; الثورة تنتصر .. هـــــذي كنــانتــكــم | مجلة المجتمع

العنوان الثورة تنتصر .. هـــــذي كنــانتــكــم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011

مشاهدات 56

نشر في العدد 1940

نشر في الصفحة 46

السبت 19-فبراير-2011

الآن.. يجب على كل من أساء لمصر ولشبابها وأهلها أن يعتذر.. يجب على كل من وصف هذا الشعب العظيم بالخنوع وقبول الذل والجبن أن يعتذر لهذا الشعب الحضاري.. لقد صاغ الشعب المصري العظيم واحدة من أروع الثورات، وألهموا العالم أجمع وحي الحرية، وقدموا للبشرية ً أنموذجا ً راقيا في التغيير، حتى شهد لهم العالم كله، حبيبهم وعدوهم، القاصي منهم والداني، القاسي عليهم والحاني، فاستحقوا بذلك أن نسمي صنيعهم ب«هرم مصر الرابع».

إنها لحظة تاريخية عظيمة، نحمد الله سبحانه وتعالى أن أحيانا حتى نستنشق عبيرها، فقد أثبت أبناء النيل للعالم أجمع أنهم من أكثر شعوب الدنيا حضارة، حيث قاموا بثورة شعبية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، دون أن يريقوا دما، أو يرموا بحجر على من ظلموهم، وعلموا البشرية كيف يحافظ الغاضب على مؤسسات وطنه وأهل بلده.

أغاثوا الملهوف، وأمنوا الخائف، وأطعموا الجائع، وحموا عرين الوطن، ودافعوا عن المواطنين عندما هاجم البلطجية والمجرمون الأبرياء، بدافع وترغيب ممن خانوا وطنهم. وباعوه بثمن بخس، وأطلقوا على أهلهم الخيل والبغال والحمير يركبها الجهلة والمجرمون يروعوا الآمنين .

صبر الأبطال وصمدوا في وجه الطغيان، لينهي شعب مصر سنين البغي والإذلال والتعذيب، نادتهم حبيبتهم مصر أرض الكنانة وأم الدنيا قلبوا النداء.

ولله در الشاعر حامد العلي، وهو يجسد هذه الثورة المباركة، فأنشد قائلا:

شعب يثور فَتَصْلَى نارَهُ الظُّلَمُ

                                     والظلم والضيم والعدوان والألم

شعب يثور فلا يبقى بثورته 

                                    بغي وذل وتعذيب ومُنْهَضم

لله در رجال النيل إنهم 

                                    كأنما العز يبقى شارة لهم

ما أروع الشعب بالإيمان نهضته 

                                   والعزم متحد والهم مقتحم

ما أجمل الوطن المظلوم منتفضا 

                                    وأنفه بوسام العز متسم

إني أرى مصر تذكي نار ثورتها 

                                   فَأَقْسِمُ النار بالطغيان تضطرم

كأنما البدء بالتغيير صنعتها

                                    فَمِصْرُ تَبْنِيهِ أَوْ يَهْوَي وَيَنْهَدُمُ 

قامت كنانتنا للخلق قائدة

                                    فمصر تعلو فتعلو بعدها الأمم

وأطلقت ثورة للعدل غايتها

                                   وليس يرعبها أن النضال دم

فالعدل لا يجتبى إلا وتربته

                                   من الدماء وعزم الأسد تزدحم

هذي كنانتكم يا غُرْب فاتخذوا 

                                    منها مناراً إلى الثورات عزكم

ثم اعرفوا بعد نيل المجد نعمتها 

                                 منها علاكم ومنها الفخر والشَّمَم

إن ثورة الشعب المصري ليست حدثا مصريا فحسب، إنما هي حدث إقليمي وعالمي كذلك، ونجاحها لم يكن نجاحا لمصر، بل هو نجاح تتطلبه الأمة العربية والإسلامية، ذلك أن نجاح مصر يمكنها من استعادة مجدها ومكانتها العالمية والعربية مما ينعكس إيجاباً على أمتنا الحبيبة، التي غاب دورها الريادي طويلا.

