العنوان التفكر في كتاب الله «العربي» عرف هذه الصنعة واستخرج منها الكنوز
الكاتب جميل القرشي
تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1727
نشر في الصفحة 54
السبت 18-نوفمبر-2006
التفكر في كتاب الله يعني حالة من الإمعان والتأمل المتواصل الذي يقودك إلى اتساع عمق دائرة فكرك وخيالك، وكلما كان المتفكر فيه عويصًا متسعًا غنيًا، كانت حالة التفكر أكثر متعة وأحلى نتائج.
وكلما زاد تأثير النص في السامع أو القارئ زاد اهتمامه به وبهذه الأجواء نزل القرآن الكريم، وراح العربي ينظر في هذا الكلام ويتفكر فيه، وفي كل مرة يغليه القرآن الكريم، فلقد عرف العرب البلاغة ولكنهم لم يعرفوا بعد هذا النوع من البلاغة الغربية عنها من نفس جنس لغتها وكأن القائل العربي يحدث نفسه هل تحمل اللغة العربية - فعلًا - كل هذا الكم من البلاغة؟!
وكان الجواب الفوري لا فاللغة لا تحمل ولكنها تحمل وكل صانع أو شاعر يحمل اللغة من بلاغته، إذ إن اللغة صماء ولكن مستعملها هو الذي يتحكم بها يعالجها بفهمه وفقهه وقدرته على صياغة المعنى، ولكن العربي صدم تلك الأيام صدمة أنسته كل هذا.
فما الذي صدم العربي حتى أوقف لغته وهو على ما عليه من تناطح اللغة؟ السبب بكل بساطة هو التفكر ولا سبب آخر، فالعربي يعرف العربية وأقوالها، وهذا القرآن لا صورة متخيلة فيه. وإنما حقيقة أو وصف الحقيقة أو فكرة لا يعرف حقيقتها كأخبار الأمم السابقة، فمن أين له أن يأتي خلال ثلاثة وعشرين عامًا بهذا الكم الهائل من المفردات والمعلومات ليكتشف كل التاريخ السابق وكل ما كان وما هو كائن وما سيكون؟
وكانت الصفعة الثانية ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة:٢٣) فراح العربي المتفكر يسمع التحدي ويطرق رأسه ولم يتكلم بل لم يحاول. فما الذي أوقفه؟
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:
تفكر العرب في هذه النصوص التي تارة تنزل تعالج الميتة، وتارة تنزل تعالج ملائكة السماء، وأخرى تتحدث عن نبي مر من تلك الديار قبل آلاف السنين من أين يأتي كل هذا ومحمد صلى الله عليه وسلم لا رحالة معروف ولا دارس موصوف بل رجل مستقيم صادق من بيت عريق ليس له صنعة شعر ولا وعظ سابق ولبث فيهم عمرًا أربعين عامًا وفجأة يحدث بموضوعات عجيبة غريبة في لغة راقية مثيرة لا يحسنها أكابرهم ولا عظماء شعرائهم من أصحاب المعلقات وأمثالها، فهل يمكن هذا؟ وهل يمكن أن ينام هذا الرجل وفي الصباح يقول ﴿اقْرَأْ باسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)، فيشمل مخلوقات الله عز وجل كلها على عددها غير المحصى، ولا المدرك في صورة لم تر العرب مثلها في اللغة، وكان كل ذلك. على ضخامته - معروف مدرك بدهي لا يحتاج من هذا الرجل أن يكلف نفسه عناء التصريح به، إذا كان بمثل هذه الأهمية.
والمأثور عرفًا أنه لو قتل أحدهم أسدًا لتغنى بذلك طويلًا، وهذا الرجل يتحدث عن الكون كله ولكن لغته لا تكترث أن تصرح بذلك، ولا حتى بضمير واحد متصل أو منفصل أو حتى بضمير مستتر. ويزيد هذا الرجل الأمر صعوبة ليقول ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:3-5)، وهو نفسه لا يعرف كيف يخط بالقلم وهذا من أعجب ما واجه العربي المتفكر المخضرم، فهذا الرجل يفاخر بالقلم الذي لم يكتب به يومًا سابقًا ولا يكتب به نصه الذي أتى به، فكيف يفتخر به بل ويعالي ويسامع بأن ربًا يقول له اقرأ وهو لا يعرف القراءة.
المتفكر العربي الواعي صدم بهذا كله. لا لأنه لا يستطيع أن يركب خمسين حرفًا فوق بعضها ولكن لأن الخمسين حرفًا هذه جاءت بصورة ما عهدها في لغته موضوعًا وبهذا القالب المبهر.
محمد صلى الله عليه وسلم لم يضرب مثلًا، ثم توقف بل راح يتلو نصًا إثر نص في تلك اللغة العربية المعروفة المشهورة، يقارع أباطرتها وفحولها ويتحداهم، وهم الذين أبلغوا واعتلوا حتى وصلوا من البلاغة حد أن وضعوا فعلًا – بل جملة – بحرف حين قالوا ق، وهو فعل أمر بمعنى اتق.
المتفكر العربي عرف هذه الصنعة وهي صنعة التفكر واستخرج منها الكنوز حين رشد وكلما تفكر أكثر عرف أكثر فكان المتفكر العربي من أوائل من أسلم وسلم وعرف وتعرف ورشد وأرشد، وتبع واتبع فقط بميزة التفكر الجدلي التحقيقي، ثم التفكر التوافقي الاختباري ثم التفكر الدراسي المنهجي، ثم التفكر التطبيقي، فكان أن صار العربي المتفكر واليًا على دمشق وبغداد وعمان واليمن. التفكر ميزة لا يمكن أن تنال ببساطة لكنها إن نيلت رفعت ورفعت صاحبها لتصل به إلى مستوى سامق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل