; أفغانستان عام يمر وصمود مستمر | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان عام يمر وصمود مستمر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981

مشاهدات 80

نشر في العدد 510

نشر في الصفحة 4

الأربعاء 07-يناير-1981

أفغانستان قلعة إسلامية صامدة عبر التاريخ في وجه الغزاة والمستعمرين جميعًا. وهي من دول العالم القليلة التي تحمل تاريخًا طويلًا يعلم المستعمر أن بلاد الأفغان بلاد مستعصية بطبيعتها بشعبها المسلم الأبي على الذل والهوان والخضوع. 

وقد حفظ التاريخ في ملفاته كثيرًا من الأحداث التي حملت صراعًا بين المسلمين والغزاة على اختلاف أجناسهم وألوانهم وعقائدهم.. والتي تمخضت في كل مرة عن قهر المستعمر وفنائه على أرض الأفغان الإسلامية.

● ففي عام ۱۸۳۹.. حاول الإنكليز فتح أفغانستان بجندهم وجنود مواليهم من الجنود سكان آسيا الشرقية.. فكانت وقفة عظيمة وقفها شعب أفغانستان الذي لا يعرف إلا صراحة الموقف ووضوح الرأي.. حيث شبت ثورة عارمة سنة ١٨٤١ في كابول تحت راية الإسلام، قتل فيها المعتمد البريطاني وعدد من الضباط الإنكليز مما اضطر القادة المستعمرين إلى طلب الأمان لأنفسهم من شعب أفغانستان المسلم العتيد. على أن يخرجوا على الفور من البلاد.

● وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر... في عهد الملك «دوست محمد خان» حاول الإنكليز التسرب إلى بعض المواطن من البلاد الأفغانية وذلك بعد فترة وجيزة من الانسحاب الأول لدى أخذ الأمان.. إلا أن الشعب الأفغاني آنذاك كتب ملحمة لن ينساها الإنكليز على مدى التاريخ.

ففي «حورد كابول» نصب مجاهدو الإسلام في أفغانستان آنذاك «كمينًا واحدًا» لحوالي ١٦ ألف أو ١٧ ألف جندي إنجليزي. وأبادوهم جميعًا عن بكرة أبيهم. ولم ينج منهم سوى الطبيب العسكري «برايدون». وظلت هذه الواقعة محفورة في أذهان الإنجليز حتى وقتنا الحاضر.

● واستمر الصراع على هذه الشاكلة بين الأفغان المسلمين ومن تراوده فكرة غزو أراضيهم من الهنود أو الإنكليز أو الروس الذين يعيشون على حدودهم الشمالية. إلى أن تسلم سدة الحكم الملك محمد ظاهر شاه حيث ظهرت اتجاهات سياسية داخلية تعادي الإسلام الذي تولى المُلك عام ۱۹۳۳.. ويعلل الأفغان الانحراف السياسي آنذاك بتأثير محمد داود ابن عم الملك وزوج أخته الذي تسلم عدة مناصب حكومية، وقد يمم محمد داود وجهته السياسية شطر الاتحاد السوفياتي محاولًا بث الفكر الشيوعي في صفوف الشعب، وفي هذا العهد برزت أحزاب يسارية ثلاثة هي «خلق - بارشام - الشعلة الأبدية».. إلى أن تمكن الشيوعيون من التمركز في بعض الفصائل العسكرية فثاروا على العميل محمد داود وقتلوه في أبريل عام ۱۹۷۸ ليعين مكانه الشيوعي «نور محمد تراقي». وتدخل أفغانستان الإسلامية في الصراع العسكري بين المسلمين وأعداء الإسلام. 

● وسقط نور محمد تراقي... وجاء بعده في انقلاب دموي حفيظ الله أمين إلا أنه لم يستطع الصمود أمام المسلمين الذين أوشكوا على استلام الحكم.. هنا وجد الروس الذين وضعوا أحجار الشطرنج الحاكمة هذه أنه لا مفر من التدخل العسكري. 

ولعل كثيرًا من الصحف تخطئ في تحليلها عندما تعتقد أن دخول الروس لم يكن بدافع الحيلولة المضادة لإقامة حكم إسلامي في أفغانستان.

تقول جريدة لوفيغارو معللة دخول الروس إلى أفغانستان يوم دخولهم «والحقيقة أن اقتراب الحكم الذي كان قائمًا في كابول من الانهيار هو الذي جعل الروس يدفعون بجنودهم لحماية النظام الشيوعي في مواجهة اقتراب انتصار المجاهدين المسلمين وجعل أفغانستان إسلامية»

● ومر الآن عام كامل على هذا الغزو الروسي لأفغانستان. 

فهل أفاد الروس وأذنابهم الشيوعيون شيئًا من هذا الدخول؟

-هل وقفت الثورة الإسلامية في أفغانستان وتركت سلاحها أمام الهزيمة؟ 

-هل ولى المجاهدون الدبر وهم يقابلون أعتى قوة ضاربة في المنطقة.. بل في العالم كله؟

-هل تمكن الروس من دخول جميع المناطق الأفغانية التي مازالوا يحاصرونها منذ سنة كاملة؟

-هل حافظ الروس على الأجزاء التي احتلوها يوم دخولهم أفغانستان أم أن المجاهدين المسلمين غيروا نيران المعركة التي بدأها الروس بأثقل الأسلحة وأكثرها تطورًا؟

والجواب عن كل هذه الأسئلة «لا».

فلقد مر عام وانقضى.. لقي فيه الروس درسًا أليمًا.. أنكى وأشد من الدروس التي تلقنها الإنكليز في السابق على يد مجاهدي أفغانستان!!

● مر عام وأبناء الأفغان المسلمين ونساؤهم يقفون جميعًا بيد واحدة وراء المجاهدين يمدونهم بكل مستلزمات المعركة... فالشعب كله يجاهد.. كل بحسب مكانه.. بينما القلة القليلة من الخونة تتبعثر هنا وهناك.. في موسكو.. وفي مخابئ كابول التي يغير عليها المجاهدون كلما سنحت لهم الفرصة.

● مر عام والرئيس «كارمال» المنصب من قِبَل الروس الشيوعيين ليحكم أفغانستان لا يعرف طيب المنام... لأنه يعرف أنه أحد الأهداف الرئيسية لرصاص المجاهدين.. وتروي الأخبار الموثوقة أن رئيس الجمهورية وكبار مساعديه يعيشون بقية حياتهم حاليًا في الاتحاد السوفياتي.. بينما يدير الخبراء والمستشارون الروس

الحرب ضد الشعب الأفغاني.

● مر عام.. وقتلى الروس الشيوعيين بلغت الآلاف.. أما قتلى رجال النظام العميل الخائن في كابول والمدن الأخرى فيكاد لا يحصر.. الأمر الذي جعل الروس الشيوعيين يستعيضون عن فصائل كثيرة من الجيش الأفغاني.. بدفعات جديدة من الروس. حتى إن عدد الروس الشيوعيين الموجودين في أفغانستان وصل إلى قرابة «100» ألف جندي روسي مسلح بأحدث أنواع الأسلحة.

● مر عام.. وكتائب كثيرة من الجيش الأفغاني تعلن تمردها على نظام «كارمال» والوجود الروسي وتنضم إلى صفوف المجاهدين وتشهر سلاحها في وجه الغزاة الروس.

● مر عام.. ومرت معه أيام قليلة.. وشعب أفغانستان المسلم البطل مازال يرابط على الثغور وشعاره محدود بين الشهادة أو النصر. ولن يكون مصير الروس بأكثر حظًا من مصير الإنكليز.. ونحن بين شواهد عام يمر.. والصمود المستمر.

الرابط المختصر :