; لافتات وشعارات.. التقدمية والرجعية | مجلة المجتمع

العنوان لافتات وشعارات.. التقدمية والرجعية

الكاتب بدر العصيمي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

مشاهدات 22

نشر في العدد 76

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

معنى التقدمية:

التحرر من السيطرة الاستعمارية والرأسمالية والقضاء على الرجعية بمعنى إفنائها.

معنى الرجعية:

حركة تعترض على التقدم الاجتماعي والسياسي المنبثق من مبادئ الثورة فتتمسك بالمبادئ التقليدية وتحاول إحياء التنظيمات الماضية وتكبت الحرية.

على من تطلق الرجعية؟

إن اليساريين يطلقون كلمة «الرجعية» على من يدخل بيت العبادة، ورجل الدين الذي يحث الشباب التائه على المحافظة والتحلي بالأخلاق الفاضلة ينعت بالرجعية لأن أفكاره- على حد قول اليساريين- أفكار عقيمة رجعية، أما المرأة التي تلبس العباءة أو «قل اللباس المحتشم» فتوصف بالرجعية والتأخر وبأنها ضعيفة الانطلاق في تتبع مبتكرات الغرب.

على من تطلق التقدمية؟

تطلق «التقدمية» على الشاب ذي الشعر المسترسل، والبنت ذات اللباس الفاضح، والعجوز ذات الستين عامًا وتلبس لباسًا قصيرًا وربما شفافًا، وعلى الثوري المعادي للاستعمار، وعلى الشيوعي، وهو ذلك الإنسان الأعمى الذي يتبع مبادئ ماركس الدجال.

أمثلة على تقدمية الإسلام ورجعية الشيوعية:

أولًا: لنأخذ الإسلام ونناقش بعض مبادئه ثم نقارن هذه المبادئ بمبادئ الشيوعية؛ إن اليسار يصف الإسلام بأنه «عقيدة رجعية بالية» بينما يصف الشيوعية بأنها «عقيدة تقدمية حديثة»، ولكي ندحض ادعاءاتهم لنتأمل ببعض ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف.

من الآيات والأحاديث التي تدعو للمساواة:

  • «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» (حديث).
  • ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (آية).
  • «اسمعوا وأطيعوا ولو وُلِّيَ عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (حديث).
  • «الناس سواسية كأسنان المشط» (حديث).

هذا قليل من كثير جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف. ولكن ما هو الصراط الذي انتهجه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته؟ الجواب هو: المساواة بين القريب والبعيد، الرجل والمرأة، الغني والفقير، القوي والضعيف، الكبير والصغير.. أما الرسول نفسه فقد كان يرعى الغنم ويحفر مع المسلمين وكأنه واحد منهم أثناء بنائه لمسجده وللخندق، وكان يشترك في القتال جنبًا إلى جنب. عاش فقير المال وغني العقيدة ومات فقير المال وغني العقيدة، ولكن هل هذا النهج مطبق أو موجود في مبادئ الشيوعية؟ الجواب: لا؛ فقائد الشيوعية لينين بعيد كل البعد عن هذه المبادئ، وأستطيع أن أقول بكل اطمئنان وبدون أية مبالغة: إن لينين هذا لم يمسك أي معول ليساعد العمال ولم يمسك أي سلاح ليساعد الجنود الروس؛ فبينما كان هو يلقي الخطب عن مبادئ ماركس وإنجلز كان الجنود يقتلون بالمئات على الجبهات في الحرب العالمية، وكان جنود الحزب الشيوعي يقتلون العمال وأصحاب المصانع لأنهم رأسماليون أو رجعيون، أما لينين فقد كان بين النساء محاطًا بشرذمة من الجنود لحمايته.

ولنرَ مدى ما وصل إليه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من مساواة طبقها على نفسه وعلى شعبه؛ من ذلك أنه تقبل قول المرأة «أنت أخطأت يا عمر» بصدر رحب وأخذ هذا القول، وقال: «لقد أصابت امرأة وأخطأ عمر». وفي إحدى خطبه الأخرى وقف أحد الرجال وقال له: «لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا»؛ فلدينا الكثير عن عمر ومبادئه في المساواة وحرية الرأي وتقبل النقد، التي يستحيل أن نجد في هذا العالم حاكمًا طبقها أو يطبق عشرها.

فالفريق ستالين- السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي- مات تاركًا بلاده تذكره بأعماله السيئة؛ فمن أفعاله على الحريات القليلة التي كانت موجودة في بلاده أن تم تصفيتها لخصومه بعد مجيئه للحكم إلى حكمه الصارم الحديدي الذي دام قرابة ثلاثين عامًا؛ فأصبح مثالًا للديكتاتورية الرجعية التي تكتظ نعتها في قواميس اليسار الماركسي.

تقدمية الدولة الإسلامية:

أين هي الدولة التي تسمح لأحد المستضعفين لأن يعتلي أغلى ما عندها بقدميه ويؤذن كما فعل بلال المستضعف عندما صعد الكعبة لتلاوة الأذان فكان أول مؤذن في الإسلام؟! أين هي الدولة التي تسمح لابن أحد الموالي بقيادة الجيش كما فعلت الدولة الإسلامية عندما عينت أسامة بن زيد قائدًا للجيش الإسلامي المتجمع لمحاربة الروم؟!

الصراع العقائدي بين الدول الشيوعية:

وُصِفَت يوغوسلافيا بأنها «دولة رجعية»، أما الذي وصفها فهو الاتحاد السوفيتي؛ أما لماذا فلأنها خرجت من الدوران في فلك يديره ويشرف عليه الروس.. وُوِصِفَ الاتحاد السوفيتي بأنه «دولة رجعية مرتدة»، أما التي وصفتها بذلك فهي الصين الشعبية؛ أما لماذا فلأنها رضيت لنفسها أن تتباحث وتتراجع مع وأمام الاستعمار الأمريكي.

مفهوم التقدمية والرجعية عند بعض الجماعات:

  • التقدمي في نظر اليسار: هو الشخص الذي يقاوم ويعادي الرأسمالية والبورجوازية والدين، أي هو الرجل الذي يتبع المذهب المادي الديالكتيكي (الجدلي) "الهيجيلي" نسبة إلى هيجل، وهو المذهب الشيوعي مذهب المساواة بين العمال (الطبقة الكادحة) تحت حكم ديكتاتورية البروليتاريا الشيوعية.
  • التقدمي في نظر اليمين: هو الإنسان الذي يُسْمَح له بأن يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، أما عن طريق مباشرة، أو عن طريق غير مباشر بواسطة ممثليه في مجلس البرلمان.
  • التقدمي في نظر الإسلام: هو الإنسان الذي لا يقدم على عمل إلا بعد تروٍّ وتفكير وتبصّر، وهو الشخص الذي لا يتبع دينًا غير مقتنع به.

أما مفهوم الرجعية فهو عكس مفهوم التقدمية عند كل من الجماعات الثلاث.

ما أشبه الليلة بالبارحة:

ما الذي فعله محمد صلى الله عليه وسلم عندما تلقى الرسالة من ربه؟

1.      حرر العبيد من الأسياد.

2.      حرر المرأة من الوأد.

3.      أوجد الحرية والمساواة.

4.      حرر العقل من الخرافة.

5.      والضمير من الخوف.. إلا من الله.

6.      والشعوب من ظلم الطغاة.. وقسوة الجبابرة.

أليست هذه تقدمية؟ هل ظهرت هذه المبادئ في التاريخ قبل مجيء محمد؟ كل هذه المبادئ لم تظهر في التاريخ إلا بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. أين لينين «سفاك الدماء» من ذلك؟ أين الحرية في روسيا أو أمريكا؟ أين المساواة؟ أليس الشعب الروسي مستضعَفًا يسيره سيده وهو الحزب الشيوعي؟!

رجعية الاتحاد السوفيتي:

إن الاتحاد السوفيتي دولة رجعية؛ لأنه منع الشعب المجري والتشيكوسلوفاكي من قول وفعل ما يريد عن طريق تدخله لقمع الثورتين.

حقوق الإنسان جاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا، وكتب التاريخ المدرسية تدعي أن الثورة الفرنسية جاءت بها.. الحرية والمساواة التي جاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا، ما أكثر الكتب التي تدعي أن ماركس أول من أوجدها!

والعجيب في ذلك أن الشيوعيين العرب الذين كانوا في السابق مسلمين يغفلون ذلك برغم علمهم؛ نترك ديننا ونستورد عقائد عقيمة ومبادئ سقيمة لا تنفع بل تضر!

لقد ابتلينا بكُتَّابٍ كل همهم هو تأليف القصص الرخيصة ذات الإيراد المادي الكبير.. من طه حسين إلى إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ.. إلى سائر الفريق، فريق القصص الرخيصة الذي تسارع المطابع إلى التعاقد على طبع كتبهم، بينما كتب التاريخ الإسلامي لها كُتَّابٌ قليلون وربما يعيشون في ضائقة مالية؛ لأن الكتب الإسلامية تُطْبَع في مطابع تعطي مؤلف القصص الرخيصة أضعاف ما تعطيه لمؤلف كتب التاريخ!

لماذا لا نبتعد عن هذه الشعارات- مثل «هذا رجعي وذلك تقدمي»- ونتعرف إلى ما يهمنا فنتمسك بهذا القرآن الذي قال عنه ماوتسي تونغ عندما زاره وفد غربي: «لديكم هذا الكتاب (القرآن الكريم) وتبحثون عن موحد لكم تحاربون تحت رايته!».. هذه عبارة قالها الشيوعي ماوتسي تونغ وهي اعتراف بالفضل وبالحق، والذي يعدنا بالقوة والمنعة ونحن عنه غافلون؟!

الرابط المختصر :