المحروسة تفرح وتتنفس الحرية

أخيرا تنفست المحروسة، أم الدنيا الجميلة، وتحولت جمعة الزحف للجهاد.. نعم أفضل جهاد كما أخبر رسولنا ﷺ: أفضل كلمة جهاد كلمة حق عند سلطان جائر.. أجل، تحولت جمعة الزحف إلى جمعة النصر، تحرر المصريون من كل قيد اقتحموا كل الصعاب، ظهروا كأسرة واحدة، مسلموهم ومسيحيوهم، يساند بعضهم بعضا، يؤاكل بعضهم بعضا، يسلي بعضهم بعضا، يؤمنون الأماكن، يفتشون المتوافدين المقبلين على میدان الحرية والحضارة، بأسلوب حضاري وابتسامة رقيقة، واعتذار مهذب يسبق التفتيش لدرجة دفعت رئيس أكبر دولة في العالم باراك أوباما، أن يلقي كلمة يظن سامعها لو لم يعرف أنه رئيس أمريكا أن المتحدث واحد من أبرز قادة ثورة مصر! لقد حيا ، باراك أوباما، نضال الشعب المصري ووصفه بأنه جاء إلهاما للإنسانية، كشف فيها أن الشعب المصري تواق للحرية والكرامة ووصف ثورة المصريين بأنها أسمعته أصداء التاريخ.

يا مصر قومي

إن المشاهد لميدان الشرف والكرامة ليتأكد أن أهلها مصرون على أن تنهض مصر بعد أن تراجع دورها على أيدي المفسدين الخانعين الذين قاموا أحلامنا، وأهدروا كرامتنا لقد أبدع الشعب المصري العظيم في ميدان الحرية.. كنت أستمع وأشاهد الفن الراقي المتنوع، الذي يجيش العاطفة، لقد أرجعتني أغنية بسم الله.. الله أكبر بسم الله، إلى مصر العظيمة.. حركت ذكريات مضت منذ أكثر من سبعة وثلاثين عاماً، فكنت أستمع . صباح عبور الجيش المصري قناة السويس - إلى التكبيرات، وأشعر بأنني أعيش لحظة عبور جنود مصر قناة السويس بعد أن حطموا خط بارليف، وكنت آنذاك لم يتجاوز عمري ستة عشر عاما، وكم تمنيت ساعتها أن أكون واحداً من جيش مصر العظيم.

نعم تحررت مصر، وبدأت تنهض بعد أن تحكم فيها حفنة من المنتفعين، كانت بيدهم مفاتيح إطعام أهلنا في غزة، وفك حصارهم فغلقوا الأبواب، وأحكموا إغلاقها، ورأينا هيبة مصر تعود وتنكمش جرذان الصهاينة ويستغيثون بأعوانهم من الغرب يطالبونهم ببقاء النظام الذي ضمن لهم مصالحهم أكثر من ثلاثة عقود، فلما أيأسهم الله من ذلك. استغاثوا بالعالم أن يتوسل إلى المصريين أن يحافظوا على معاهدات السلام.

ميدان الإبداع

حول الثوار ميدان ٢٥ يناير (ميدان التحرير إلى نواد من الشعر والأناشيد. ومجالس علم، وتلاوة القرآن، ودعاء وذكر.. كان لهذا الميدان زحم أدبي وفكاهي سنظل ننهل منه على مر التاريخ.. حقا إنها أعظم ثورة شعبية في تاريخ مصر، وأتوقع أن ينتج هذا الحدث بنوكا متنوعة من الإبداع بألوانه المختلفة، فأبدع أحدهم وأنتج بالعامية بعد أن كبر بقوله:

الله أكبر.. الله أكبر

وطني الحبيب اتحرر

يا مصري قوم وكبر

وارفع صوت الأذان

أعظم ثورة شعبية

من غير سلاح سلمية

عيش وكرامة وحرية

أبسط حق الإنسان

يا بلادي يا أحلى مينا

إحنا ولادك سفينة

تايهة وحايرة وحزينة

لكن أن الأوان

بعد الغربة الصعيبة

والستوهة في بحور غريبة

نرجع لبلاد حبيبة

نرجع لشط الأمان

افرح اليوم وطالع

سهمك يا مصري طالع

لا عاد الحلم ضايع

ولا عاد بينا جبان

يا مصري قوم وعمر

ازرع واصنع وصدر

خيرك يا بلادي أكثر

ماللي اتسرق زمان

حانعوض الخسارة

في صناعة أو تجارة

ونزيل طعم المرارة

والذل والحرمان

حانعمرها بإيدينا

من نيل أسوان وسينا

يا تاريخ اشهد علينا

واشهد يا أعظم میدان

كما غرد الشيخ إمام حفظه الله بصوته المؤثر الصادق الذي يلهب حماس الجماهير، وهو يقول:

يا مصر قومي وشدي الحيل 

                               كل اللي تتمنيه عندي

وارتفع الإنشاد:

يا بيوت السويس يا بيوتنا أنت

استشهد تحتك وتعيش أنت .

 آمالنا في شبابنا

لقد صنع الشباب ما لم يصنعه الكبار، بعد أن أنت علينا عقود من الدهر ونحن نفقد الأمل، وما أكثر من سماهم تهكما شباب النت، أو شباب الفيسبوك .. أو غير ذلك من مسميات تستصغر الشباب وطاقاتهم.. هذا الشباب الذي ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الحرية والكرامة والعزة والاباء، ذلك الشباب الذي بذل دمه، وضحى وارتقى بذاته على نزواته.. إنهم يستحقون منا كل تقدير وتكريم.

قد يتصور بعضهم أن هؤلاء الشباب ينتظرون أوسمة أو نياشين توضع على صدورهم، أو قلادات شكلية، لكن المتعمق في نفوس هؤلاء الشباب العالم بعزائمهم وتطلعاتهم يدرك بسهولة أن هذا الشباب يأمل في أن يعطيه الكبار ما يلي:

أولا: الحرية التي توفر مناخاً للإبداع.

ثانيا: الاهتمام بالتعليم والمناهج الدراسية بسائر المراحل التعليمية، فلدى مصر إمكانات بشرية هائلة، إذا أتيحت لهم الفرصة لتيوؤوا لوطنهم وأمتهم ما يحلم به المخلصون.

ثالثا: توفير حياة كريمة ومستوى معقول من المعيشة، يعينهم على الرقي بأنفسهم ومجتمعهم.

رابعا: توفير العدالة التي تعطي الكفاءات حقوقهم، وتشد على يد الظالمين المفسدين الذين دأبوا على نهب ثروات البلاد ومقدراتها وقذفوا واتهموا الشرفاء ذوي الأيدي النظيفة المتوضئة هؤلاء المفسدون الذين يظلون يكذبون ويروجون الكذب ليخدعوا السذج المساكين، وهم لا يدركون أن أسلوبهم هذا عفا عليه الزمن، وصار عفنا لا تطيقه حواس الناس ولا وجداناتهم.

خامسا: إطلاق يد المصلحين والمربين ومؤسسات المجتمع التربوية ليربوا جيلًا

جديداً يحب وطنه حباً صادقاً لا زائفاً، يسكن قلوبهم لا مجرد كلمات فضفاضة لا سدى لها في الواقع، على أن يهتم المربون والمؤسسات التربوية بتربية أبناء الأمة على القيم العظيمة دون إفراط ولا تفريط، ووقاية الشباب من الأفكار الهدامة، سواء المرتبطة بتمييع الشباب، أم تلك التي تؤدي به إلى الإرهاب والتطرف، نريد جيلا تتحقق فيه الهوية، ويقدر على التنمية. 

لقد أشرقت على مصر شمس الحرية وتنفس أبناء أرض الكنانة هواء غير الذي كانوا يتنفسونه قبل الخامس والعشرين من يناير، وهندسوا ثورة ستدرس في التاريخ وستكتب سطورها بحروف من ذهب على صفحات من فضة بمشيئة الله تعالى.. فكما أشرقت شمس الحرية على المحروسة أم الدنيا فإننا نحلم بفجر جديد في جميع ميادين الحياة، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قريبا﴾ (الإسراء:2).

سادسا: تحقيق الأمن والأمان للوطن والمواطنين، وتلك ثمرة طبيعية للإيمان، فقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا تخافون أنكمْ أَشْرَكْتُم بِالله مَا لَمْ يُنزل به عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعْلَمُونَ الذينَ آمَنُوا وَلَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانَهُم يظلم أولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:83).

الرابط المختصر :