; المجتمع التربوي.. عدد 1176 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1176

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

مشاهدات 92

نشر في العدد 1176

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

حول قصة طالوت وجالوت قراءة في أوراق جولة في التدافع الحضاري (7من7)

التغيير الحضاري يحتاج إلى أصحاب النفس الطويل

بقلم: حمدي شعيب

«صور الابتلاء متعددة، ومن ينجح في الأولى قد لا ينجح في الأخيرة، والعبرة بمن يثبت في النهاية»

19- ونحن لم نزل في الميدان، ومع هدوء جلبة السنابك وصليل السيوف، ولم يزل غبار المعركة يعطر أنوف المتابعين لمسيرة أمة، قد تجاوزت مرحلة الوهن والذل إلى مرحلة النصر والغلبة والظهور، ومع غبطتنا ونحن نستشعر بزوغ الخيوط الأولى لفجر النصر، فإن لنا وقفة تدبر وتأمل لأبعاد وخطوات عملية التغيير والتحول الحضاري في تلك الجولة الناجحة، وتلك التجربة الجهادية المظفرة، فبعد أن تحقق الشرط الأول للجهاد في سبيل الله، وهو إرادة القتال، والشرط الثاني وهو اختيار القيادة الواعية الحكيمة الربانية، كان لا بد من وجود الفئة المختارة القدوة والطليعة والقاعدة الصلبة التي تستعصى على الصعاب وتترفع عن الدنايا، وتعطى المثل لأجيال ستأتي وتقرأ عن مسيرتها المباركة المظفرة، لذا كان لابد من التمحيص والتصفية لاختبار شتى جوانبها ومختلف أركانها، لإبراز جميع صفاتها القويمة، ولم يأت الابتلاء على صورة واحدة، بل تنوع واستمر مع استمرار مسيرة الجهاد، فبدأ قبل التحرك وهم ما يزالون داخل وطنهم، وامتد إلى لحظات المواجهة وأثناء التحام الصفوف، وقبيل شروق فجر النصر، وكان من خلال عقبات أربع:

الأولى: عقبة اختبار جدية الأقوال والاقتراحات، ومدى قوة إرادة الجهاد في سبيل الله، وسبر غور أصحاب الشعارات. 

والثانية: عقبة بروز الذات، وما تجر إليه من الاعتراض على القيادة، والتمرد، وعدم الطاعة.

والثالثة: عقبة الشهوات والرغائب.

 والرابعة: عقبة الهزيمة الداخلية داخل الصف المجاهد.

وهذه الوقفة التأملية ينبغي للعاملين المجاهدين أن يتدبروا فيها عدة ملامح تربوية:

 أ- إن مسيرة الجهاد والتمكين وعملية التغيير الحضاري، طريق طويل يحتاج إلى أصحاب النفس الطويل، ولا ينفع فيها عنتريات مؤقتة أو فورات عارضة.

ب. أنها عملية تحتاج إلى جماعة تؤمن بفكرة واضحة، وتأتمر بقيادة واحدة، أي جماعة على قلب رجل واحد.

ج- ليس فقط لابد من الابتلاء، ولكنه متعدد ومستمر مع مسيرة العمل والجهاد، والمجاهد لابد أن يكون على حذر ويسأله سبحانه الثبات.

 د. على تعدد صور الابتلاء يتبين أن من يثبت في الأولى ليس شرطًا أن يثبت في التالية، وتأمل تجربة الصحابي البدري الجليل حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه – الذي ثبت في بدر، ولكنه تعرض لمحنة ونجاه منها حكمة قيادته وبذله وسبقه، ومن هنا نستشعر معنى أن المجاهدين قبل أن يكونوا طلاب حق فهم طلاب عافية وذلك، كما وصى الحبيب: «لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ[1] » (البخاري:2965).

ج- إن هذه القصة أجابت عن «سؤال كبير هو محل حوار كبير في الحركة الإسلامية: هل التربية أولا ثم المواجهة والمعركة أم التربية من خلال المواجهة والمعركة مع الباطل؟

وكلما دق ناقوس الخطر في الحركة الإسلامية، ووقعت في محنة ونزلت بها نازلة تعيد السؤال من جديد، لماذا أخفقنا؟ .. لأننا لم نتدرب بعد، وكيف تكون التربية؟ ويؤسفني أن أقول: إن مفهوم التربية قد مسخ إلى عملية التثقيف وملء الذهن بالمعلومات. ولاشك أن عملية التثقيف جزء من عملية التربية، لكن التربية أوسع وأعمق وأشمل، إن التربية النبوية لم تكن يومًا واحدًا بعيدة عن الواقع أو الساحة، إن التربية عملية مستمرة دائبة دائمة، تتم بالتعامل مع الواقع ومواجهته لتغييره، حتى يكون الواقع الحق، فالتربية قبل المواجهة وأثناها وبعدها، ومسئولية الحركة الإسلامية أن تفقه الواقع الذي تتحرك فيه، وتفقه طاقتها وقدرتها الذاتية على المواجهة بالحوار أو الحديد ذي البأس الشديد، حين تكون قادرة على ذلك أو بهما معًا لأنه لا انفصال أبدا في التربية الجهادية بين الدعوة والجهاد[2]»

سنة التدافع الحضاري

          20 - ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة:251). 

وهكذا كان التعقيب الأول والدرس المباشر حول القصة والمعركة، وهو موجه إلى الجماعة المسلمة قيادة وجنودًا، وقد تكون القصة كلها دليل تطبيقي، وخلاصة «سنة التدافع» التي تأكد ربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، لقد شاء سبحانه أن يدفع البلاء والهلاك عن بني إسرائيل بطالوت وجنوده، ولقد ربط سبحانه هذا الحدث الخاص بسنة كونية إلهية عامة، وهي «سنة المدافعة أو التدافع» وهو قانون قرآني رباني عام، أشبه بالمعادلة الرياضية التي لا تحابي ولا تتبدل، فمن حكمته سبحانه أن يكون الصراع والتنافس والتدافع سواء فرديًا أو جماعيًا، بين الحق والباطل بين الخير والشر بين الإيمان وأهله والكفر وأهله، حتى لا تفسد الأرض بغلبة الباطل، ولهذا كان من فضله سبحانه أن تستمر تلك السنة الإلهية، ما دامت السماوات والأرض (لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه الله لها، وتعرف طريقها إليه، وتعرف طريقها واضحًا، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض ومن هنا يمضى الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة، ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر، ذلك أنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة، إنها تنتصر لأنها تمثل غاية عليًا تستحق عليها الانتصار [3]».

أي أن ما حدث لبني إسرائيل مع العمالقة الفلسطينيين، ما هو إلا جولة وحلقة من سلسلة الحلقات في عمق التاريخ البشري. تمت من خلال تحقيق سنته سبحانه، في تدافع وصراع الخلق، من أجل صلاح الأرض وحسن استعمارها بقيام الجماعة الخيرة البانية التي تصلح ولا تفسد، وتعمر ولا تدمر وتبني ولا تهدم.

ولقد فهم الجيل الأول خاصة الجنود مغزى هذه السنة الإلهية، وآيات تلك السورة، وهي من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة، وقد ربطت واقعهم ومغازيهم خاصة «غزوة بدر الكبرى» بتاريخ الدعوة على مر التاريخ، وفهموا أن هنالك صراع وتدافع، وفقهوا ببساطة أن هناك سننًا لله في خلقه للتغيير الاجتماعي للأمم، لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي، وأن من هذه السنن التدافع الحضاري التي على ضوئها ستكون هناك فئة مرشحة للتمكين بخيرتها حتى لا تفسد الأرض، فكانوا لها وكانت لهم.

وما أحوجنا لفقه عميق لسننه سبحانه في الأنفس والآفاق، وحسن التعامل معها، وما أحوجنا لمزيد من الثقة في منهجه سبحانه، فلا يجب أن يخدعنا ظاهر، ولا يليق أن نستسلم لواقع طارئ من سيمته التغير والتبدل، وما أحوجنا للتفاعل البناء مع سننه سبحانه التي توضح عوامل السقوط والنهوض في دورات التاريخ الحضارية، لذا عندما يحتار العقل أمام ضغط واقع الأمة، ويحاصر الذهن، أمام تساؤلات شتى منها: تُرى هل انتهى صراع أمتنا الحضاري المعاصر مع أعدائها؟! تُرى هل ظهرت وانتصرت تلك الفئة البانية الخيرة المنشودة التي ستصلح ولا تفسد كنتيجة الصراع؟ ترى هل نظام عالمنا الجديد الحالي هو المرشح لهذا الدور القيادي؟ ترى ما معالم النهوض؟ فإن تدبر هذه القصة، وفقه تلك السنة يعطينا الإجابات الشافيات، ويبقى الدور على من عنده نية المشاركة أو المناصرة لمن نذر نفسه ونادى: أنا لها.

الثقة في المنهج.. وفي القيادة

21-﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران :108). 

وكان هذا هو التعقيب الثاني على القصة، وهو موجه إلى القيادة المسلمة إلى الحبيب صلي الله عليه وسلم حول الثقة في الرسالة وفي الرسول صلى الله عليه وسلم، حول الثقة في المنهج وفي القيادة، أي أن هذه الآيات العالية المقام ذات الدروس العظيمة التي قصصناها عليك، تحمل معها الحق وكما وقع لبني إسرائيل، ويتلوها سبحانه صاحب هذا الحق، ولتزداد خبرة بتجارب الأولين، ولتكن على ثقة من طريقك، فما هو إلا امتداد لذلك الموكب الإيماني، ولتكن على ثقة من نفسك ودورك. فأنت تحمل ميراث المرسلين أجمعين.

وهذا التعقيب يلقي بعض الإيحاءات الطيبة والإيماءات التربوية، حول أهمية الثقة في المنهج، وفي المرجعية. وفي مصدر التلقي الذي يجب أن نستقي منه الحق، فيجب أن يكون القرآن دستور المجاهدين العاملين، وكذلك حول أهمية القيادة، وأهمية إعداداها. واستمرارية تربيتها وتوجيهها، وضرورة ثباتها كمحور يدور حوله ومعه الجميع، وأهمية الثقة المتبادلة بين القيادة والجنود، وكذلك أيضًا حول أهمية وضوح الطريق، وفقه سننه سبحانه، ومنها سنة التداول وسنة المدافعة وسنن النصر وقواعده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

النافذة التربوية

الشتاء ربيع المؤمن

روى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - عن النبي له قال: «الشتاء ربيع المؤمن» وأخرجه البيهقي وغيره، وزاد فيه «طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه»

بعد صيف قاسي الحرارة، شديد على الأبدان والأرواح، وبعد صعوبة في أداء النوافل والعبادات، ليل قصير لا يسعف الكثير من الاستيقاظ لصلاة الفجر فضلا عن قيام الليل إلا من رحم الله، ونهار طويل يجعلك تفكر مرارًا وتكرارًا في مدى استطاعتك في صوم التطوع.

بعد هذه الحياة الصعبة على الجوانب الإيمانية في النفس الإنسانية، وقد سكب المطر قطرات الماء على أغصان الأشجار حتى تعود ندية طرية طلعتها بهية، كما تسكب معها قطرات روحانية ربانية على القلوب القاسية، عسى أن تلين وتعود إلى ربوع الإيمان الصادق لدى الإنسان.

كيف كانوا يستقبلونه؟: لقد كان اشتياق ابن مسعود للشتاء كبير وهو يقول: «مرحبا بالشتاء تتنزل فيه البركة ويطول فيه الليل ليقام ويقصر فيه النهار ليصام» وعن الحسن قال: «نعم زمان المؤمن الشتاء: ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه».

اجعل ربيعك في الصيام: في المسند والترمذي عن النبي عنه قال: «الصيام في الشتاء غنيمة المؤمن الباردة» وكان أبو هريرة يقول: «ألا أدلكم على الغنيمة الباردة قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء». 

اجعل ربيعك في القيام!!: ما أجملها من لحظات تلك التي يعيشها المؤمن في محرابه في جوف الليل يناجي فيها ربه ويسأله من خيري الدنيا والآخرة، والناس في نوم عميق، إنها والله لحظات عظيمة وثقيلة في ميزان المؤمن يوم القيامة، «وحين سئل الحسن: ما لنا نرى النور يشع من وجوه الصالحين، فقال: لأنهم خلوا بربهم في جوف الليل فوهبهم الله من نوره»

وقفة تفكر: قال تعالي:﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف:46) إن المؤمن متى تغلغل في نفسه الإيمان وحب الجنة، وإن الجنة لا ينالها إلا العاملون المخلصون، تراه عند ذلك يتسابق إلى ميادين الطاعات وبساتين الصالحات يرتع في أرضها ويتناول من ثمارها ويتذوق من حلاوتها، وإن الشتاء زاد للمسير ومحطة للانطلاقة من جديد وميدان الطاعات الحافل، وطريق إلى جنة الله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( الأعراف:43).

عبد اللطيف محمد الصريخ 

الهامش:

(1) «متفق عليه». 

[2] «المنهج التربوي للسيرة النبوية - التربية الجهادية: منير الغضبان ٩ بتصرف» 

[3] «في ظلال القرآن: سيد قطب 2\270-271 بتصرف». 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل