; التغيير: بمن؟ وإلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان التغيير: بمن؟ وإلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003

مشاهدات 81

نشر في العدد 1562

نشر في الصفحة 47

السبت 02-أغسطس-2003

التغيير الذي يتحدث عنه الناس، ويهيم به البعض ينبغي أن يكون بيد الشعوب لا بيد عمرو، أو بفعل المستعمر، حتى لا يكون هذا التغيير خاوي المعنى، ضائع القصد، فاقد التأثير، عديم الفائدة، فالعاجز لا يغير، والعميل لا يغير، والعدو لا يغير، كما أن التغيير ليس عملًا اعتباطيًا عشوائيًا شائها يقوم به معتل أو معتوه، ولكنه فعل عاقل واع تحكمه قوانين وإدارات وإمكانات ومخططات، لا يستطيع أن يقوم به قوم عمي فقدوا هويتهم، وتعبوا من التسكع على الأرصفة وفي حانات الرذيلة، وعاشوا على موائد اللئام واستدعوا ليكونوا أصنامًا ودمى يلعب بها هنا وهناك، وتعطى لهم الألقاب لينترس بهم الطامعون في خيرات الشعوب وسراق الأمم ودجاجلة العابثين والحاقدين.

التغيير ليس مهمة فرد مهما كانت قدراته، ولكنه عبء ثقيل يحتاج إلى طاقات مؤمنة قادرة على القول والفعل، ويتطلب مصلحين وروادًا يتحملون الصعاب والمعوقات والتكاليف والأعباء، ويواجهون التحديات والأزمات بعزم لا يلين، وفكر لا يستكين، ويقوم على لبنات صلبة ونفوس يقظة، وبصائر مستنيرة، ليست مغمضة العينين أو هائمة في الوهم والخيال الطفولي الساذج، وليست ملوثة اليد والذيل.

التغيير لا يأتي على دبابة، أو من فوهة مدفع أو في ظلال طائرة راجمة للقنابل تشق طريقها بالقهر والدماء، وترغم الناس -وفق تصورات خاصة بها- على طريق مشبوه تحفه المخاطر والكوارث وبالقهر والإرهاب والاحتلال دون تبصرة أو روية أو تشاور. 

التغيير لا يأتي بالاستغلال، والتلويح بالسراب والأماني الكذاب التي سرعان ما ينكشف زيفها ويتجلى تناقضها، ويظهر إفلاسها الفكري والمنهجي، فيسود الرعب، ويشيع الهلع، ويفقد الأمن، وتضيع الأماني والأحلام، ويشعر الناس أن التغيير الذي وقعوا فيه جاء كارثيًا وحل بالدواهي والنكبات، ولم يؤد إلى النتائج المرجوة، وإنما فتح أبوابًا جديدة للفتنة والفساد لعلها تكون أشد مرارة وأقسى تأثيرًا عما سبق وانقضى، وكثيرًا ما تدفع الشعوب الثمن غاليًا من حريتها، وكرامتها وتقدمها، ويجر ذلك إلى واقع أشد سوادًا وعذابًا وهلكة.

      يجب أن يعلم أن الإنسان هو اللبنة الأولى في التغيير والأساس المتين في البناء الاجتماعي الشامل، هذه حقيقة ينبغي فهمها جيدًا، ومن أجل هذا قال -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: ۱۱) وتغيير ما بالنفس لا يتم باحتلال، أو بأقوام مجروحين لا ثقة فيهم، يتكالبون على المغانم، وإنما يأتي بهداية أسرة وقدوة عظيمة، وحوار بناء وتفاهم وإقناع: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: ٩٩). 

والجهد الذي يبذله صاحب التغيير لتغيير نفسه هو البداية لتغيير الآخرين؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، قد يحسب الناس أن التغيير يكون بمعركة حربية تنجلي عن نصر أو هزيمة، ولكن المعارك تزيد الأحقاد، وتكتب بالدماء والأشلاء ظلم الطغاة لا هداية المصلحين، وحضارة المتخلفين لا تقدم العاملين، إن التغييرات الكبرى في التاريخ الحضاري كانت دائمًا حصاد عقول وجهود دائبة مضنية للعلماء والباحثين والهداة، وليست صولات (جنرالات) أو قوة جيوش، وكانت نتيجة لاستقرار وهدوء نفسي وذهني تفتق عن ثمرات الأفكار التي رعاها رجال أمناء، وحولوها إلى قوى فاعلة حررت النفوس من الموروثات والتقاليد الفاسدة، ودفعتها نحو الجد والإخلاص والتفاني لغاية سامية ونبيلة، وهياتها لمرحلة تسود فيها الأخوة والعدالة والإنصاف والحكمة والتوجيه السليم.

ثم من الذي سيغير حالنا اليوم إلى أفضل الأحوال؟ أهم تجار السلاح الذين يشعلون الحروب، ويدبرون الانقلابات، ويدوسون قيم الحق والعدالة والحرية، كي يفتحوا الأسواق الخارجية لترويج السلاح واستنزاف ثروات الأمم الضعيفة الفقيرة الجاهلة؟

      أهم الذين يحاصرون الدول الفقيرة ويوقعونها في أزمات اقتصادية خطيرة حتى تثور الشعوب على حكامها الذين لا يريدون الخضوع للفساد والاستغلال والقهر؟ أهم الذين ينقضون على الشعوب لنهب ثرواتها ولتذهب تلك الشعوب إلى جحيم الفقر، والحرب، والموت، والخراب؟ المهم أن يستولوا على مواردها الخام وعلى مقدراتهم وأقواتهم.

إن عدوان الإنسان على الإنسان، والقوي على الضعيف أصبح وحشًا قاتلًا يهدد البيئة الحضارية، بل الإنسانية التي هي مصدر حمايتنا وبقائنا على هذا الكوكب الأرضي، فلقد تلوثت البحار والهواء والنبات، أهؤلاء هم أهل الخير الذين سيغيرون إلى الأفضل؟ 

إن من يدعون التقدم اليوم يضعون أعينهم على كل شيء، حتى على اللقمة التي في أيدي المحروم، ويتمتعون بعنصرية خطيرة أفسدت حياة الناس بفسادهم ولوثتها بأفعالهم، لقد سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الزمان فقال: «أنت الزمان فإن صلحت صلح، وإن فسدت فسد». 

لقد انكشفت الشعارات ورموز المبادئ التي تغنى بها هؤلاء الناس، وتغنت بها الحضارة الأوروبية الأمريكية، وتشوهت القيم النبيلة التي كانوا يخدعوننا بها، وأصبحت الفكرة الناجحة هي التي تحرسها القوة، ويروج لها الإعلام الخائن، وترضي غرور تجار الحروب، وسراق الأمم والشعوب، إن الإنسان العاقل اليقظ المتوازن عقليًا ونفسيًا يستطيع ببساطة اليوم ودون عناء أن يعرف النتائج التي ستؤول إليها الأمور، ويعرف أن التغيير الحقيقي هو في ذاته وجهده وعقله، وما أظن أن الأمة بعد هذه التجارب المريرة ستظل مخدرة أو مخدوعة، وقد طلعت الشمس وافتضح السراق.     

الرابط المختصر :