العنوان صحة الأسره
الكاتب مني عبدالهادي
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 80
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 62
السبت 14-ديسمبر-2002
لا يوجد فحص طبي يمكن من خلاله التعرف على الإصابة.
التوحد.. إعاقة تصيب الجهاز التطوري للطفل.. ليس مرضا عقليا.. ولا دخل للأسرة فيه.
عرضنا في الحلقة السابقة تعريف التوحد وأعراضه وذكرنا منها خمسة أعراض... ونواصل في تلك الحلقة الحديث عن بقية الأعراض قبل الانتقال إلى بيان أسباب التوحد وكيفية تشخيصه والتعامل مع الطفل المصاب به:
سادسًا: حركات متكررة وغير طبيعية:
مثل حركة الرأس أو الجسم أو ضرب الرأس بالحائط أو اللف والدوران حول نفسه من دون أن يصاب بالدوار أو الدوخة وقد يهز يديه إلى أعلى وأسفل flapping hands وقد يعاني الطفل المتوحد من نشاط حركي زائد hyperactivity قد لا يكون النشاط الزائد متمثلًا في النشاط الحركي فقط وإنما قد يتمثل في أن الطفل يستمر في اللعب ساعات طويلة من دون أن يتعب أو يحتاج إلى استراحة. ويظهر ذلك جليًا في قلة نوم أطفال التوحد.
قد يظهر الطفل أيضًا نوعًا من عدم الاتساق في المشاعر، فهو قد يضحك بشدة أو يبكي ويصرخ بعنف من دون أي سبب معين أو واضح للآخرين في بعض الأحيان وبعد مرور فترة من الزمن يعتقد الأهل أن طفلهم قد بدأ السيطرة على حركات اليدين اللاإرادية أو هز الرأس ولكن في الغالب فإن ذلك يعزى إلى كون الطفل قد تأقلم على نمط حياته البيتي، ولكنه متى ما كان في محيط جديد أو أحس بالفرح أو الخوف فإنه يظهر هذه الحركات مرة أخرى وهي حركات تعطي الطفل متعة وإحساسًا بالأمان، وهي حركات لا إرادية في معظم الأحيان لا يملك الطفل السيطرة عليها.
سابعًا: القصور في اللعب:
لا يخفى لما للعب من أهمية كبيرة في حياة كل طفل، فاللعب يكسب الطفل مهارات عالية في مجالات مختلفة من الناحية النفسية والجسدية والعقلية والابتكارية عند أي طفل ولكن يصاب اللعب عند الطفل المتوحد بإعاقة شديدة، حيث إن الطفل يميل إلى اللعب بطريقة غريبة جدًا، وقد لا يعرف كيف يلعب فمثلًا كيف يلعب بلعبة السيارة قد تكون أمرًا معقدًا في تفكيره، أو قد لا تعرف البنت كيف تلعب بلعبة العروسة أو الدب يعني هذا النوع من اللعب الخيالي أو pretend play or imaginery play الافتراضي غير موجود عن الطفل. كما أن هناك قصورًا كبيرًا في الإبداع أو الابتكار في طريقة اللعب فهو لا يعرف اللعب إلا بطريقة معينة وهو يكرر هذا الروتين في كل مرة. عادة يفضل الطفل عدم الاختلاط مع الأطفال في اللعب وإن حدث واختلط معهم فإنه لا يقلدهم في أفعالهم، كما أنه يميل إلى أن يكون تابعًا للآخرين بدل أن يكون من يبدأ القيادة في اللعب. كل ما تقدم من أعراض التوحد، التي بفهمنا إياها نتمكن من فهم طفل التوحد، تسهم بشكل أو بآخر في تأخر أو تخلف الطفل عن أقرانه ووضع الكثير من الإعاقات أمام تطوره التعليمي وفي صعوبة مواجهته للحياة والمحيط ككل.
أسباب التوحد:
يصيب التوحد واحدًا من كل خمسمئة فرد في المجتمع وهو يصيب الأولاد بنسبة ٣:١ بالنسبة للإناث، لأسباب مجهولة إذ لم يعلم على وجه اليقين إلى الآن سبب معين للتوحد.. وإن كان هناك الكثير من البحوث والمحاولات الحثيثة لإيجاد تفسير معقول لهذه الإعاقة الغامضة. هناك العديد من النظريات ولكن لا شيء مؤكد.. كل ما هو معروف أن التوحد هو أحد أشهر الإعاقات التي تصيب الجهاز التطوري للطفل، وهي إعاقة تولد مع الطفل أي أنه لا يكتسبها بعد الولادة، وهذا ما يوحي بالظن في وجود أسباب وراثية وهذا ما أدى بالعلماء إلى الحديث عن مرض شبيه بالتوحد في كثير من أوجهه مثل التأخر في الكلام وفي إقامة العلاقات الاجتماعية ويتصف الشخص المشخص به بالعديد من الصفات الجسدية التي تميزه عن غيره، وقد سمي هذا المرض بـ fragile x syn drome ويمكن تشخيص هذا المرض الوراثي عن طريق فحوص الدم و DNA ولا يزال محل بحث العلماء ومن أسباب التوحد أيضًا التي تكلم عنها العلماء وجود اختلافات نيرولوجية في الدماغ وهناك نقاط مهمة أود أن أشير إليها هنا:
فالتوحد لم ينتج بسبب الأهل سواء أثناء الحمل أو الولادة أو التربية كما أنه ليس مرضًا عقليًا وإنما هو إعاقة في التطور، إلا إذا صاحبته أمراض أخرى أو تخلف عقلي.
ليست هناك علاقة بين التوحد والحالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو التعليمية للوالدين. التوحد أمر لم يختره الطفل وإنما أمر قدره الله تعالى عليه وعلى والديه.
كيفية تشخيص التوحد؟ لا يوجد فحص طبي يمكن من خلاله التعرف على الإصابة.. قد يطلب الطبيب في كثير من الأحيان عمل كثير من الفحوص مثل بعض فحوص الدم والبول أو السمع والنظر، أو فحوص موجات الدماغ مثل EEG أو أخذ صور مقطعية للدماغ مثل MRI TEST وفي معظم الأحيان يتخذ الطبيب قرار إجراء هذه الفحوص الدقيقة من أجل التأكد من أن الطفل غير مصاب باضطرابات عقلية أو صرع أو أمراض أخرى. ومن أجل تشخيص الطفل لا بد من عرضه على أكثر من طبيب أو مختص، بدءًا من طبيب أطفال مختص إلى طبيب أعصاب (نیورولوجيست) إلى طبيب نفساني ومختص تخاطب ومختص بمعالجة حالات التوحد. في الأساس توجد عند طبيب الأعصاب قائمة معينة فيها كل الأسئلة الخاصة بكل حالة أو نوع من أنواع التوحد وهي خمسة أنواع تقريبًا. وبالإضافة إلى تلك القائمة فلابد للطبيب من أن يستخدم أسلوب الملاحظة والمراقبة الدقيقة للطفل. وفي معرض الكلام عن تشخيص الحالة أشير إلى أن الإحساس بوجود مشكلة ما قد يبدأ منذ أن يكون الطفل بعمر سنة أو أقل عندما يلاحظ الوالدان أن طفلهما مختلف» عن بقية الأطفال ممن هم في عمره، إذ قد يبدي الطفل الصغير أو الرضيع عدم الرغبة في أن يحتضن حتى إنه قد يرفض الرضاعة الطبيعية من أمه لا لشيء إلا لكونه لا يحب أن يحتضن أو يلمس بشدة، وقد لا يبتسم لأمه أو أبيه أو لا يطور الابتسامة الاجتماعية، وقد يظهر قصورًا في النظر المباشر فلا ينظر في عيني من يتكلم معه. وقد يتصرف وكأنه لا يسمع، ولا يستجيب السماع اسمه رغم أن سمعه سليم، وقد لا يناغي أي لا يتكلم كلام الأطفال babbling وقد يلاحظ الوالدان أن ولدهما يكتفي بمراقبة الأطفال أثناء لعبهم بدلًا من مشاركتهم اللعب، أو يلاحظون أنه يكتفي بمص الألعاب هذا يختلف عن المرحلة من عمر الرضيع التي يستكشف فيها الألعاب عن طريق المص أو أن الطفل لا يلعب بالقشقوشة وإنما يكتفي بمصها. كل ما تقدم يوحي للوالدين بأن هناك مشكلة، وكلما أحس الوالدان بالمشكلة في عمر مبكر من حياة الطفل كان الأمل في مساعدته على التغلب على مشاكل التوحد أكبر. وقد لا يشخص الطفل إلا حين يكون عمره ثلاث سنوات أو أكثر عندما يبدأ الوالدان بالقلق تجاه تأخر طفلهما في الكلام أو تفضيله أن يبقى منفردًا لوحده، أو عند ملاحظتهم بعض أعراض التوحد. وبعد مراجعة الطبيب وعمل كل الفحوص اللازمة قد يتوصل الطبيب إلى تشخيص الطفل بالتوحد. بعد التشخيص تبدأ حياة جديدة بكل ما تحمل كلمة الجدة من معنى سواء بالنسبة للطفل أو الوالدين أو الأسرة ككل أو المجتمع المحيط بالأسرة.
هل من مخرج؟
يتمنى كثير من الآباء لو أن هناك دواء سحريًا يشفي طفلهم الحبيب.. ولكن كم تكون الصدمة شديدة عندما يكتشفون أن التوحد الذي ولد مع طفلهم سيلازمه طوال حياته. تقف تلك الحقيقة المظلمة الحالكة السواد أمام أعينهم وهم يقراون: no cure أي لا يوجد دواء يمكن أن يشافي طفلهم مئة بالمئة ولا يوجد من يقول: أنا أستطيع أن أعدك أنه إن فعلت كذا وكذا فإن النتيجة أكيدة، فكل شيء احتمالي.. والطفل قد يتحسن ويكون شبه طبيعي، أو يسوء ويعود إلى الوراء.. فلا شيء يمنعه من كلا الاحتمالين، لكن الشيء الذي يقوله كثير من العلماء وأهل الاختصاص أن الأمل كبير في تعليم الطفل المتوحد كيف يطور مهاراته من أجل أن يتأقلم بشكل أكبر مع سلبيات التوحد التي يعاني منها وهذا أمر درجة نجاحه كبيرة جدًا خاصة إذا توافرت عملية إعادة تأهيل الطفل rehabilitation في عمر مبكر من حياة الطفل. ومع هذا المجهود المبكر تزول كثير من أعراض التوحد أو يقل تأثيرها فتصبح غير ظاهرة للشخص العادي غير المختص.
ولكن تبقى بعض أعراض التوحد التي لا تزول، وهذه قد يتعلم الطفل كيف يتأقلم معها. بحيث تصبح جزءًا من حياته.
واعتقد أن أول خطوة للبحث عن العلاج تأتي بعد تشخيص الحالة من قبل الطبيب المختص ومن هنا وبمعاونة الطبيب وأهل الاختصاص يمكن للوالدين أن يقوموا بالتالي:
أولًا: قد ينصح الطبيب بعمل اختبار فحص الذكاء IQ TEST للطفل المعرفة مستواه العقلي وهذا الأمر يفيد كثيرًا في قضية التعامل مع الطفل سواء في البيت أو المدرسة من حيث معاملته وفقًا لعمره العقلي وليس لعمره الزمني. ثانيًا: إيجاد المدرسة الخاصة المناسبة له.
سواء حكومية أو خاصة حسب إمكانات الوالدين وحسب ما يتوافر في منطقة سكنهم. وفائدة المدرسة الخاصة أنها تضع الطفل المتوحد في صف ذي عدد محدود من الطلبة ويكون التركيز فيه على الطلبة كأفراد وليس كمجموعة كما في الصفوف العادية. كما تقوم المدرسة بوضع جدول خاص لكل طفل على حدة، يشمل أهدافا مرحلية للطفل على أكثر من مستوى كالمستوى اللغوي والتعليمي والاجتماعي والسلوكي وغيره وهذه الأهداف تمثل ما يطمح إلى تحقيقه خلال سنة من الزمن مثلًا وهكذا بعد سنة توضع أهداف أخرى ومن هنا تأتي أهمية المدرسة الخاصة بالأطفال ذوي الحاجات الخاصة. ثالثًا: إيجاد مدرس أو مدرسة تخاطب لبذل أكبر جهد ممكن من أجل تحسين أداء الطفل اللغوي وتواصله مع الآخرين، ويمكن للأم أو الأب أو الأخ المدرك حضور هذه الدروس لإدراك حقيقة ما يحدث من أجل أن يتعلم كيف يتكلم مع ابنه أو أخيه حتى يبدأ التطبيق في البيت والمدرسة والشارع.
أهمية مدرس التخاطب أن طفل التوحد لا يتعلم عن طريق تقليد الآخرين ولا يتعلم من تجاربه ولهذا لا بد من تكرار التعليم مرات كثيرة حتى يتقن الطفل كلمة أو حركة معينة بعينها.. رابعًا: محاولة الارتباط بإحدى المؤسسات التي تعتني بالأطفال ذوي الحاجات الخاصة. أما إذا لم يتمكن الأهل من ذلك فمن الممكن أن تكون المدرسة نقطة البداية للتعرف على الأطفال الآخرين وذويهم ممن يمرون بنفس المشكلة، وهذا الترابط يحقق أكثر من هدف على صعيد الطفل نفسه فاللقاء يعطيه ثقة أكبر بنفسه.. فهو ليس وحده في هذا التأخر أو البطء في النمو، وهو ما سيؤدي إلى نوع من أنواع العلاج النفسي للطفل الذي يحس أنه مختلف عن أقرانه في الكلام والعلاقات واللعب والإنجازات على صعيد الوالدين التصبير والسلوى من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته. مجرد الكلام يمنع تراكم الهموم وبالتالي يقلل من القلق والضغوط والكآبة. إسداء نصيحة للأهل فيما بينهم أو تبادل المعلومات التي تنفع الآخرين من قبيل إعطاء فكرة أو محاولة نجحت مع طفلهم، أو تبادل اسم طبيب أو مركز أو مدرس تخاطب، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.
خامسًا: معرفة ما إذا كان طفلهم يحتاج إلى أنواع معينة من الأدوية. فبعض الأطفال يعاني من حركة ونشاط زائدين، وربما يصف الطبيب بعض الأدوية من أجل السيطرة على هذه المشكلة. وهناك أدوية تعطى للطفل الذي يعاني من الصرع المصاحب للتوحد ليس كل الأطفال يعانون من الصرع مع التوحد، وهناك أيضًا أنواع من الفيتامينات تعطى للطفل من أجل تحسين انتباهه أو تركيزه. وكل هذه العقاقير لا بد أن توصف من قبل الطبيب المختص والعالم بتفاصيل وتاريخ الطفل الصحي.
سادسًا: متابعة كل ما هو جديد في مجال التوحد عن طريق القراءة والسؤال والتقصي.
وأخيرًا وهو جانب أساسي من جوانب علاج أي حالة مرضية أو نفسية.. ضرورة التوكل على الله رب العالمين، فإن الذي خلق الداء قد خلق له الدواء وإن كان العلم الحديث لم يتوصل إلى علاج للتوحد فربما ذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو.. ولعل الأجيال اللاحقة تتوصل إليه.. وليس لنا إلا أن ندعو وتصلي وتعلق أفئدتنا بالسماء منتظرين رحمة الله وهبته إلينا. إنه كريم رحيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل