمته في معركة "غونيب" على يد الأمير "بارياتينسكي" -ولي عهد القيصر-.

وتقول الكاتبة المؤرخة الأمريكية "ليزلي بلانش" في كتابها الذي يغطي حرب القوقاز الأولى في وصف دور الشيشان في مساندة الإمام شامل:

شهادة للشيشان من مؤرخي الغرب

لعب الشيشان دورًا هامًا للغاية في حرب المريدين، وكانوا شعبًا يتصف بالجمال والشجاعة والنزعة إلى الاستقلال، وشكل الشيشان نخبة جيش شامل، كما أنه لولا تزويد الشيشان لشامل بالطعام والخيول والعلف اللازم لها، لما استطاع "شامل" أن ينهض من هزيمته في أخولكو عام 1839م (من كتاب سيوف الجنة ص94).

في نفس الوقت، فإن المؤرخ الأوروبي روبرت كونكوست في كتابه الذي يحمل اسم "قتلة الأمم" (NATION KILLERS) ذكر الشيشان بقوله:

"أثناء إخضاع الروس لشيشانيا، تدنى سكان شيشانيا الصغرى السهلية سنة 1847م وسنة 1850م إلى نصف عددهم، وبحلول عام 1860م أصبح عددهم ربع ما كانوا عليه".

أما المؤرخ الأوروبي جون "بادلي" في كتابه، الغزو الروسي للقوقاز، فقد ذكر بأن أقسى الهزائم التي تلقاها الروس في حرب القوقاز الأولى كانت في معركة "دارغو" ببلاد الشيشان والتي جرت عام 1844م حيث خسر الروس خمسة عشر ألف جندي وضابط وجنرال بين قتيل وجريح ولا يخلو أي كتاب تاريخي عن حرب القوقاز الأولى من ذكر الشيشان لأن حرب القوقاز الأولى كانت بشكل رئيسي حرب الشيشان والداغستان ضد روسيا القيصرية وباستثناء قبائل القرشاي والبلغار والأباظة الشركسية فإن بقية شعوب القوقاز الشمالي لم تشارك في هذه الحرب حيث خضعت مبكرًا للروس عام 1822م.

نفي الشعب الشيشاني بأكمله

وفي عهد الحكم الشيوعي بزعامة "ستالين" ديكتاتور روسيا الدموي، فقد تم نفي الشعب الشيشاني بأكمله إلى سيبيريا وكازاخستان عام 1944م، حيث هلك ربع مليون شيشاني من البرد والجوع والتعذيب في معسكرات النفي التي أقامها ستالين في مناطق النفي.

الكاتب والمصلح الاجتماعي الروسي "سولجنستين"، والذي سجنه "ستالين" في سيبيريا بسبب كتاباته المناهضة للشيوعية كان شاهدًا على حال السجناء الشيشان في سيبيريا، حيث كتب عنهم قائلاً: "لك أن تكسر ظهورهم لكن أحدًا لا يستطيع أن ينال من روحهم المعنوية"، فقد ظلت نفوسهم نمرًا مقيدًا بالسلاسل لأنهم كانوا من التشتشن "الشيشان بالروسية" الذين لا يرهبون الموت (من كتاب "قتلة الأمم" للمؤرخ الأوروبي "روبرت كونكوست"، صدر عام 1970م).

محنة الشيشان مع الغزو بدأت على أيدي القياصرة وكاترينا الثانية.

شهادة كتب التاريخ الروسية

أما كتب التاريخ الروسي التي غطت حروب القوقاز الأولى فقد تم ذكر الشيشان فيها بما يلي:

أصل الشيشان

الشيشان هم من الشعوب القديمة التي سكنت القوقاز منذ آلاف السنين، ويشكلون أحد الشعوب الأصلية لمنطقة القوقاز، والتي تشمل أيضًا شعوب الشراكسة والآفار (في الداغستان) والأنجوش وشعب أوسيتيا الشمالية والجنوبية، إضافة لشعب الكارتفيل وهو العرق الأصلي للشعب الجورجي.

وتقول الأساطير القومية بأن الشيشان ينحدرون من سلالة بطل أسطوري اسمه "توربالو نختشو"، وكانت هناك أنشودة خاصة لدى الشيشان عنه بقيت ليومنا هذا في كتاب طبع في جروزني عام 1930م وتقول الأنشودة:

كالشرر المتطاير من الفولاذ

انحدرنا من سلالة توربالو نختشو

ولقد ولدنا في الليل

عندما ولدت الذئبة صغارها

ولن نفقد مجد أبينا توربالو نختشو

انتشار الإسلام في بلاد الشيشان

تعتبر الشيشان بجبالها الوعرة وغاباتها الكثيفة من المناطق التي لم تخضع عبر التاريخ لأي فاتح أو غازٍ بما في ذلك الفتوحات الإسلامية وحتى بداية القرن السابع عشر، فقد بقي الشيشان بدون ديانة ولكن اعتناقهم للإسلام بدأ على يد الدعاة والمبشرين المسلمين من جمهورية الداغستان المجاورة ومن شبه جزيرة القرم وبخارى، ومنذ اعتناقهم للإسلام، فقد أصبح الشيشان من أكثر شعوب شمال القوقاز تمسكًا بدينهم، وتاريخ صراعهم مع القياصرة يؤكد مدى تمسك الشيشان بالدين الإسلامي، فلا القياصرة المسيحيون استطاعوا تنصيرهم ولا الشيوعيون نجحوا في إبعادهم عن دينهم رغم تحريم الشيوعيين للمساجد والعبادة فيها مما اضطر الشيشاني أن يكون بيته هو المسجد.

وخلال حرب القوقاز الأولى فإن المقاتلين الشيشان والداغستان الذين كانوا يحاربون صفًا واحدًا مع الإمام شامل، كانوا يتوجهون للمعارك مع الروس وهم يرتلون القرآن وينشدون الأناشيد الدينية، والتي تمثل الأنشودة التالية إحدى هذه الأناشيد:

شكرًا للجبال الشامخة

تحت الثلوج الباردة

شكرًا لكل الأبطال

إن هم في حفظ الله

ناضلوا لكم النصر

إن الله يعينكم

الحق لكم ومحمد بينكم

شرف الحرية معكم

يا- ا -ا-ا-ا (نداء)

نبينا الكريم محمد

أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

هلموا النجدة

هلموا إلى الرحمن

لا إله إلا الله

وقد أكدت الكاتبة الأمريكية "ليزلي بلانش" حقيقة هذا الوصف لمقاتلي شامل في حرب القوقاز الأولى حين كتبت تقول:

"حرب المدنيين، حقبة الشرعية الإسلامية التي قام شامل بإحيائها وفرضها في شمال القوقاز واستخدمها كمصدر شحن نفسي ضد الغزو الروسي، إنها حرب قاتل فيها جنود شامل من أجل الله ومن أجل الحرية وساروا لقتال الروس وهم يرتلون القرآن وأناشيدهم الدينية، وكانت سيوفهم بالنسبة لهم مفتاح الجنة".

"ونظرًا لكونهم من أكبر شعوب شمال القوقاز، ولتماسكهم الداخلي، وبمساعدة طبوغرافية بلادهم المختلفة، فقد تمكن الشيشان من مقاومتنا أكثر من جميع الشعوب، وبشكل أعنف وأقوى ولمدة أطول، وإن جميع الشعوب هنا تقبلوا جنسيتنا ويسددون الضرائب المفروضة عليهم واستقروا خاضعين، ولكن الشيشان ينوون وقف المقاومة"

"اللفتنانت جنرال الكونت ميخائيل لوريس ميليكوف" -قائد القوات القيصرية في بلاد الشيشان (إقليم التيرك)- في رسالة موجهة إلى "اللفتنانت جنرال كارتسوف" -رئيس الأركان العامة لقيادة جيوش القوقاز القيصرية- ومقرها تفليس عاصمة جورجيا تاريخ الرسالة 1863م (من كتاب، "في سبيل الحرية"، للكاتب والمؤرخ الشيشاني "أبو ذر أيدميروف" صدر في جروزني في عام 1972م).

1- "الثوار الإسبان ملائكة بالنسبة لهم".

2- إنهم شعب وإن كانوا من اللصوص والأوغاد، إلا أنهم سيوف مستميتة.

3- لقد رأيت بعضهم أثناء القتال ممزقين إربًا وأجسادهم مثقوبة كالمنخل من جراح حراب جنودنا، ومع ذلك كانوا يستمرون في استخدام سيوفهم وكأنهم لا يشكون شيئًا.

4- لقد كانوا قاطعي رقاب هناك أثناء الحرب، والآن الحمد لله يسود السلام، ولكني شهدت تلك الأيام التي إذا مشيت فيها مائة خطوة خارج الأسوار، ستجد شيطانًا رث الثياب يترصدك وكان عليك أن تفتح عينيك جيدًا وإلا التف حبل حول عنقك أو تستقر رصاصة في مؤخرة رأسك، لقد كان الشيشان قومًا رائعين.

(من كتاب: "بطل من هذا الزمان" (A HERO OF OUR TIME) للكاتب الروسي ليرمانتوف).

"جبال تلو جبال تلفها الغيوم"

مشبعة بما امتصت من دماء

أملاكهم سلبناها والحرية

كالوحوش تطاردهم في البرية

(ت-غ شيفتشنكو من كتاب "القوقاز" THE CAUCASUS)

"ترى هل اقترب الوقت الذي سيتمكن فيه نور العلم من تبرئة القوقاز من الدماء وينعم سكانها بالحرية باسم الإنسانية، إننا ننتظر ذلك الوقت.

إن المتعلقين بتلك الجبال هم أيضًا من بني البشر ولهم قلوب تنبض للأفراح والأحزان كما في كل مكان، وهنا أيضًا يوجد الولع بالحياة والحرية ككل بني البشر المنتشرين في العالم (من كتاب "وداعًا لبحر قزوين" FAREWELL TO THE CASPIAN للكاتب الروسي أ.م بستوجيف مارلينسكي).

إن ما يجري في بلاد الشيشان هو الصراع مع أصداء طبول الحرية في الجبال والغابات. (أ. س غريبويدوف، من كتاب "في سبيل الحرية" للكاتب والمؤرخ أبو ذر أيدميروف صدر في جروزني عام 1968م).

"لقد كنت واحدًا من المعارضين للأساليب التي نتبعها هنا في القوقاز حتى الآن، وهذا ما استوجب عليَّ ترك هذه البلاد. إن الأعمال التي نقوم بها في القوقاز تذكرنا بجميع الأعمال الوحشية التي قام بها الإسبان في بداية استعمارهم لأمريكا، علمًا بأنني لا أرى هنا أننا نحقق الإنجازات والبطولات التي حققها بيزارو وكورتيز هناك، إنني أدعو الله ألا تترك أعمالنا في القوقاز آثار الدماء على تاريخ روسيا كالتي دمغها المستعمرون على تاريخ إسبانيا" (الجنرال ن. ن. راييفسكي، أحد جنرالات القيصر في حرب القوقاز الأولى).

خاتمة

وهكذا كما تدل الأحداث الحالية في جمهورية الشيشان فإن التاريخ يعيد نفسه وأحفاد الإمام منصور هم مرة ثانية أول من أعلن الاستقلال عام 1991م وفشل عملاء موسكو من الخونة الشيشان، رغم دعم موسكو لهم بالطائرات العمودية وطائرات السوخوي المقاتلة وبالدبابات والجنود الروس في إسقاط نظام الرئيس جوهر دوداييف، والذي أعلن منذ اللحظة الأولى للاستقلال أن الشريعة الإسلامية ستحل محل القوانين الروسية في جمهورية الشيشان.

والسؤال الآن هو: لمن تكون الغلبة في حرب القوقاز الثانية القائمة للشريعة الإسلامية... أم القوانين الروسية؟ الجواب ستكشفه الأيام القادمة.

الرابط المختصر :