; واقع مؤلم للمسلمين في أفريقيا | مجلة المجتمع

العنوان واقع مؤلم للمسلمين في أفريقيا

الكاتب عبدالرحيم محمد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1978

مشاهدات 141

نشر في العدد 409

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

أيهما أهم الكتب والأشرطة أم المأكولات والأدوية؟

لا بد من سياسة من جديدة للعمل الإسلامي

هل الفطرة وحدها تكفي لانتشار الإسلام في أفريقيا؟

 

يعيش المسلمون في أفريقيا الآن فترة عصيبة بل كارثة ماحقة من الفقر المدقع والمسغبة الشديدة، وضنك العيش وشدة الفقر فافترسهم المرض وانتشرت بينهم الأوبئة والأمراض، وقد تفاقمت هذه المشاكل والعلل، إثر الجفاف الذي غشي مناطق غرب أفريقيا، حيث توقفت الأمطار عن النزول لما يزيد عن خمسة أعوام متتالية فأثر ذلك تأثيراً سيئًا تمثل في الهجرات الداخلية والخارجية هنا وهناك بحثًا عما يسد الرمق ويحفظ الحياة ومن بقي منهم في مواطنهم ازدادت حالهم سوءًا وكانت ثالثة الأثافي وباء الجراد الذي انتشر بكميات هائلة كبيرة من شرق أفريقيا، ولم تتمكن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من عمل شيء لمكافحة الجراد نسبة لاندلاع الحرب في أجزاء من أفريقيا مثل أثيوبيا، والصومال وأريتريا وتشاد، علاوة على المناوشات الحربية الدائرة في أمكان متفرقة من القارة.

وقد أتى الجراد على الأخضر واليابس، وقبل ذلك كان الزحف الصحراوي المتمثل في كثبان الرمال التي زحفت فغطت على الأراضي المستصلحة للزراعة وهذه أيضًا تمثل خطورة كبيرة، تزيد من فداحة الخسارة واتساع المشكلة.

أيهما أهم الكتب والأشرطة أم المأكولات والأدوية

والذي يهمنا في هذا الأمر، أن مناطق غرب وشرق أفريقيا التي تأثرت بتلك الكوارث يسكنها حوالي ۹۰ بالمائة من المسلمين الذين يكونون مع بقية الأفارقة حجم التعداد الذي اكتوى بنيران المشكلة والمؤلم في الأمر، أن المسلمين في أنحاء العالم، بمنظماته وحكوماتهم، لا يدرون شيئًا عما حل بإخوانهم في العقيدة، وإذا دروا لم يقدموا شيئًا يعيد إلى نفوس إخوانهم قليلًا من الطمأنينة، والبسمة إلى شفاه والإشراق إلى أرواحهم المعذبة، وأجسادهم التي بليت من الضنك وذهبت عنها نضارة الحياة وحلت بدلًا عنها الأمراض والأسقام.

المنظمات الكندية تستغل الموقف:

وكعادتها دائمًا في استغلال المواقف الإنسانية لجأت المنظمات الكنسية إلى الخداع والتمويه، وتقديم السم في الدسم، فهي والحق يقال تملك أجهزة متقدمة ترصد لها كل كبيرة وصغيرة، من الاحتياجات والأشياء المطلوبة وترتب لها الأولويات والأسبقيات، حتى تجيء معوناتها بطريقة هز اليد الجريحة فهي تعلم وبطريقة واضحة، أن تقديم المأكولات والملبوسات، والأدوية، تأتي في أول سلم المهمات، وهي لدرايتها بنفسية الأمم المتحدة، مثل منظمة الأغذية أما الصليب الأحمر، فهو يتقدم تحت مظلة تخفيف آلام الجرحى والمنكوبين ومعلوم أن المنظمات الكنسية لا تقدم ما تقدم لوجه الله والإنسانية بل إنها تغلف خدماتها بالتعاليم فحتى المعلبات التي بها الأطعمة مكتوب عليها الشعارات والتعاليم المسيحية، التي تعني أن المسيحية دعوة سلام، وإجابة ملهوف، وإطعام جوعان وكساء عريان، ودواء جريح ومريض ومواساة يتيم وفقير.

 ثم تتطور في تقديم خدماتها فتلجأ إلى بناء المدارس، وإقامة المستشفيات، وتكوين الجمعيات التعاونية في مجال الخدمات التجارية والمزارع الجماعية وهذه السياسة الإنسانية والاستغلالية تعطي ثمارها على مهل، وبطريقة بطيئة وخطيرة وخبيثة.

 إن هؤلاء القوم ماضون في طريقهم لنشر المسيحية بشتى الوسائل فالغاية عندهم تبرر الوسيلة فلا يتورعون من طرق كل السبل والتفنن في اكتشاف كل الممرات التي توصلهم إلى عقول وقلوب الشعوب الأفريقية المسلمة فلا مانع عندهم من إجراء عمليات غسيل مخ للشباب، والتشويش على معتقداتهم، وزرع الشك في نفوسهم ومحاولة زعزعة المسلمات واليقينيات المتأصلة في أفئدتهم وجوانحهم. 

والكوارث التي ألمت بالمسلمين الآن في أفريقيا تمثل أفضل مناخ للعمل الكنسي خاصة في غياب المواساة والمشاركة التي كانت متوقعة من المسلمين- ومن هيأتهم ومنظماتهم الشعبية والرسمية.

ولكن للأسف، فإن المسلمين لا يعلمون عن إخوانهم في أفريقيا شيئًا كثيرًا أو أن علموا تقاعسوا وتكاسلوا في سلبية مقيتة وعدم مبالاة واكتراث.

إن آلاف المسلمين في أفريقيا يعانوا الآن ظروفًا قاسية، تستوجب التحرك ودراسة المشاكل المطلوب تقديم الحلول لها. وهذا لا يتأتى إلا بإيفاد بعثات من قبل المنظمات الإسلامية الشعبية، العاملة في الساحة الإسلامية، إلى المناطق المتأثرة بالقحط والجفاف، والأمراض. وتقديم دراسات متكاملة على الطبيعة بطريقة إحصائية وعلمية، حتى يمكن تقديم العون المناسب الذي يراعى فيه الأهم على المهم في سلم الأولويات.

عمل تقليدي وعشوائي للمنظمات الإسلامية؟

وهذه المناسبة تفتح لنا المجال للحديث عن عمل المنظمات الشعبية الإسلامية العاملة في ميدان نشر الإسلام وتدعيمه في القارة الأفريقية، ولا نود أن نجني ما تقدمه من عون ومساعدة، إلا أننا لا نرضي منها بجهد المقل، بل إن طموحنا ورغباتنا تنشدان الكثير، طالما أن الرغبة صادقة والعزم أكيد، والإمكانيات متوفرة والحمد لله.

  • وفي البداية نلاحظ أن عمل تلك المنظمات، ومن بينها رابطة العالم الإسلامي والأزهر، والمجاعة الإسلامية الباكستانية نقول إن عملها في ميدان نشر الإسلام، ما زال تقليديًا وعشوائيًا، غير متفنن ولا مبرمج، ولا يعمل وفق تخطيط، أو جمع إحصاءات، وبيانات، توضح بطريقة واضحة المطلوب والمرغوب عمله.

فأمر إمداد المسلمين في أفريقيا بالمصاحف، وأشرطة الآذان عمل مطلوب، ولكنه لا يمثل الحاجة رقم 1 بالنسبة لشخص جوعان، أو مريض فلنقدم له أولًا ما يسد رمقه لأن- الجوع كافر- ثم نقدم له العلاج حتى يشفى، ولا مانع بعد ذلك أن نقدم له المصحف أو أن نسمعه الآذان.

أقول هذا وأمامي مناشدة صادرة عن رابطة العالم الإسلامي نشرت في العدد الأخير من مجلة- الدعوة المصرية يقول: تبنت رابطة العالم الإسلامي مشروعًا لطبع مليون نسخة من القرآن برواية ورش، والمنتشرة في القارة الأفريقية حيث سيتم توزيع هذه المصاحف نظرًا لحاجة المسلمين الشديدة في هذه الأماكن للقرآن الكريم وهذا المشروع الإسلامي الكبير يحتاج إلى دعم مالي من قبل المسلمين المقتدرين في كل أنحاء العالم الإسلامي والرابطة تدعو كل المسلمين للمساهمة في هذا المشروع.

وهذا في رأيي أيضًا عمل عظيم، ولكن الخلاف يا بني في طريقة وضع الأولويات، فنحن نرجو الرابطة، أن تضع بجانب هذا المشروع مشروعًا آخر لتقديم ما يمكن تقديمه من عون سواء أطعمة أو ملبوسات، أو دواء لسكان المناطق المتأثرة بالقحط والجفاف والزحف الصحراوي.

الاستعانة بالأجهزة الحديثة المتخصصة:

إننا ندعو المنظمات الإسلامية إلى الاهتمام بإنشاء أجهزة حديثة متخصصة يناط بها جمع المعلومات وتقديم الإحصاءات الدقيقة، ورصد المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المسلمون في أفريقيا، لأن هذا من شأنه أن يجعل العون المقدم أكثر فائدة وأعظم إنجازًا.. وقد فطنت الهيئات الصليبية إلى هذه الحقيقة وأهميتها، فاستطاعت أن تعمل وهي تملك رؤيا واضحة فنشطت تعمل على ضوء برامج دقيقة واستراتيجيات محددة وعلى مراحل كل مرحلة تقدم نتاجًا خاصة في هيكل البناء الكنسي الذي يعتمد التخطيط والبرمجة والاستفادة من الأجهزة الحديثة في مجال المعلومات والإحصاءات – بينما اعتمدت المنظمات الإسلامية، العشوائية، والعمل التقليدي الذي لا يحتاج إلى جهد أو تعب.

إن على المنظمات الإسلامية الشعبية أن تغير من طريقة عملها، وأن تنشئ علاقات عضوية، مع الهيئات الشعبية الموجودة داخـل القارة الأفريقية، فهي تستطيع أن تدلها على ميادين العمل الأكثر نفعًا والأقوى أثرًا، فالعمل الإسلامي عمل حركي متعدد الأوجه، مختلف الميادين فالاحتياجات تتمثل بصورة عامة، في بناء المدارس، لدراسة القرآن والعلوم الإسلامية، وبناء التعاونيات والشركات التجارية وكل ما من شأنه إثراء حياة المسلمين والارتقاء بها وهذه كلها وسائل عصرية، يمكنها أن تسهم في إنعاش الحياة الاجتماعية للمسلمين.

احذروا التعامل مع الحكومات:

ويجب الحذر من التعاون المباشر مع الحكومات وأجهزتها الرسمية،

فإن غالبية الحكومات الأفريقية، إما أنها تخضع للسيطرة والهيمنة الكنسية وإما أنها تدور في الفلك الشيوعي، وفي كلا الحالتين فهي معادية لأي إصلاح يستهدف المسلمين، فخير وسيلة يمكن للمنظمات الإسلامية الشعبية أن تسلكها هي تلمس طريقة للاتصال المباشر مع الجمعيات الإسلامية الأفريقية الجادة، وليست تلك التي نشأت بوحي ومباركة الحكومات لاتخاذها واجهات للخداع والتدليس على الحكومات العربية والإسلامية بما ينفي عنها سياستها القمعية للتطلعات الإسلامية وإجهاض أي تقدم يسعى إليه المسلمون.

وعن الجمعيات الإسلامية:

كما أنه يجب ألا يغيب عن البال، ضرورة دعم الجمعيات الإسلامية الحديثة التي تمثل الضمير الإسلامي المتقد، وتمثل الحرب على قيادة المسلمين، قيادة فكرية واجتماعية واعية، بعيدًا عن الخرافات والخزعبلات واستغلال الدين لمآرب شخصية وتطلعات دنيوية، كما ظهر من الاتجاهات المريبة لبعض الجمعيات والتي كانت تسيرها عقليات طائفية متحجرة ومتزمتة جهلًا وتخلفًا وليس حدبًا على الدعوة الإسلامية والحرص على انتشارها.

والجمعيات التي حذرنا منها معروفة جيدًا لكثير من الهيئات الإسلامية التي سبق لها العمل في الساحة الأفريقية.

في أفريقيا الآن شباب إسلامي مثقف استفاد كثيرًا من التجارب التي كانت ساندة في الحقب الماضية فهو يمكن الاعتماد عليه بعد مساعدته ودعمه.

الإسلام والفطرة:

الإسلام دين الفطرة- هذه حقيقة وليس افتراضًا وأيضًا من المؤكد أن الإسلام وجد طريقه إلى قلوب الأفريقيين لأنه في كثير من تعاليمه يتفق مع فطرتهم الإنسانية لهذا تقبلوه واعتنقوه ونافحوا عنه، وصمدوا أمام الأعاصير الصليبية المدوية، والتي فشلت جميع أسلحتها في النيل من ضانهم وما نود أن نتناوله في هذه المناسبة، هو المفهوم الاتكالي الذي يرى أن نشر الإسلام في أفريقيا لا يحتاج إلى جهد ولا إلى تعب طالما أن الدعوة يمكن أن تنشر هكذا بالفطرة.

وهذه سياسة مغلوطة تستبدل التواكل بالعزم والمثابرة، وتركن إلى الدعة والغفلة فإن النفس البشرية كثيرة التقلب والتذبذب، بل إنها كالطفل الذي يجب أن يحاط بالرعاية وإلا فلت واستعصى على التقويم فمع انتشار المغريات وازدياد حدة الإغراءات، فإن العمل وفق أسلوب علمي مبرمج أمر لا بد منه ولا غنى عنه، فإن القوى المضادة للإسلام، تستخدم الآن أسلحة في غاية الخطورة، يمكنها أن تؤثر في زعزعة وزرع الشك، وإبعاد المسلمين عن دينهم- كخطوة نحو دفعهم للمعسكر المعادي لدينهم.

 إن استخدام وسائل الاتصال- من أجهزة سمعية وبصرية وغيرها كان له أكبر الأثر في محاربة الفكر الإسلامي، ومن أجل فل سلاح الأعداء وإحباط مفعوله، فيجب أن يكون الجزاء من جنس العمل ولننهج نهجًا جديدًا تسخر له كل الإمكانيات الحديثة المؤثرة وبما أن الموضوع يحتاج إلى تناوله من معطيات مختلفة فنأمل أن تتاح الفرصة لمواصلة الحديث. 

 

الرابط المختصر :