العنوان المشاعية الجنسية.. والتفسيرات الموغلة في اللاموضوعية!
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1973
مشاهدات 107
نشر في العدد 142
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 20-مارس-1973
أدوات الحرفة هي التي دفعت إلى
الحياة الأسرية باعتبار الأسرة وحدة اجتماعية تعين على حسن استغلال وسيلة الإنتاج
المملوكة. ومن ثم فقد وقعت المرأة في قبضة الاستغلال من جانب الرجل. ويوم أن تعود
فكرة الملكية الجماعية وتتغير كل الأشكال الاجتماعية الطبقية، ستتغير أيضًا طبيعة
هذه العلاقة الأسرية حيث تتحرر المرأة وتعود إليها شخصيتها، وتقوم علاقتها بالرجل
على أساس من المعاشرة الاختيارية، وهو التعبير المهذب لفكرة المشاعية الجنسية.
ويساندون هذا القول بما ورد في كتاب أصل العائلة لإنجلز الذي استمد بدوره سندًا
علميًّا لرأيه من كتابات علماء الإثنوغرافيا في عصره مثل مورغان وباخوفن، أي
العلماء الذين يبحثون في النظم الاجتماعية للشعوب البدائية.
فقد قال إنجلز عن مورغان: «هو أول
شخص ذي معرفة صحيحة حاول أن يقدم تقسيمًا دقيقًا لمراحل حياة الإنسان فيما قبل
التاريخ. فهو يتحدث عن العلاقات الأسرية في هذا العصر فيقول: كان أساس الجماعة
الأولى التي تم عن طريقها الانتقال من الحيوان إلى الإنسان هو التحرر من الغيرة
والتسامح المتبادل بين الذكور، فالشكل القديم جدًّا للعائلة الإنسانية البدائية،
وهو الشكل الذي توجد عليه دلائل لا تنكر، ويمكن إلى اليوم مشاهدته بين قبائل
بدائية عدة في أماكن مختلفة. هذا الشكل هو الزواج الجماعي الذي فيه جماعات بأسرها
من الرجال وجماعات بأسرها من النساء في علاقات جنسية مشتركة، وهو ما لا يترك إلا
مكانًا ضئيلًا للغيرة».
ويسمح السيد إنجلز لنفسه على ضوء
ما قاله مورغان أن يحدثنا هو الآخر في «أصل العائلة» عن مستقبل العلاقات الأسرية
بعد زوال الملكية الخاصة وتصفية علاقات الإنتاج الرأسمالي فيقول: «وما نستطيع
استنتاجه حاليًّا عن تنظيم العلاقات الجنسية بعد تصفية علاقات الإنتاج الرأسمالي
يعتبر استنتاجًا ذا طابع سلبي يحدد ما سيختفي من الزواج، ولكن ما الذي سيزيد على
الزواج؟ هذا هو ما سيستقر بعد نمو جيل جديد، جيل من الرجال لم تسنح الفرص أن يشتري
استسلام امرأة سواء بالمال أو بأي وسيلة أخرى من وسائل السيطرة الاجتماعية، وجيل
من النساء لم يضطررن أبدًا للاستسلام لأي رجل لأي سبب سوى الحب الحقيقي، ولن تخاف
المرأة حينئذ أن تمنح نفسها لمن تحب خشية النتائج الاجتماعية، وعندما يظهر هذا
الجيل فإنه لن يهتم أبدًا بما نعتقد اليوم أنه يجب عليه عمله، فسيتبع طريقه الخاص
وسيكون له رأيه الخاص بدون اكتراث بما نعتقد».
• لا يسمح الماركسيون حتى اليوم
لفكرهم أن يخترق حاجز هذه النصوص التي تعتبر مقدسة عندهم، والتي ظهر أثرها واضحًا
في كل ما كتبوه أو ألقوه من محاضرات وندوات عقب الإفراج عنهم. وسنعالج هذه النصوص
بعقلية القرن العشرين. ولكن تلزم الإشارة إلى أن عقلية القرن التاسع عشر تلك هي
التي أظلت سماء الفكر والقيم على يد هؤلاء الذين مزقوا كل الروابط الأسرية والقيم
العائلية في الفترة السابقة تحت عناوين براقة من تحرير المرأة، وشخصية المرأة
العاملة، وبكافة الأساليب الإعلامية الرامية إلى هذا الهدف البعيد من خلال غطاء
القيم الاشتراكية وبعض استشهادات لعبارات من الميثاق أو غيره.
• وقد شاهدنا ونحن وراء القضبان
برنامجًا تلفزيونيًّا ألقى فيه أحد زملاء الأمس محاضرةً على ما يقرب من مائة فتاة،
أمهات الغد، تحت عنوان بريء هو «نظام الأسرة على مدار التاريخ» ضمنه كل مفاهيمه
الماركسية وكل أهدافه البعيدة أيضًا دون أن يشير من قريب أو بعيد إلى أنه يعرض
مفهومًا ماركسيًّا صرفًا.
وقد لا يعلم الجميع أن أول جريدة
نبهت إلى ظهور موضة الميني جيب كانت جريدة «الجمهورية»، وكانت يومها تحت سيطرة
الشيوعيين بصورة كاملة وإن تخفوا في أثواب ناصرية. وكنا يومها في المعتقلات ونتابع
جميع الصحف وما يفعله زملاء الأمس وقد واتتهم الفرصة لتغيير المناخ، ولمعرفتنا
بأساليبهم، فقد علقنا على هذا الخبر بل تنبأنا بالخطوة التالية بعد أسبوع وهي
اصطناع تحقيق صحفي مصور ينبه إلى انتشار هذا الزي في مصر ثم التباكي على ذلك
ومتابعة صاحباتها أسئلة تتفاوت الإجابة عليها. وقد صح ما توقعناه بعد أسبوع تمامًا
بظهور تحقيق مصور شمل صفحة كاملة خاص بظهور الزي بين طالبات الجامعة وردهن على
الأسئلة بأن ذلك من الحرية الشخصية، ونحن نعلم بترتيب كل ذلك مقدمًا. ثم تعقبه
تمثيلية هنا وفيلم هناك ترتدي بطلاته الزي دون كلام ولا سلام ليحدثن الإيحاء
اللازم في فتيات الأمة.. ومثل هذا الأسلوب يتبع مع الشباب لإشاعة ما يروق لهم فيه.
من حق الأمة أن تعرف
• أقول هذا لأن من حق الأمة
العربية والإسلامية أن تعرف ما يجري على أرضها وتعيد تقييم أسلوب حياتها. وهذا
نموذج لما يجري في غير ذلك من القضايا العلمية التي تستغل لخدمة أهداف غير
إنسانية. وإذا ما أردنا مصداق ذلك وعرضنا هذا المفهوم الماركسي الذي سمم الأفكار على
العلم في القرن العشرين، نجد ما عليه أصحابه من مغالطة وتخلف.
ما يقوله القرن العشرون
• يقول الدكتور علي عبد الواحد
وافي في كتاب الأسرة والمجتمع: «نظام الشيوعية المطلقة لم نعثر عليه في أي مجتمع
من المجتمعات الإنسانية سواء في ذلك البدائي منها والمتحضر، فليس من بين المجتمعات
الحاضرة والغابرة التي وقفنا على نظمها عن طريق ملاحظتها أو ملاحظة ما خلفته من
آثار أو عن طريق ما كتبه المؤرخون أو الرحالة أو علماء الإثنوغرافيا أو القانون،
ليس من بين هذه المجتمعات أي مجتمع أخذ بنظام الشيوعية المطلقة في علاقة الرجال
بالنساء فكان جميع نسائه حقًّا مشاعًا لجميع رجاله».
صحيح أن بعض المنشئين للمدينة
الفاضلة (Utopistes) أراد
أن تسير مدنه على هذا النظام السائد في فجر الإنسانية، فهؤلاء وأولئك قد تجنبوا
الصواب ولم تعبر مدنهم عن الواقع في شيء.
أما منشئو المدن الفاضلة حين رأوا
أن تسير مدنهم المثالية على هذا النظام - نظام أفلاطون في جمهوريته، وكامبانيلا في
«مدينة الشمس»... فيدلنا التاريخ على أن آراءهم في هذا الصدد كان نصيبها الإخفاق،
فلم تلق أي نجاح في مجتمعاتهم ولا في غير مجتمعاتهم. ويدلنا التاريخ كذلك على أنهم
استمدوها من نظم اجتماعية لم تكن موجودة في عصورهم أو انتقل إليهم العلم بها عن
طريق التاريخ، وإنما استمدوها من خيالهم وآرائهم الشخصية فيما ينبغي أن يكون عليه
المجتمع وتكون عليه نظم الاجتماع، إلى أن معظمهم قد اضطر تحت تأثير النظم الواقعية
التي كانت تسير عليها مجتمعاتهم إلى أن يقيد هذه الشيوعية التي نصح بها. فأفلاطون
مثلًا لم يرد السير قدمًا إلا في طبقة خاصة من طبقات المجتمع وهي الجنود، أراد أن
يجرد هؤلاء من كل عاطفة غير العاطفة الوطنية حتى يخلصوا لخدمة المجتمع ولا تكون
لهم صلة إلا به، لا يشغلهم عن ذلك ارتباطات أسرة أو بنين. هذا إلى أنه أراد أن
تكون هذه الشيوعية عامة من عدة وجوه.
وكامبانيلا نفسه الذي ذهب أبعد
مما ذهب إليه أفلاطون، إذ آثر أن تكون شيوعية عامة في جميع الطبقات، فتكون النساء جميعًا
مشاعًا لجميع الرجال، يرى في روايته أن الحاجة ماسة في مدينة كهذه إلى وزارة للشؤون
الاجتماعية وهي وزارة لـالوزير مور يعهد لها بالإشراف على تنظيم الأمور الجنسية
حتى لا تؤدي الشيوعية إلى الفوضى...
مورغان وباخوفن
أما الذين يذهبون إلى أن النظام
السائد في فجر الإنسانية... فعلى رأسهم باخوفن السويسري من علماء القانون، ومورغان
الأمريكي من علماء الإثنوغرافيا. وقد ذهب أولهما إلى ذلك في كتابه «حق الأم» الذي
ظهر في أواخر القرن التاسع عشر سنة 1861، وذهب ثانيهما إلى هذا الرأي في كتاب
«الجماعة القديمة» الذي ظهر سنة 1877، أي في نفس العصر الذي ظهر فيه كتاب زميله،
غير أن أولهما قد استمد هذا الرأي من دراسة النظم القضائية والاجتماعية للأمم
الأوروبية في أقدم عصورها، بينما استمده ثانيهما من دراسته للنظم السائدة في
العشائر البدائية بأمريكا.
فقد ظهر لـباخوفن من دراسته
لتاريخ النظم الاجتماعية الأوروبية أن النظام الأمي - وهو الذي تعتمد فيه القرابة
على الأم لا على الأب - هو أقدم نظام سارت عليه القرابة في المجتمعات كما سبق ذلك،
وظن أن هذا النظام لا بد أن يكون نتيجة لشيوعية جنسية كانت تسود علاقات الرجال
بالنساء في الشعوب الإنسانية الأولى. وذلك أنه لما كانت هذه الشيوعية تحول دون
معرفة الآباء اضطرت المجتمعات الإنسانية في هذا العهد إلى أن تلحق الأولاد
بأمهاتهم فحسب، وتجعل الأم وحدها هي محور القرابة.
- وما
ذهب إليه باخوفن بصدد أقدمية النظام الأمي وأسبقيته في التاريخ لما عداه من
نظم القرابة يتفق مع آراء كثير من الباحثين... أما ما ذهب إليه من أن هذا
النظام لا بد وأن يكون نتيجة لشيوعية جنسية كانت تسود العلاقات بين الرجال
والنساء في فجر الإنسانية فاستنتاج فاسد كل الفساد، وذلك أن النظام الأمي ليس
له أي علاقة بمعرفة الأب أو الجهل به، بل هو أحد النظم التي ارتضتها بعض
المجتمعات في تحديد القرابة كما ارتضى بعضها النظام الأبوي - وهو الذي يجعل
نسب الأم وأفراد أسرتها أجانب عنه لا تربطه بهم أية رابطة من روابط القرابة -
بدون أن يكون سبب ذلك الجهل بالأم، إذ لا يعقل أن يكون تعيين الأم موضع شك.
وإليك مثلًا العشائر الأسترالية التي يسير معظمها على النظام الأمي والتي
تمثل أقدم مرحلة في النظم الإنسانية، فإننا لم نعثر في هذه العشائر على أي
أثر للشيوعية الجنسية أو صعوبة تعيين الآباء كما يزعم باخوفن. فقد كان ذلك
الولد معروف الأب مع ما كان يلتحق نسبه في معظم هذه العشائر إلا بأمه.
• أما الأدلة التي اعتمد عليها مورغان
فهي تختلف في نوعها عن أدلة باخوفن... ولكنها لا تقل عنها تهافتًا وفسادًا؛ فقد
عثر في بعض الشعوب البدائية على نظم زعم أنها آثار لشيوعية قديمة كانت تسير عليها
الإنسانية في أقدم عهودها، مع أن الأمثلة معظمها يرجع إلى نظام تعدد الأزواج لزوجة
واحدة، وبعضها إلى نظام تعدد الأزواج والزوجات معًا، وليس منها ما يرجع إلى
الشيوعية المطلقة أو ما ينم على رواسب أو آثار لهذا النظام.
سببان
• مما سبق يتبين لنا أن الفهم
الماركسي عن الأسرة ومستقبلها يرجع إلى سببين:
1. سبب عقائدي يصدر عنه الشيوعيون مسبقًا في كل
تفكيرهم وهو المادية الجدلية... وهو ما سبق تفنيده.
2. سبب من الاكتشافات العلمية التي ظنوها تخدم اتجاههم
العقائدي أول الأمر... ثم تطور الظن حتى صار تعصبًا على حساب الأمانة العلمية آخر
الأمر... وقد وضح لنا أن آراء مورغان وباخوفن لا تسند منطقهم...
• وقد مارسوا تطبيق هذا الموقف
العقائدي عمليًّا بعد قيام الثورة في روسيا حتى عام 1935 حيث تقرر إلغاء ما أطلق
عليه في تلك الفترة اسم المعاشرة الاختيارية للدولة... بعد اتضاح المساوئ
الاجتماعية من كثرة الإجهاض وانتشار الأمراض السارية مما هدد سير عجلة الإنتاج
واضطرهم إلى إعادة تقييد إجراءات الزواج والطلاق بدعوى أن الإنسان لم تتطور
داخلياته بعد إلى الحد الذي يصلح لممارسة هذه القيم الجديدة، وأنه لذلك يلزم إرجاء
التطبيق الحرفي لهذا الاعتقاد ضمن ما أرجئ من قضايا على مدار مرحلة الاشتراكية
التطبيقية ريثما يحين عصر التطبيق الكامل للشيوعية... وقد حوى كتاب «مشروعات
السنوات الخمس» ترجمة الدكتور راشد الراوي تفاصيل ما جرى في هذه الفترة...
والخلاصة: إن نظام الأسرة نظام
فطري موجود حتى في الطيور والحيوانات الراقية بغير سبب من الملكية، وهو في الإنسان
له قدسيته الخاصة ويمثل وحدة حركية إنسانية ذات قيم ثابتة وذات دور كبير في تنمية
كل قدرات الإنسان... ولم يستطيعوا هم أن يتخلصوا منه في حياتهم برغم كل انحراف.
وصدق الله العظيم: ﴿وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).
قضايا تلاقي نفس المصير:
ما ذكرناه عن الأسرة نموذج لما
يفعله الشيوعيون من القضايا الأخرى التي سبق الإشارة إليها، وفي كل منها تقابلنا
نفس المحنة ونفس الاستغلال بما يتفق وطبيعة الموضوع، ونأمل أن يتسم المستقبل إن
شاء الله لتناولها على حدة حتى لا نحيد عن الهدف...
وبعد مرورنا على «الأدلة الجدلية»
وبعد الإشارة إلى بعض القضايا العلمية التي تستغل حولها... نكون قد وصلنا إلى
الكلام عن «الإنسان»... قانونه وقضاياه...
الهوامش
- «أصل
العائلة والملكية الخاصة والدولة» لإنجلز، ترجمة أحمد عز العرب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل