الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
مكتبة المجتمع
رحلة الحياة
مشاهد وتجارب مثيرة وهادفة
تأليف الأستاذ الدكتور: أحمد شلبي
نشر: مكتبة النهضة المصرية
عرض الأستاذ: عبد الحليم عويس
لعل الفترة المعاصرة من حياة أمتنا العربية أحوج الفترات إلى أن يكتب عنها، وأن تسجل أحداثها وتجارب الأمة فيها.
والكتاب والمؤرخون هم أول من يقع عليهم عبء هذا الواجب الذي يعتبر أبرز الواجبات الملقاة على عاتقهم.
وحياة المهتم بقضايا الأمة -ولاسيما كتابها- جزء من حياة الأمة.. ومن الخيانة للحقيقة والتاريخ كتمان هذه الصفحات.. من التجارب، والمشاهدات، والآراء المثيرة، والهادفة.
ومن بديهيات الأمور أنه لا يمكن الفصل في الإنسان الفرد بين شخصه وبين الأحداث العامة المحيطة به، لأنه- في الحقيقة- لا مجال لذلك البحث المنفصل عن محدثه، ولا مجال للموضوعية المطلقة التي يقف فيها المرء مجردًا من كل التأثرات .
ومن هنا.. نجد ما قام به الدكتور أحمد شلبي من المزج بين الموضوعات الخاصة والعامة.. أو التجارب الكبرى التي مرت بها الأمة وتجاربه الخاصة، نجد ذلك أمرًا معقولًا.. بل واجبًا.
وفي قرية- عليم- من أعمال محافظة الشرقية نشأ الدكتور أحمد شلبي، وأمضى سنوات حياته الأولى، ثم خرج منها إلى معهد الزقازيق الديني حيث أتم تعليمه الأزهري الابتدائي والثانوي) إلى أن التحق بكلية دار العلوم «جامعة القاهرة» سنة ١٩٣٩م.
وجلى أنه عبر هذه السنوات قابل الأستاذ الدكتور كثرا من الوضعيات- والتجارب- التي تعكس لنا صورة المجتمع الأزهري، وصورة قطاع من المجتمع المصري في تلك الحقبة من التاريخ المصري- والعربي- الحديث..
ولما كان الدكتور طالبًا نشيطًا في دراسته وفي مجالات النشاط المختلفة، كالمجالات الأدبية والقومية والسياسية، فإنه قد خرج من هذه المرحلة برصيد وافر من التجارب والملاحظات سجله للقارئ عبر سبعين صفحة صفحات الكتاب التي تربو على ثلاثمائة وأربعين صفحة من القطع من الكبير..
سجل هذا الرصيد بأسلوب ممتع وواقعية مشرقة تعكس.
براءة وأصالة المجتمع المصري
«الهادئة إلى درجة بعيدة»
قبل أن تدهمه الأساليب الحديثة المعروفة!!
لقد كان ثمة ملاحظات على أسلوب الحياة في هذا المجتمع وأيضًا على الأزهر، وكذلك على دار العلوم.
نعم، هناك ملاحظات كثيرة وأساسية لم يبخل الدكتور في سرد الكثير منها وفي إلحاح على إصلاحها لكن ذلك لم يكن يعني أبدًا أن نضرب الرأس التي أصابها الصداع بالفأس.. بحجة إنها مريضة- كما تم حين صدر قرار تنظيم الأزهر الذي أدى إلى تمييع رسالته- باعتباره حامي الإسلام- وحين أرادت جماعة الصليبيين- كلويس عوض- والشيوعيين- كجماعة الطليعة- تجهز على دار العلوم- باعتبارها حامية العرب- لولا أن الله أراد بالأمة خيرًا.. فقدر أمرًا آخر!!
إن هذا المعنى هو الإيحاء الجميل الذي توحي به دراسة الدكتور أحمد شلبي لحياة الأزهر والقرية ودار العلوم في هذه الحقبة من تاريخ مصر.
في سنة 1939 قامت الحرب العالمية الثانية، وفرض جو من القلق والاضطراب على الجنس البشري كله، ولعله ليس من المبالغة القول: إن كل الأحياء قد تأثروا- بطريقة ما- من هذه الحرب الضروس.. ولقد قدر للدكتور شلبي أن يدفع نصيبه في هذه الحرب فتأخر عدة سنوات في البعثة إلى الخارج، مع أنه كان أول خريجي دار العلوم سنة 1943م، ولعلنا نلمس النقلة العجيبة في حياة ابن قرية «عليم» في «كمبردج»، مع واحدة من أشهر قلاع العلم في الحضارة الأوروبية!!
والمهم أن الدكتور أمضى دراسته هناك، حيث حصل على الدكتوراه عن بحثه المعروف «تاريخ التربية الإسلامية» ولم يكد الدكتور، يخلد إلى الاستقرار النسبي، ويبدأ في رد الجميل إلى وطنه الذي بذل الكثير؛ لكي يوفر له ما تتطلبه مراحل التعليم الآنفة الذكر..
لقد التحم الدكتور بعديد الأنشطة والمجالات، وخرج بحصيلة من التجارب الاجتماعية والفكرية والسياسية كان هذا الكتاب حصادها.
وقد فازت الهيئات والأحزاب بأوفر نصيب من آراء الدكتور.
ولم يخش في أرائه لومة لائم وكان- بحق- موضوعيًا ومنصفًا.
لقد ذكر الدكتور- صراحة- أنه ليس من الإخوان المسلمين، وذكر أن قوائم الإخوان المسلمين خلت من اسمه لكن ذلك لم يمنعه أن يذكر في صراحة مماثلة وقوة محمودة كلامًا نعتبره من أقوى ما قيل في مصر ما بعد 15مايو1973
قال الدكتور:
هكذا خلت قوائم الإخوان المسلمين من اسمى تمامًا وليس ذلك شيئًا أفخر به، ولكنه حقيقة أقررها، ونحن نذكر أن هذه الجماعة لعبت دورًا إسلاميًا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب إلى الإسلام مفخرة يعتز بها الكثيرون وربطت بين المسلمين في مختلف الأنحاء وكونت من المسلمين قوة هائلة هزت غطرسة الاستعمار وقوى الغرب وطلائع الصهيونية، ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعات تعرف الله وتخافه، وبالتالي تنتج بجد، وتعمل دون رقيب من الناس، ولا تمتد لها الشبهات، ولا يمسها الانحراف، وكانت كلمة «من الإخوان المسلمين» طابعًا للتنزه عن الصغائر، والبعد عن الرشوة والإهمال والحرص على أداء الواجب، وحيثما رأيت الآن رجلًا يبرز به هذا الطابع فاعرف أنه كان غالبًا منتسبًا إلى هذه الجماعة «ص 147»
«لو سارت جماعة الإخوان المسلمين في طريقها الإسلامي- دون عوائق- لكان للمسلمين الآن شأن آخر، ولما استطاعت قوى الشر أن تنال من المسلمين أو تعتدي عليهم فكم من لسان أخرسته قوة هذه الجماعة وكم من عدو توارى خوفًا من الإخوان المسلمين، فلما اختفت هذه الجماعة ظهرت أنياب الأعداء، وأخذت تهاجم المسلمين بشراسة، وكانت هذه الأنياب من قبل كليلة هزيلة» «ص147»
إن صدور هذا الكلام في مصر.. له عدة دلالات مهمة فهو أولًا دليل على أن الحق لا يمكن أن يظل مقهورًا إلى الأبد وهو دليل على الشجاعة الأدبية العالية التي يتحلى بها الأستاذ المؤلف.
ولقد تعرض الدكتور لبعض الظروف، وصدر قرار سنة 1954 بفصله عن عمله في الجامعة، وفي هذه الفترة، ذاق الدكتور شلبي الكثير من الآلام والمتاعب، حتى الجوع القاتل، ولقد عاد- وهو بدرجة مدرس في الجامعة- إلى العمل كمدرس بالمدارس الخاصة المتوسطة -الإعدادية-؛ كي يبقى «هو وأسرته» على قيد الحياة!!
وقد زاول الدكتور-في الطريق- أعمالًا أخرى، كالعمل في المؤتمر الإسلامي «الذي أصبح الآن مركزًا للاتحاد الاشتراكي» وذلك إلى أن تمت إعارته إلى حكومة إندونيسيا كأستاذ في جامعتها الإسلامية.
وفي إندونيسيا بذل الدكتور الكثير للإسلام والمسلمين..
فتعلم الإندونيسية، وعلم بها وألقى بها المحاضرات، واندمج بها مع الجماهير، وحل في حياته الأمن محل القلق، فقد كان الدكتور قبل ذلك- في مصر- يخاف «كلما دق أحد الباب ويتوقع السوء».