العنوان التفكير المستنير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1977
مشاهدات 83
نشر في العدد 360
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-يوليو-1977
«2» التعلم عن طريق المناقشة والمنافسة والمناظرة:
الهدف هنا تحريك واستغلال الطاقة الفكرية الهائلة الكامنة لدى الدارس، ولغرض التوضيح يمكننا النظر في عضلات جسم الإنسان، فكلما نشطت واستخدمت وأثيرت كلما تماسكت وازدادت قوة، والطاقة الدماغية، كذلك يمكن تمرينها وتحريكها وإثارتها واستلابها وذلك عن طريق السؤال الذكي والتساؤل الهادف والاستدراج المنطقي.
ففي تمارين المناظرة يجرب الطالب النظر إلى الأمور من زوايا متعددة وفيها يتمرن على عدم استعجال النتائج والحكم، وفيها يستنتج أهمية الموضوعية والتجرد عن العاطفة والذاتية، وذلك حينما يلاحظ اكتسابه النقاط الناتجة فقط عن استخدام أصول المناظرة من منطق وموضوعية وتنوع، وفي تذكية القدرة على الاستنتاج.
وطريقة السؤال والجواب والمحاورة هي من أنجح الطرائق التعليمية وأهمها «39» وهي الطريقة الإلهية السامية، فلقد كان المثل الأول الذي ضربه القرآن باستخدام أسلوب التساؤل والمحاورة ومبادئ الشك «لا التشكيك» في تفهم الكون وملاحظة أجزائه، ذلك الأسلوب المعتمد على العزم الصادق في الوصول إلى الحقيقة وإلى توطيد أسس اليقين، فكان ذلك بين الله وإبراهيم، مثلًا دائمًا للفكر المستنير ودعوة ثابتة إلى تجنب الأمعية القطعانية والتبعية البهيمية.
وفي طريقة المناقشة والمناظرة إثارة واستنارة تتسق مع النمط المحمدي في التربية والتعليم الذي تميز باستجلاب الانتباه فكان «صلى الله عليه وسلم» يختار الكلمات في بداية حلقات نقاشه لجلب اهتمام ومتابعة ومشاركة صحبه «ر» مستعملًا كلمات مثل: ألا أخبركم بخير الدنيا وما فيها؟ ألا أنبئكم؟ لا يدخل الجنة عجوز.. «وفي السيرة أمثلة عامرة من النقاش المستفيض الذي كان يدور في المجلس النبوي والذي تميز بالمحاورة والمناقشة الطويلة التي غالبًا ما وصلت إلى حد المماحكة، والتي ربما بدت أحيانًا لغير العارفين وكأنها مساجلة أو زائدة» «حاشا لله».
ويظهر لي أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان يفضل أسلوب التعليم عن طريق المناقشة على أسلوب الأوامر والزواجر والوعظ المباشر، وكان يدعو إلى التنويع في الأساليب وإلى تحاشي الملل وذلك على نمط «روحوا القلب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت» «أو كما قال».
«3» التعليم باستعمال أكبر عدد ممكن من الحواس:
كلما مكنا الطالب من استخدام أكثر من حاسة أثناء تعليمه معلومة أو مهارة كلما كان احتمال تثبيت تلك المعلومة أو المهارة أكبر وأبقى، فحينما نقول للطالب «هذا الشيء لين مطاوع سهل التشكيل كالصلصال»، دونما نمكنه من الحصول على عينة من الصلصال يلمسها فإن الفكرة لن تستقر ونقول هذا خشن وذلك ناعم وهذا ناشف وذلك لزج.. دونما يمارس الدارس لمس الأربعة أنواع والتمييز بينها.
وغالبًا ما يتحدث المدرس عن الألوان لفظيًا ويسردها سردًا دون توضيح التدرج أو التفاوت بين تلك الألوان عينًا ومشاهدة، فيسمع صفات الألوان كالبنفسجي والزيتي والأفلاطوني، والنيلي والفيروزي وغيره ولا يتأكد من الفرق بينها فيؤثر ذلك على قدرته على التعبير الوصفي للمناظر الطبيعية لفظًا ورسمًا.
وفي الطعوم، ليس من المستبعد أن تسمع طفلًا يخلط بين الحامض والمالح، أو في الشم دون التمييز بين أنواع الروائح العطرة أو أنواع الروائح الكريهة، ما لم يدرب على ذلك التمييز.
وفي السمعيات يلزم تمرين الطالب على المستويات المتعددة من الصوت والنبرة والايقاع والتنغيم وجراء ذلك التمرين يتسع أفق الطالب ويتكون لديه مجال أكبر لتفهم العالم الذي يعيش فيه وإمكانية التأثير عليه ويبدأ فعلًا تفهم معنى الصوت المفكر ويدرك تمامًا ما يقصد من قوله «تعالى» ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (سورة لقمان: 19)، ويدرك أيضًا ما يوصف به بلال «ر» من جمال الصوت، وبهذا ندرب الطلاب على الحكم على الأشياء وعلى تفهمها عن طريق الواقع والإحساس، ونساعدهم بذلك على تخطي التعليم السطحي، المعتمد على تلقي المعلومات والتحدث بها واسترجاعها عند طلبها بعد وقت وجيز، والبلوغ إلى التعليم المقيد المتكون من تلقي المعارف والمهارات والتحدث بها واسترجاعها عند الحاجة وفهم متضمناتها ومغزاها وما يتعلق بها، وأوجه الاستفادة منها في مجالات الحياة.
«4» التعليم عن طريق الأداء:
معظم الناس يدركون ما يحسون وما يجربون وذلك على طريقة «ليس راء كمن سمع»، ويمكننا أن نخطو خطوة أخرى فنقول إنه ما من مجرب كمن سمع. فالتعلم عن طريق الأداء هو أثبت وأبقى وأنفع تعلم، ولنأخذ على سبيل المثال، مفهوم «اليمين واليسار» فهو مفهوم مجرد لا يعني شيئًا للطفل ما لم يمرن عليه عمليًا وجسمانيًا موضحًا بالاتجاه.. ومثال آخر هو مهارة السباحة، فربما قضى الطالب الساعات الطوال مستمعًا إلى شرح حركات اليدين وتنسيقها مع حركات الرجلين وحركات كليهما مع التنفس، فإذا ما رمى بجسمه في الماء غرق.
ولكي يستتب التعلم لدى الطالب فإنه لا بد أن تتعدد مدخلاته، فإذا كان الموضوع دراسة نبات معين، فيمكن عرض رسومات أو صور مع التوضيح اللفظي، ثم يمكن اتباع ذلك بالقيام بغرس النباتات في فناء المدرسة، ثم تنبيتها «كالطماطم مثلًا» بالتنبيت المائي دونما تربة وحيث يمكن الطالب مشاهدة مراحل النمو في أوانٍ زجاجية، وذلك ما لا يمكن مشاهدته مباشره تحت الأرض. وبمحاولات تجريبية تطبيقية محسوسة كهذه يتلاشى المجرد ويظهر الموضوع ملموسًا جليًا مشاهدًا.
فالتعلم عن طريق الأداء يهيئ الفرص لمواجهة المشكلات ودفع الطالب إلى محاولة إبداء حلول بديلة لها، يقوم بمحاولة البديل بعد الأخر واستخلاص النتائج، مكونا بذلك مقومات التفكير المثمر.
«5» مراعاة التعليم الفردي:
كثيرا ما نسمع بعض العبارات تتكرر ثم تظل على مستوى العبارات، من هذا: «الفروق الفردية» إن هذا الموضوع جد مهم ويستحق جهودًا حقيقية تبرز أسسه وتطبيقاته ومدلولاته وتخرج من حدود الأفكار إلى رحابة التطبيق وكثير منا يردد هذه العبارة ويلكوها يمنة ويسرة بينما يتحدث عن مستحدثات الجيل ومخترعات «التربية الجديدة»، واضعًا حولها هالة لغزية.
والمسألة في أبسط معانيها تشير إلى أن الناس متفاوتون والناس كما يقول العامة «أجناس» مختلفون في إمكان تفهم فكرة أو تأمل مهارة فبعضهم يدركها في ثوان وبعضهم في ساعات وكل منهم يأتي بخبرات سابقة مختلفة.
ولكني أطمئن وأؤكد لمربينا قدم هذه الفكرة.
يمكننا ملاحظة ما دعا إليه الغزالي من تنوع طرائق التدريس، وإلى التفاؤلات في معاملة الطلاب ومعالجة مشكلاتهم، وإلى الأخذ في الاعتبار اختلافهم في المزاج والاستعداد والعمر والخلفية الاجتماعية.
ويشير الغزالي إلى مهنة الطب، فيقول إن الطبيب لو عالج جميع مرضاه بعلاج واحد لقتل أكثرهم، وكذلك لو أن المعلم علم طلابه على وتيرة واحدة وعلى نمط واحد وبطريقة تدريس موحدة لأمات قلوبهم.
فعلى المعلمين أن يأخذوا في الاعتبار قدرات الطالب الخاصة وأن يراعوا مواهبه وكفاءاته وأن يسلطوا الأضواء على قابلياته لا أن يصهروها في بوتقة واحدة، وهذا يعني لزومية الاهتمام بالطالب الفرد «كل طالب» وليس الطالب الوسط «الذي يمثل الغالبية».
«6» التعلم على طريقة الخطوة خطوة:
مرة أخرى أود أن أذكر المربين بأن مبدأ التعليم المبرمج والذي من أساسياته التعليم على طريقة الخطوة الصغيرة والتدرج والابتداء بالقدر اليسير وغيرها، بأنه حقيقة ليس من مبتكرات سكنر ولا کراودر وزملائهما من قادة التربية الحديثة.
فقد عالج ابن خلدون هذا الموضوع بإسهاب وصل أحيانًا إلى درجة التطرف، ودعا المعلم إلى التركيز على تعليم القدر اليسير والواضح المدرك المفهوم من المعلومات والمهارات، مع محاولة تأصيلها خطوة خطوة، وأن تتلو الخطوة الأكثر تعقيدًا الخطوات التي سبقتها.
وهذا يظهر حرفيًا فيما تدعو إليه مدرسة سكنر فيما أسمته بالخطوات الصغيرة في إطار التعليم المبرمج، فمبدأ الخطوات الصغيرة يتلخص في تجزئة المفاهيم إلى مفاهيم جزئية وفي الابتداء بالإجمال والعموميات قبل الشروحات المستفيضة، وفي وضع الإطار العام قبل تعبئة الخانات المحددة، وفي الخلوص إلى القوانين والتعاريف والقواعد والمبادئ والانتهاء إليها لا الابتداء بها، وبذلك نوصل الطالب إلى النتيجة والقاعدة والحكمة بعد إعطائه العديد من النماذج والمتفاوت من جوانب الموضوع فإذا ما حان وقت إعطاء القاعدة أو النتيجة كان ذلك منطقيًا وفي شكل انسيابي مقبول للطالب.
«7» التعزيز الإيجابي:
ومثل آخر على ما كتبه ابن خلدون والغزالي، وما اشتهر به سكنر «أب التعليم المبرمج» واحد قادة التربية الحديثة، هو مبدأ التعزيز الإيجابي.
ومرة أخرى تجد مربينا يرد دون العبارة وكأنها عطاردية وكأنها من اكتشاف السنوات الأخيرة.
إن هذا المبدأ في مبسط شكله يعتمد على استخدام المكافأة والمديح عند انجاز مهمة ما كوسيلة لدفع الطالب على إبقاء ما تحصل عليه وعلى طلب المزيد.
وهو يعني البعد عن اللوم والتعنيف، وأيضًا نبذ الضرب والإهانة والتوبيخ، عند وقوع الطالب في خطأ أو عند اخفاقه في تحقيق المطلوب.
ويقول الغزالي إنه باستعمال هذه الطرائق السلبية سيهون على الطالب سماع اللوم ويخفف أثر الكلام عليه، ويحدث ما يسميه رجال التربية الحديثة «بالتعليم السلبي»، فهذا يجعل الطالب يؤمن بفشله ولا يحاول بعدها التحسن، بل يبدأ في فقدان كرامته ويندفع إلى العناد، ويألف الظلم والعداوة والبغضاء، ويفقد الرغبة والحماس.
وربما انخرط الطالب في سلك الكذب والخديعة والكسل.
ونخلص من هذا إلى القول بأنه إذا كان يهمنا تعليم الطالب ونمو معارفه ومهاراته فإن هناك سبيلين أحدهما سلبي والآخر إيجابي.
فالسبيل السلبي سهل على المعلم ولا يتطلب جهدًا ذا بال، وفيه مجال للمعلم أن يفرز بعض مؤثراته المتجمعة وشحانته الكامنة يلقيها على الطالب ضغطًا وشتمًا وضربًا.
أما بالسبيل الإيجابي فإنه يعامل الطالب وكأنه الند، ويتوقع من الطالب احتمال النبوغ والامتياز وإن في داخل جمجمة كل طالب احتمال وجود دماغ آينشتاين، وإن الأدمغة، كل الأدمغة، والنفوس، كل النفوس، أجهزة حساسة في أعلى درجات الحساسية، وإنه يجب معاملتها برفق وحرص شدیدین.
فمبدأ التعزيز الإيجابي يتلخص في مكافأة الطفل على جميل تصرفه وحمید فعاله وطيب إنجازاته وذلك بتشجيعه والجزل في المديح له، ودفعه إلى المزيد من الجيد المتقن من الأعمال.
إعداد مربي الفكر المستنير
إن الحديث عن أهمية الفكر عن طرائق تربية الطلاب دون معالجة موضوع المربي نفسه لهو حديث خرافة، يمكننا الاستئناس بآراء ابن خلدون في هذا المجال والخروج بها إلى نموذج ثلاثي سأوضحه فيما يتلو من فقرات وأرجو أن تفيد منه المؤسسات المعدة للمعلمين كما يلاحظ فيه موازاة بين إعداد المعلمين وإعداد غيرهم من الدارسين.
«1» مرحلة تكوين الأساس:
ينصح ابن خلدون بالبدء بتقديم النقاط الرئيسية والأمور الأساسية في صيغة مبسطة وفي أسلوب مجمل وبطريقة خفيفة على النفس، وعلى معلم المعلمين أن يقوم في هذه المرحلة باستكشاف نقاط القوة عند الطالب. وأن يقف على متجهاته الفكرية، وعلى مدى استعداده لاستيعاب المرحلة التالية التي تفوق الأولى بموضوعاتها المتزايدة كمًا ومستوى.
ويسمى ابن خلدون هذه المرحلة، التي تمثل القاعدة الهرمية لإعداد المعلم، مرحلة المعارف «انظر الرسم التوضيحي» وفيها يدرك الدارس أساسيات الأمور وعموميات المواضيع.
«2» مرحلة البناء:
بعد تمكين الطالب من الوقفة الأولية على الموضوع وبعد تكوين فكرة عامة عن إطاره وإبعاده وأجزائه الأساسية، فإن معلم المعلم يشرع بالارتفاع إلى مستويات أعقد – نسبيًا - ويتطرق إلى تفاصيل أوسع، وإلى شروحات أعمق.
وفي هذه المرحلة يتعرف الدارس على كافة المبادئ الأساسية والخلفيات النظرية للمادة والمشكلات المعتادة وفيها يشجع الدارس على التعبير والمناقشة والمناظرة، ففيها تتكون عند الطالب ما اسماه ابن خلدون بالعادة العلمية والتي اعتبرها المقام الوسط بين الحصول على المعارف ومنزلة المهارات.
«3» مرحلة المعلمية:
هذه ثالثة المراحل وأسماها، وتتميز بمعرفة كافة الجوانب، والتمكن من معالجة نواحي المادة ومناقشتها وذلك نتيجة تكوين العادة العلمية في المرحلة السابقة، وفيها يصل الدارس إلى مرتبة يمكنه فيها تعليل وشرح الأشياء والقضايا والحكم عليها. وتمثل هذه المرحلة قمة الإعداد وهي مرحلة ما قبل إجازة التدريس فهي مرحلة التأهيل لدور ومهنة المعلم.
ولغرض إقامة موازاة بين مراحل إعداد المعلم والسلم التعليمي، فالمقارنة تجري في نظري على النحو التالي:
1 - مرحلة تكوين الأساس في إعداد المعلمين تكون مستوى الثانوية العامة، وتتبعها المراحل المتممة.
2 - مرحلة البناء، تقابلها سنتان بعد الثانوية بمستوى الكلية المتوسطة، ولا تكتمل عندها مقومات مهنة التدريس.
3- مرحلة المعلمية، وتنتهي بإتمام برنامج متكامل خلال أربع سنوات جامعية بمستوى كليات التربية عندها يستحق المتخرج مسمى «المعلم».
مرحلة المعلمية «المهارة»
مرحلة البناء «العادات العلمية»
مرحلة تكوين الأساس «المعارف»
خاتمة
الحاجة إلى علم المنطق:
لكي يتمكن الطالب من القدرة على التمييز ومن خطوات التفكير العلمي لا بد من تدريبه على المبادئ والأصول والعمليات المنطقية. فإذا هدفنا إلى تخريج جيل راشد مسئؤول متعلم، فلا بد من تزويده بمهارة في شكل عملية وسلوك لا في شكل إنتاج ومعلومات مجردة. ومن فوائد تزويد الطالب بمبادئ علم المنطق:
1- حماية عقله من أن ينشط إبان عملية الوصول إلى الحقائق المستنتجة واستخلاصها من المعطيات المتواجدة.
2- تمكينه من القدرة على التمييز بين الحق والباطل أثناء قراءته ودراساته واستماعه لما يقال من تفاسير للظواهر أو براهين يعلنها الغير فالقدرة على التمييز هي العمود الفقري للعملية المنطقية.
3 - تمكينه من المعرفة -حق المعرفة- لما حوله من كائنات وحقائق عن تلك الكائنات.
ويمكننا التركيز على مادة الهندسة وجعلها محور المواد الرياضية واستغلالها كعملية تفكير وتحليل لا مجرد معطيات مسردة ورسومات محدودة وإثباتات محفوظة.
التعلم الحقيقي:
إن المعنى الحقيقي للتعلم المستفاد هو الإدراك المتكون من الخطوات الأربع التالية متدرجة من المهم إلى الأهم:
1- الاستقبال والاستيعاب.
2- الفهم .
3- التأصيل.
4 - التبني.
ومعنى هذا أننا لا نتحقق من بلوغ الطالب منزلة التعلم الحقيقي إلا إذا مر بالخطوات الثلاث الأولى.
فإن مجرد التعرف على المعلومات والمهارات وترديدها وحفظها واسترجاعها لا يعنى بقاءها والاستفادة منها ما لم تصبح جزءًا ثابتًا من السلوك ومفهومًا أصيلًا من المفاهيم، وإذا ساعدنا الطالب على بلوغ هذه المنزلة من التعلم فإنه يمكننا أن تقر أعيننا بما حققناه لهذا الإنسان وما هيئنا له من احتمالات النجاح في الحياة، ونكون بذلك قد بلغنا الأمانة.
«2» البدء بمربينا:
قبل أن نطالب بأن يكون أسلوب التعليم تربويًا مشجعًا للطفل قادحًا للفكر ممتعًا للشخصية يجب علينا أن نبدأ بالمعلم، وألا بقي كل ما قيل في الصفحات السابقة رجما بالغيب وأضغاث أحلام يمكن تحقيق نوعية المعلمين المطلوبة إذا اختير الملتحقون بمعاهد المعلمين وكليات التربية بحذر وحرص وعناية شديدة ومن ثم إذا توبع مستوى أدائهم وتطورهم أثناء الإعداد، وذلك باستخدام وسائل التوجيه والإرشاد. ويمكن أن ينتج عن ذلك النصح الحازم للدارس بتغيير متجه دراسته وإقناعه بأن مجرد استمراره في المعهد أو الكلية لن يمكنه إجازة للتدريس.
بودي أن أذكر تعبيرين تعدد سماعي لهما في ميدان التعليم دون أن أري لهما تطبيقًا. أولهما:
«فاقد الشيء لا يعطيه»، وثانيهما: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك أن تبتل بالماء فحبذا لو تبنت معاهد المعلمين وكليات التربية أولهما كشعار لهما وإشعار للملتحقين المرتقين بمتضمناتهما.
وإلا فهل من المعقول أن نتوقع أن يدرس طلابنا في جو نتصور أن يكون منعشًا مشبعًا بالأفكار النيرة مميزًا بالحيوية، وأن يتعلموا الجيد والمفيد وأن يتدربوا على مقومات الفكر المستنير.. من ناحية، بينما، في الناحية الأخرى، نضع على رأس عملية تعلمهم مدرسًا بدأ دراسته التأهلية مضطرًا حين وجد أن مستوى تحصيله في مرحلة الكفاءة المتوسطة متدنيًا إلى درجة لم يتمكن معها الالتحاق بأي معهد أو مدرسة أخرى، وحين وجد أن مستويات القبول بالمعاهد لا تطالب بأكثر من درجة واحدة فوق درجة الرسوب، وفوق هذا يجد الملتحق أن هناك مكافآت مالية سخية لا تعطيها الثانويات التي رفضته، ولا يجد حسيبًا ولا رقيبًا ولا مطالبًا بأن يحتفظ بمستوي مرموق معين لتحصليه وأدائه أثناء إعداده. وكذلك الحال في كليات التربية.
وحبذا لو تبنينا قاعدة خماسية تنص على أن الأدنى لمنح إجازة التدريس لأي مدرب هو توفر النواحي الشخصية التالية: «1» فطنة العقل «2» ثقافة الذهن «3» حدة الفهم «4» المرونة (5) المثابرة والصبر.
ولو آمنا بالدور الحقيقي للمعلم المبني على أربع دعائم: أولها توصيل المعلومات المفيدة، وثانيها تنمية المهارات المطلوبة التي تمكن الدارس من الحصول على معلومات أخري وتنميتها بنفسه وذلك عن طريق البحث الهادف، وثالثها: إقامة علاقة ثنائية بينه وبين الدارس مبنية على الحوار والبعد عن إلقاء الخطب أحادية الاتجاه والإيقاع والمعنى.
ورابعها: التنقيب عن القدرات الابتكارية والمستقلة لدى الدارس، وتنميتها، ومقاومة الإغراء بأن يميل المعلم إلى أن يصهر شخصية الدارس ويصبها في قالب شخصيته هو.
كلمة أخيرة للمربين
فيما سبق من السطور حاولت أن أثير انتباه القارئ وأذكره بما في تراثنا من غنى وثروة من الأفكار والنظريات التربوية وفي كتابات ابن خلدون خاصة، إذا رغبنا في الاقتصار، فإنه من المضايق أن نلاحظ مربينا مقتصرين على ما يسمى بمخترعات ومستحدثات التربية الحديثة وكان أصلها في أوروبا وفرعها في أمريكا، وكان روسو وفرويد وديوي وبياجيه وسكنر جاء وأقبل الغزالي والقلقشندي وابن خلدون والفارابي، وعشرات الآخرين، والحقيقة بخلاف ذلك.
إن هذا الموقف ضعيف وهو نتيجة مركب نقص فإنه من المؤلم لنا أن يظل مربونا لا يتمكنون من أن يتحدثوا بثقة وعلمية إلا إذا جاؤوا بأسلوب «قال روسو..» وأضاف بياجيه... وأردف ديوي، ومع تقديري لمن ذكرنا من علماء أفاضل، إلا أنه من غير المناسب أن نجهل أو نتجاهل أسبقية من كان من علمائنا، من إليهم هؤلاء المتأخرون مدينون نصًا وضمنًا.
إني هنا لا أطالب مطلقًا بالقوقعة الفكرية، ولكني أدعو مربينا إلى وقفة، إلى نظرة، إلى الاطلاع على ما كتبه العرب والمسلمون فيما خلا من القرون.
ودعني أسارع إلى القول بأن دعوتي هذه ليست فقط للتمكن من إضافة بضعة أسماء إلى ما قيل ومن قال في التربية.. كما أن دعوتي ليست للخلوص إلى العبارة المألوفة «العرب أول من عمل» أو «العرب أول من اخترع أو العرب أول من ألف..» - ولو أنه من المهم معرفة ما صار فعلًا ولكن معشر المربين - لتكن النتيجة في أضعف الإيمان أن توفروا الجهد والوقت والمال في محاولات يائسة لترجمة المسميات والعمليات التربوية من اللغات الأجنبية إلى كلمات شبه عربية تأتى تارة مهزوزة ومرة ركيكة وأحيانًا مفرنجة «41» وأحيانًا تبقى ألغازًا وأحاجي.
وجملة القول إنه يمكننا أن ننحو بتركيز نحو تربية الفكر المستنير عند الطلاب إذا نحن صممنا مناهجنا وأعددنا معلمينا وطبقنا مقرراتنا على منوال متوال تجثم وراءه الرغبة في توعية الدارس وكشف الغشاوة عن بصيرته واستجلاب القوى الذهنية الهائلة الكامنة لديه، ومساعدته على تكامل شخصيته، فيمكننا أن نعيد تصميم مناهجنا في شكل مجموعات متمحورة فالدروس الدينية من تفسير قرآن وحديث وفقه وتوحيد في مادة الدين بدلًا من تفتيتها وتفريقها اصطناعيًا بالنسبة للطالب في مستوى الطفولة وكأنما محتويات تلك الأجزاء متباينة وكأنها لا تمت لبعضها بصلة، وعلينا في نفس الأثناء تدريب المعلمين على الأسلوب المقترح في طرائق تنفيذ المنهج المتكامل.
«38» عبد الرحمان بن خلدون مقدمة العلامة ابن خلدون. بيروت: دار احياء التراث العربي، د. ت، 733 - 808 هـ «1332 - 1406 م».
العبارة أعلاه مترجمة من
«39» سميح عاطف الزين، طريق الإيمان - بيروت: دار الكتاب اللبناني د. ت.، ص 19.
«40» هذه محاولة لتصميم نموذج يبين تدرج وارتقاء التدريب واقتناء المهارات وهو يجمع بين ثلاث عناصر:
«1» المسميات التي اقترحها، «2» ما أشار إليه ابن خلدون «بين الأقواس»، «3» والنموذج الهرمي ذاته يشبه هرم إبراهام ما سلو عن الارتقاء التسلسلي في نظريته عن الدوافع الإنسانية.
«41» أمثلة على ذلك: «سيكلوجية»، «كشنالت» بيداغوجيه.
«1» إبراهيم الجبالي. الإسلام دين الفطرة. حلب:
مكتبة الهدى، 1392 هـ «1972م».
«2» إبراهيم النجار والبشير الزريبي. الفكر التربوي عند العرب: مختارات من أمهات الإثارة تونس: النادي الثقافي لدار المعلمين 1973م.
«3» أحمد محمد جمال. مفتريات على الإسلام - بيروت: دار الفكر، 1392 هـ «1972 م».
«4» إخوان الصفا - رسالة عن العقائد الإسلامية.
«5» حاجي خليفة. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. جزءان. إسطنبول: وكالة المعارف 1362 هـ «1943 م».
«6» عباس محمود العقاد. الفلسفة القرآنية - بيروت: دار الكتاب العربي، 1969.
«7» عبد الرحمن بن خلدون مقدمة العلامة ابن خلدون. بيروت: دار إحياء التراث العربي 1969.
«8» على الحسني الندوي، مهمة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية محاضرة منشورة. الرياض: وزارة المعارف 18 هـ.
«9» على الماوردي - أدب الدنيا والدين- القاهرة: المكتبة العلامية د. ت.
«10» على محمد التوحيدي وأحمد محمد بن مسکویه الهوامل والشوامل، تحقيق أحمد أمین. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370 هـ «1951 م».
«11» عمرو بن بحر الجاحظ - «رسالة في المعلمين»، في رسائل الجاحظ - جزءان. القاهرة - مكتبة الخانجي 1384 هـ «1964 م».
«12» فاخر عاقل التربية قديمها وحديثها.
بيروت: دار العلم للملايين 1974.
«13» محمد شديد - منهج القرآن في التربية - بيروت: دار الأرقم، د. ت.
«14» محمد الفارابي. المجموع للفارابي. د. م - مطبعة السعادة 1325هـ «1907م».
«15» المملكة العربية السعودية - سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية. الرياض: وزارة المعارف، 1390 هـ «1970».
«16» يوسف بن عبد البر القرطبي - جامع بیان العلم وفضله - د. م.: إدارة الطباعة المنيرية د. ت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل