العنوان التنويريون والدفاع عن اليهود
الكاتب عبدالمجيد الذهب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1304
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 16-يونيو-1998
إعداد: مبارك عبد الله
كتب السيد محمد قواص (۱) مقالًا بعنوان «كل الأسف والخجل تعليقًا» على العبارة التي قالها الروائي اللبناني إلياس خوري، المدير الفني لمسرح بيروت، بسبب سحب مشاركة المثقفين اليهود العرب من الموسم الثقافي.
وقال السيد قواص في معرض تعليقه «... تتقزم أدبيات الصراع العربي - الإسرائيلي إلى تفصيل رجعي يخلط ما بين العدو والصديق ويزيل الحدود ما بين اليهودية والصهيونية ويعيد نبش إيديولوجيات قومية بالية تستهدف اليهود من دون استثناء... حتى العرب منهم، ثم يضيف: «فقد ضاق ذرع الأمة بمكوناتها الدينية والقومية وانحراف الخطاب اليومي نحو التطبييب لديكتاتورية الجنس الواحد والدين الواحد والفكر الواحد...»!
وبداية نسأل السيد قواص كيف يتكلم باسم الأمة بقوله: «ضاق ذرع الأمة....» ... هل يعتبر نفسه أمة؟ ... أم هل لديه تفويضًا منها ليتكلم باسمها؟ وهو يخلط في مقاله عندما يقول: ديكتاتورية الجنس الواحد والدين الواحد والفكر الواحد...»!!
نعم... إن الهزائم المنكرة لم تنزل بنا إلا عندما نادينا بالجنس الواحد ورفعنا قومية الجنس الواحد، وقدسنا هذا الجنس الواحد... فمنذ استقلال بلادنا وإلى الآن، وتحت مظلة القومية الواحدة نلنا من الهزائم ما لم ينله جنس آخر، لذلك كان الأصح والواجب أن يعمد أصحاب القومية الواحدة إلى تجاوز مسألة الجنس الواحد إلى نطاق أوسع يضم أجناسًا كثيرة متنوعة، تجمعها المبادئ الواحدة أي إلى عالمية الإسلام، وبذلك نخرج من الشرنقة الخانقة التي أدخلنا فيها أصحاب هذه القومية، لنعود أمة عظيمة مهابة الجانب قوية البأس تستطيع أن تدافع عن شعوبها وعن حقوقهم.
لقد جعل هؤلاء موضوع تحرير فلسطين قضية عربية قومية فحسب، وعزلوها عن البعد الإسلامي، فكانت النتيجة أن بدأت فصول مسرحية الهزائم تتوالى بصورة مأساوية بشعة، وحتى الآن، ورغم ذلك كله، ما زالوا يدورون بالرحى حول أنفسهم يطحنون الهواء.
نعم هذا ما أدى إليه إصرار بعضنا على الجنس القومي الواحد!!
وأما دفاع السيد قواص عن بضعة أشخاص من اليهود منعوا من حضور الموسم الثقافي في بيروت، برغم أنهم من العرب، ففيه تناقض بارز!! فهو من جهة، ينتقد «التطييب للجنس الواحد، ومن جهة ثانية، يستنكر منعهم مع أنهم من العرب «الجنس الواحد».
إن ليفي أشكول من عرب المغرب، ووزير العدوان مردخاي من عرب العراق، وهناك مثلهما كثيرون شغلوا مناصب قيادية في الدولة اليهودية، وكان لهم دور كبير في العدوان على العرب «بني قومهم».
وأما قوله: «التطييب لديكتاتورية... الدين الواحد .... » فيدل على غير علم.
أليس الإسلام هو دين الأكثرية الساحقة في المنطقة العربية؟ ثم كيف ينعت الإسلام بالديكتاتورية؟ ولو بحث أي امرئ عاقل في حقيقة الإسلام لوجده أبعد ما يكون عن الاستبداد أو ما يسميه بعضهم هذه الأيام بالديكتاتورية!، إن الكاتب يخلط بعشوائية ظاهرة بين ما يمارسه بعض الحكام ومبادئ الإسلام، وفي الحديث الشريف الناس سواسية كأسنان المشط، ولم يقل: «المسلمون سواسية».
والقرآن الكريم أكد على أن العدالة للجميع، حتى لمن يختلف مع المسلمين في العقيدة بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. (المائدة:8).
إني أجد الذين يزعمون أنهم «المثقفون» و« التنويريون»، أشد الناس تعصبًا وأكثرهم شططًا في الفكر، في كل ما يتعلق بالإسلام، فهم جامعو حطب في ليل دامس، وكثيرًا ما يتعمدون قلب الحقائق ووصف أنفسهم بعكس ما هم عليه في الواقع؛ إذ تسمعهم يلحون ويضجون بأنهم «المثقفون» و«التنويريون وأن الداعين إلى الإسلام هم المتخلفون» و«الظلاميون»
وقد وصف الله تعالي أمثال هؤلاء بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرض قَالُوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون لا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:11).
وفي نظر هؤلاء الزائغ فإن كل رجل ملتزم بالإسلام هو «رجعي» و«متخلف وظلامي»، مهما ارتقى سلم العلم، ومهما نال من الشهادات العلمية العليا ومهما كان واسع الثقافة!!
ونعود إلى موضوع منع أفراد من اليهود من المشاركة في الموسم الثقافي، الذي أقيم في بيروت، والذي افتعل بعضهم من أجله مناحة وولولة، فنقول إن تصرفهم هذا يدل على قصر نظر لا تنفع معه النظارات الطبية، لأن النظر الحقيقي ليس نظر العيون، بل هو نظر العقول السليمة!
إنهم يدافعون عن بعض اليهود، لأنهم بعيدون عن الصهيونية حسب زعمهم، ويطلبون من الناس أن يفرقوا بين اليهودية والصهيونية، وكان هؤلاء لا يقرؤون التاريخ ولا يأخذون منه العبر.
أليست الدولة الإسرائيلية دولة يهودية وإن تجنس بجنسيتها غير اليهود وأنها قامت على أسس دينية محضة؟ ألم يصرح اليهود دائمًا بأنهم إنما يعملون بوصايا «توراتهم؟» ..... فلماذا ينفي هؤلاء ما يثبت اليهود أنفسهم؟
أليس احتلالهم فلسطين وتصريحاتهم المتكررة بأن القدس هي عاصمتهم الأبدية، وسعيهم الحثيث لهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان المزعوم أليس ذلك دليلًا على أن اليهود إنما يتحركون بدوافع يهودية وعنصرية؟؟
نُذكر هؤلاء بأن اليهود جبلوا على المكر والخديعة والغدر ونقض العهود والمواثيق وبأن هذه الصفات الذميمة ملتصقة بهم وملتصقون بها مثل جلودهم وليس هذا جديدًا منهم، بل دأبوا على ذلك طوال تاريخهم وقبل أن تظهر الصهيونية، أو تعرف... ألم يعقدوا عهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ثم غدروا بالمسلمين ونقضوا عهدهم، عندما تآمروا مع مشركي قريش سرًا في غزوة الأحزاب؟؟، ونذكر هؤلاء بقول الله العظيم ﴿أو كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نُبذه فريق منهم ب لرهم لا يؤمنون﴾ (البقرة:100)، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:155).
لقد عاش اليهود في ظل الحكم الإسلامي في الأندلس بسلام تام أحرارًا مکرمین مقربين وتقلد بعضهم مناصب مهمة في الدولة حتى وصل إلى درجة الوزير، ولم يضايقهم أحد في دينهم وعاداتهم، بينما طلب منهم الإسبان بعد سقوط هذه الدولة، الاختيار بين النصرانية أو الطرد، وكانوا يسمونهم الخنازير.
فكيف ردوا الجميل للمسلمين في هذا القرن؟ وكيف قابلوا معاملتهم السمحة؟؟
كان رد اليهود أن ارتكبوا ضد المسلمين من الجرائم ما لا يوصف وبلغ غدرهم بهم درجة قصوى لا يتصورها عقل إنسان متحضر منصف.
إن دفاع هؤلاء عن بعض اليهود لأنهم عرب إنما يريدون به إزالة العوائق الفكرية والنفسية بين العرب والمسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى، وأن يتناسوا الفظائع التي ارتكبها اليهود بحقهم وما يزالون... إنه فصل جديد من مسرحية الذل والخنوع والاستسلام التي يروج لها السماسرة، الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا تزعق ليل نهار بلحن الجبن والعار
الهوامش:
(*) كاتب وجامعي لبناني
1. الحياة اللندنية - ١٩٩٨/٤/٢٣م وكانت الجريدة ذاتها نشرت أربعة مقالات يدافع فيها أصحابها عن بعض اليهود العرب، وقد أرسلت ردًا إلى الجريدة المذكورة بعد ثلاثة أيام من نشر أحد تلك المقالات ولم ينشر!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل