; الثقافة تهيمن على السياسة .. تداعيات دعاوى «تنصير» الدستور الأوروبي | مجلة المجتمع

العنوان الثقافة تهيمن على السياسة .. تداعيات دعاوى «تنصير» الدستور الأوروبي

الكاتب شيرين حامد فهمي

تاريخ النشر السبت 10-مارس-2007

مشاهدات 80

نشر في العدد 1742

نشر في الصفحة 19

السبت 10-مارس-2007

  • جورج فيجل رئيس مركز السياسة والأخلاق العامة: دور فعال للدين على الساحة الدولية علينا استثماره في حل الأزمات السياسية بالوسائل السلمية.

  • حروب ما بعد الحداثة اتسمت بالنزعة الدينية في البوسنة وكشمير وكوسوفا وأفغانستان وظهور مصطلحات جديدة كالحرب الصليبية.

  • القضايا الاقتصادية والسياسية باتت تقليدية أمام البزوغ الجديد للقضايا الثقافية بعد استعادة البعد الثقافي .

  • صعود دور الدين في حركة المجتمعات والتفاعلات السياسية يستوجب بناء المسلمين لنسق حياتهم أسس الإسلام لضمان مواجهة التحديات الثقافية الغربية.

طالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تترأس بلادها الفترة الحالية للاتحاد الأوروبي في يوم 21/ 1/ 2007م بأن يستند الدستور الأوروبي الحالي إلى الجذور المسيحية لأوروبا، مبدية أسفها لعدم وجود أي إشارة إلى الرب، أو المسيحية في مسودة الدستور الحالي للاتحاد الأوروبي، ذات الأساس العلماني.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطالب فيها ميركل بذلك بل كررت مطلبها في العام الماضي وساندها عدد من الساسة الأوروبيين الذين أشاروا بوضوح إلى الجذور المسيحية لأوروبا في الدستور إلا أن الأمر لم يتحمله الكثير من المسؤولين والقادة الأوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك بما يطرح على العالم الإسلامي ضرورة التفكير في أين يقف من الإسلام؟

تناقض مع العلمانية

لم تقتصر الدعوة إلى تمسيح الدستور الأوروبي على المستشارة الألمانية وبعض الساسة الأوروبيين بل امتدت الدعوة إلى الفاتيكان ومنظمات كنسية كبيرة، حيث عبروا جميعًا عن أسفهم لخلو مشروع الدستور الأوروبي من أي إشارة إلى القيم المسيحية في أوروبا، وهو الأمر الذي يبعث على التساؤل حول ما سر هذا الاهتمام الغريب به تمسيح الدستور الأوروبي الذي لا يتماشى مع أوروبا العلمانية، بل مع المنظومة الغربية برمتها التي حسمت أمرها تجاه الدين منذ قرون فأخرجته من صلب الحياة ووضعته علىهامشها؟

 لعل سر هذا الاهتمام الغريب يكمن في صعود القضايا الثقافية إلى قمة سلم الأولويات، واعتبارها القضايا الأهم بالنسبة للمسؤولين السياسيين، سواء في الغرب أو الشرق وقد استندت الكاتبة في حجتها إلى أهم الأدبيات الغربية والعربية التي تناولتهذا الشأن.

تحولات المنظومة الدولية

من اللافت للانتباه تحول القضايا الاقتصادية والسياسية إلى قضايا تقليدية أمام البزوغ الجديد للقضايا الثقافية التي بدأت تظهر في أعقاب الحرب الباردة حيث استعاد البعد الثقافي وضعه من جديد على قائمة أولويات المنظورات الغربية حيث كان جل اهتمامها منصبًا فيما مضى على البعد الأمني العسكري في الخمسينيات والستينيات، ثم على البعد الاقتصادي في السبعينيات والثمانينيات، إلا أنه في التسعينيات من القرن العشرين حدثت عملية مراجعة شاملة لعلم العلاقات الدولية، تجدد معها الاهتمام بالبعد الثقافي.

 هذه النقلة تعتبر من أهم سمات وانعكاسات مرحلة ما بعد الحداثة وهي ما نسميها الـ paradigm shift في ظل مايسمى تحول المنظور.

 وثمة إشارات تدل على بروز أهمية هذا التحول على الساحة العالمية، سواء على الصعيد العلمي والأكاديمي أو السياسي ومن هذه الإشارات.

 الحروب التي جرت في البوسنة وكوسوفا والشيشان وأفغانستان خلال العقد الأخير من القرن العشرين والتي شاركت فيها الإدارات الأمريكية بشكل أو بآخر، وبرز فيها الطبيعة والمتغيرات الثقافية والدينية.

 بروز قضية «المرأة والطفولة» ووضعها في إطار ديني وأخلاقي، ووقوف الكنيسة الكاثوليكية مع جمعيات المجتمع المدني الإسلامية في الكثير من المؤتمرات الدولية بهذا الصدد.

صعود اليمين الديني المسيحي الإنجيلي والصهيوني في الولايات المتحدة وبروز قوته المالية والسياسية والتعبوية المتحالفة مع الصعود اليميني في الكيان الصهيوني.

 الجدل الكبير: الذي ثار حول «حوار الحضارات» منذ الدراسة التي قدمها صاموئييل هنتجتون في بداية التسعينيات من القرن العشرين والردود المختلفة من العديد من الجهات والتي استمرت بشكل أو بآخر حتى الآن لدرجة أن البعض يرى في سياسات الإدارة الأمريكية بعض التطبيقات لهذا الأمر.

 الجدال حول:

 تدخل بعض الهيئات الأمريكية في السياسات والبرامج التعليمية خاصة في المواد المتعلقة بمصادر الثقافة وركائزها مثل الدين والتاريخ واللغة العربية ولا يمكن فصل ذلك عن الإطار الكلي لاستراتيجياتها في المنطقة ناهيك أيضًا عن كل ما يتصل بالبعد الثقافي للشراكة الأوروبية المتوسطية في تفاعله مع البعدين السياسي والاقتصادي.

 زيادة تفاعل العالم:

 من خلال ثورة الاتصالات وآثار العولمة والتي تحركت في اتجاهين يبدوان متناقضين الأول تعزيز التوجه العولمي والتنميط من ناحية، ومنناحية أخرى بروز الوعي بالمحلية وبالإقليميةوزيادة الوعي بالهوية.

 تداعيات العولمة:

 بعد نهاية الحرب الباردة، واقترانها بإحياء البعد القيمي لدى الكثير من الشعوب.

 التحديث الاقتصادي الشديد:

وثورة المعرفة، واتساع الفجوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب بين من يعرف ومن لا يعرف وتزايد الجدال حول العلاقة بين القوة المعنوية والمادية لدى كل من الطرفين.

ظهور مصطلح «القوة الرخوة»:

 أو المرنة soft power بعيد الحرب الباردة وتوظيفه على نطاق واسع في الكثير من الدراسات والأبحاث.

الأدبيات الغربية: عودة إلى الدين

وقد اتجه الكثير من الأدبيات الغربية نحو ذلك المنحنى الثقافي، مؤكدة تحول الثقافة إلى عنصر مهيمن في الفكر والممارسة، ومن أبرز هذه الدراسات تلك التي قدمها جورج فيجل، وباري روبين و جوناثان فوكس وتستطيع أن ترصد بإيجاز رؤية جورج فيجل، رئيس مركز السياسة والأخلاق العامة الذي يؤكد في بحثه Religion and Peace: An Argument على أن العالم يتجه إلى Complexified unsecularization of the  اللا علمانية world، حيث ساد الدين في أواخر القرن العشرين كظاهرة اجتماعية في جميع أنحاء العالم.

 ففي الولايات المتحدة نفسها، ظهر المجتمع الأمريكي المتدين بالرغم من توقعات المفكرين العلمانيين بعكس ذلك، وفي الاتحاد السوفيتي السابق لم يكن للشيوعية أن تسقط إلا من خلال جهود الكنائس الكاثوليكية في بولندا، ورومانيا  وبلغاريا وفي العالم العربي اندلعت ظاهرة ما يسمى «الإسلام المسلح».

 ومن ثم –والكلام- له «فيجل» نستطيع أن تدحض المقولة التالية: كلما ازداد التمدن والتحديث ازدادت العلمانية فالدين له الآن دور فعال على الساحة الدولية ولذلك فعلينا استثماره في حل الأزمات السياسية بالوسائل السلمية.

أما باري روبين فتتمثل وجهة نظره ter- Religion and In من خلال بعثه في أنه كلما زادت national Affairsالمدنية والثقافة والتعليم، صار الناس أكثر حرصًا وبحثًا على هوية أو أيديولوجية تمثلهم، وكلما زادت الأزمات المصاحبة للمدنية زاد الطلب على الدين كحل لتلك الأزمات إن التجربة أظهرت بوضوح أن الدين لا تتضاءل أهميته في حياة البشر وفي حياة الدول: وإنما العكس هو الصحيح والأمثلة كما يدلل روبين كثيرة، منها:

1- بزوغ ما يسمى الأصولية الإسلامية الراديكالية.

2- السياسية للمسيحية وخاصة الكنيسة الكاثوليكية، وتحولها من القوة المناهضة للتغيير إلى قوى مؤيدة التحقيق الديمقراطية والعدل الاجتماعي من خلال الطرق الثورية والإصلاحية، ولا تنسى أن الكنيسة الكاثوليكية استطاعت الحفاظ على بقائها طيلة الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

 وأما «جوناثان فوكس» فقد انتقدReligion as an Overlooked في بحثه Element of International Relations الدراسات النظرية التي أهملت عنصر الدين في بنائها، ورأى في ذلك خطرًا على مصالح الدول الغربية وهو يرى أن الدين يؤثر على العلاقات الدولية عبر ثلاثة طرق:

  1. تأثر السياسات الخارجية بالتوجهات الدينية لدى صناع القرار.

  2. اعتبار الدين مصدرًا للشرعية في تأييد الحكومة أو سحب الثقة منها .

  3. تخطي الأمور الدينية المحلية للحدود الدولية، ومن ثم تحولها إلى أمور دولية، وهو ما يسميه الـ spillover effect .

أدبيات عربية بروز الأبعاد الثقافية والحضارية

 ومن أهم الأدبيات العربية التي وقفت بالتفصيل عند صعود الوزن الثقافي في مجالي التنظير والممارسة ما قدمته الدكتورة نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في بحثها التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامي: بروز الأبعاد الثقافية والحضارية الصادر عن مركز الحضارة للدراسات السياسية، في عام ٢٠٠٠ - ٢٠٠١م [1] فأشارت إلى التأثيرات الخارجية الشديدة التي باتت ثقافة مجتمعية في المقام الأول والتي أضحت تؤثر في النخبة والقاعدة سواء وهو الأمر الذي لم يكن موجودًا من قبل حينما كانت التأثيرات الخارجية مقتصرة فقط على الجانبين السياسي والاقتصادي وتكمل الدكتورة نادية مصطفى، حجتها قائلة: إنه إذا كانت عوامل القوة المادية الشغل الشاغل للغرب خلال القرون السابقة من صراعه مع الإسلام والمسلمين، فإن طبيعة المرحلة الراهنة من العلاقات الدولية تدفع على السطح بأولوية الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والحضارية فقد كانت الدراسات الدولية تنظر دومًا إلى العرب باعتبارهم مصدر تهديد للشمال (النظم التسلطية، التسابق على التسلح، الفقر، الهجرات الإسلامية، المخدرات) إلا أنها لم تتطرق أبدًا إلى الأبعاد الثقافية والحضارية.

ثم جاءت دراسات هنتنجتون، في العقد الأخير من القرن العشرين لتقلب هذه النظرة العلمانية للعلاقات الدولية طوال القرن بالأبعاد الثقافية والحضارية في فهم العلاقة بين الغرب السياسية والإسلام، ومن هنا، وتتولد الحاجة والضرورة لإعادة المسلمين تعريف السياسي، كما تقول الدكتورة نادية مصطفى ولذا فليس من الغريب لضمان أن يتم استدعاء صراع الحضارات ليحل كمنظور بديل عن صراع سياسات القوى، مما يعني أن ميدان المعركة لم يعد فقط ماديًا بل صار غير مادي أيضًا وأضحى موجهًا إلى نماذج حضارية أخرى مثل النموذج الحضاري الإسلامي الذي يملك من المقومات غير المادية المقاومة والتحدي ما لا تملكه نماذج حضارية أخرى ويبقى السؤال: كيف ستواجه الأمة تجليات هذا الصراع وعواقبه؟

  1. 1-د. نادية مصطفى التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامي: "بروز الأبعاد الحضارية الثقافية" الأمة في قرن -عدد خاص من حولية أمتي في العالم الكتاب السادس، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية ٢٠٠٠ - ٢٠٠١ ص ۸۳ – ۱۳۸.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل