العنوان أمسية على الهواء في التليفزيون الإيطالي تناقش: التعايش بين الإسلام والمجتمع الكاثوليكي
الكاتب إبراهيم شعباني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 03-يونيو-1997
- الأب يناري: التعرف على الإسلام جيدًا يقلل من التخوف منه والأندلس كانت مختبرًا حقيقيًا للتعايش بيننا
خصصت قناة التليفزيون الإيطالي الرئيسية الأولى برنامج بينوكيو، الذي يديرها الصحفي اليهودي- الإيطالي «غاد لرنر» عن الإسلام والمسلمين في شبه الجزيرة الإيطالية، وقد تم البث مباشرة من القاعة متعددة الرياضات بمدينة فيتشينزا «شمال شرق إيطاليا» وهي المدينة الصناعية المعروفة بكاثوليكيتها والمسماة «صاجريستييا» إيطاليا، أي مخزن الملابس الكهنوتية لإيطاليا.
ولعل الأمر الجدير بالملاحظة والتوقف هو استضافة البرنامج اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية كممثل للجالية الإسلامية، إذ شارك فيه رئيسه وعضوان من مكتبه التنفيذي، كما شاركت أيضًا وزيرة الشؤون الاجتماعية ليفيا ديلاتوركو، ممثلة للحكومة، والأب فيتوريويناري ممثل الندوة الرهبانية الإيطالية ورئيس شعبة العلاقات الإسلامية المسيحية في جمعية «القديس إيجيديو»، و«تشيزاري كفاليري» مدير معهد الدراسات الكاثوليكية، وممثل صناعيي مدينة فيتشينزا «بينوبيزاتشا» كما شارك في البرنامج معظم الفعاليات الإسلامية في إيطاليا وحوالي ألفي شخص من أبناء الجالية شاركوا على الهواء مباشرة، وبالإضافة- إلى المشاكل التي يعاني منها المسلمون- وخاصة الجيل الثاني والثالث منهم- الناتجة عن غياب اتفاق بين الحكومة الإيطالية والجالية، تطرق النقاش إلى معظم الشبهات التي تحاول بعض القوى إثارتها اليوم حول الإسلام، كموضوع المرأة والإرهاب وربطه بما يحدث في الجزائر، كما تطرق إلى التعايش بين الإسلام والمجتمع الكاثوليكي.
والمعروف أنه لا يوجد قانون يعترف بالدين الإسلامي كدين موجود في المجتمع، كما لا توجد بنود تسهل لمعتنقيه مهمة أداء فرائضهم الدينية وتحقيق واجباتهم الشرعية أينما وجدوا حتى في أماكن الشغل على غرار ما تم بين الجالية اليهودية التي لا يتعدى تعدادها ثلاثين ألف فرد وما فتئت الدوائر الرسمية تبرر تثاقلها عن توقيع مثل هذا الاتفاق بعدم وجود ممثل واحد للجالية وقد طرح خلال البرنامج إشكالية توافق أو تلاؤم الشريعة الإسلامية مع القوانين الإيطالية خاصة قوانين الأحوال الشخصية.
وكان أول سؤال طرحه مدير البرنامج هل يمكن للمرء أن يكون مسلمًا ملتزمًا في إيطاليا؟ بمعنى هل هناك ظروف تساعد المسلم على تأدية واجباته في هذا المجتمع؟
وأجاب رئيس اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية الدكتور محمد الدهشان وهو مواطن إيطالي من أصل سوري، أن ذلك ممكن بالنظر إلى الحرية التي توفرها الديمقراطية، وأشار إلى أن الإسلام هو دين الحرية والعدل والسلم وبالتالي فهو ينتشر بسهولة تامة في المساحات التي تتوافر فيها هذه المفردات وتؤيده في ذلك طبيعته الموافقة لفطر الناس.
وعن إمكانية التوافق بين العمل اليومي وأداء فرائض الصلاة والجمعة والعيدين والصيام، قال أحد السنغاليين المسلمين إن العمل بالنسبة للمسلم عبادة، فإذا كان في عمله فهو في عبادة وإذا كان في صلاته فهو في عبادة، وهذا حتى لا يفهم الناس أن المسلم إذا طلب خمس دقائق لأداء الصلاة المفروضة عليه فإنما يطلبها تهربًا من العمل أو ابتغاء للراحة، كما أوضح نائب رئيس الاتحاد الدكتور «أبو الخير بريغش» «وهو أيضًا مواطن إيطالي من أصل سوري»- عندما كادت أن تنحرف المناقشة إلى عدد الدقائق التي تتطلبها الصلاة ومسلتزماتها كالوضوء- أن الأمر لا يتعدى عدد الدقائق إلى ما هو أهم من ذلك بحيث إذا أدى المسلم الصلاة يكون في راحة في نفسه وفي سلام مع ضميره الذي يدفعه إلى أدائها عند دخول وقتها، فإذا سمح له بأدائها انطلق إلى عمله ليبدع فيه.
قواعد التسامح والحوار
ثم وجَه مدير البرنامج سؤالاً إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية ذات التوجه اليساري، حول ما إذا كان الذي ذكر طبيعة الغذاء المقدم والترخيص لأداء الصلاة وقت العمل، تعتبر أمورًا مبالغًا فيها في الدولة اللائكية «اللا دينية»؟ فأجابت أن الدولة اللائكية اللا دينية، بناء على قواعد التسامح والحوار لا بد أن تبدي اهتمامها بهذه القضايا، ومن الممكن إيجاد صيغة لا تعارض بين الترخيص بأداء الشعائر الدينية في أماكن الشغل وبين مصالح أرباب العمل.
كما سأل الأب «يناري»: هل تستطيع دولتنا أن تتأقلم مع مثل هذه الضروريات التي تأتي من الخارج؟ فأجاب: شخصيًا لا أظن أن التأقلم مع هذه المعطيات الجديدة التي تظهر في المجتمع الإيطالي يعتبر أمرًا صاخبًا والآن يطرح مشكل الإسلام «يعني وجوده في المجتمع» ولا أرى لماذا لا تواجهه الدولة وتجيب عنه بأحسن الطرق.
من جهته أبدى مدير الدراسات الكاثوليكية «تشيزاري كفاليري» تخوفه- بطريق غير مباشر- من عملية تقنين وجود الإسلام في الدولة، حيث صرح أنه ليس من الضروري وضع القضية «في إطار الدولة»، بمعنى ليس من الضروري وجود قانون لضمان أداء الشعائر الدينية، وإنما يكفي أن تحل على المستوى الفردي، أي إيجاد اتفاق شخصي بين صاحب العمل والعامل.
وإجابة عن سؤال طرح حول توافق أو تلاؤم الشريعة الإسلامية مع قوانين الدولة تطرقت وزيرة الشؤون إلى مسألة غياب التمثيل الموحد للمسلمين، وأيضًا تعارض بعض التشريعات الإسلامية مع قانون الأحوال الشخصية كالسماح بتعدد الزوجات مثلاً، واستدركت قائلة:
إنها لا تقصد تعدد الأزواج المعيش «اتخاد الخليلات» الذي يمارسه كثير من الإيطاليين اليوم، وإنما تعدد الأزواج المؤسسي حتى لا تقول الشرعي، بمعنى أن القانون الإيطالي يسمح للفرد أن يعيش مع أكثر من امرأة بصفة غير شرعية، لكن لا يستطيع أن يتزوجها بموجب القانون، مما أدى بالدكتور محمد الدهشان إلى القول: إن القوانين الإيطالية بصدد الاقتراب شيئًا فشيئًا من الشريعة الإسلامية، فبالأمس كان الطلاق محرمًا واليوم صار مباحًا، وبالتالي فإن المجتمع الإيطالي نفسه بدأ يقترب من الإسلام.
أما «كفالييري»، فأكد في إجابته عن هذا السؤال على نفس المعاني التي ذكرها من قبل بحيث رفض أن يكون هناك اتفاق بين الجالية الإسلامية والدولة ورد الأمر إلى ضمان حرية التدين، أي من غير إيجاد غطاء قانوني واضح يضمن للمسلمين أداء فرائضهم الدينية، عكس الأب «يناري» الذي اعتبر الاتفاق ضروريًا وأشار إلى الأوراق المتعددة المقدمة للحكومة في هذا المجال، لهذا أكد على المسلمين أن يقدموا مشروعًا واحدًا للسلطات المعنية، ويلاحظ هنا أن المشروع الواحد غير الإطار التنظيمي الواحد.
بعد عرض صورة خليعة- استفزازًا- للممثلة الفرنسية «بريجيت باردو»، وبعد ذكر قولها بمناسبة عيد الأضحى المبارك: إن المسلمين يذبحون اليوم أضحياتهم وغدًا يذبحوننا، طرح مدير البرنامج سؤالاً حول هذه الخلفيات السيئة عن الإسلام، ثم قال: «كأنه هوس الغزو مرة أخرى يعود إلى الأذهان ارتبط بوصول المسلمين إلينا».
وقد أكد الأب يناري، هذا الخوف، وقال: «إن معرفة الإسلام أحسن يؤدي إلى التقليل من الخوف منه»، مضيفًا: «إن المجتمع الإيطالي المسيحي له طاقات وقدرات في مستويات عديدة تسمح له بإيجاد لقاء حقيقي بريء من تلك الخلفيات التي تنبع من الخوف» ، ثم تدخل الدكتور بريغش فقال: «إن الإسلام قدم برهانًا على نفسه في أوروبا مع التجربة الإسلامية في الأندلس وفي صقلية نفسها، وليس هذا فقط بل تعداه إلى المستوى الاقتصادي والتجاري والإنساني، لقد كانت الأندلس مختبرًا حقيقيًا للتعايش، وهذا هو الإسلام إسلام البوسنة، إسلام الأندلس، إسلام العلم والحضارة.
دعوة للغرب
في اتصال مباشر من الجزائر، تدخلت خليدة مسعودي «من قيادات العمل النسوي اللائكي» وكان تدخلها- إنصافًا للحق- معتدلاً إلى حد كبير، رغم عدائها المعروف للتيار الإسلامي، حيث أكدت أن الإسلام بريء من أعمال العنف التي تحدث في الجزائر، وأن القائمين بهذه الأعمال لا ينتمون لأي ثقافة ولا يمكن وصفهم إلا بالمجرمين، وأضافت أنها ليست خجولة من شعبها وبلدها، وعن سؤال ما إذا كان الإسلام الإيطالي له علاقة ما بذلك الذي يحدث في الجزائر، أجاب د. الدهشان أن الاتحاد يمثل دينًا، ولا يمثل حركة، وأكد أن الذين يموتون في الجزائر هم مسلمون.
ثم تدخلت الوزيرة «ليفيا ديلاتوركو»، وحاولت القيام بالدعاية ضد قانون الأسرة الجزائري المستمد من الشريعة الإسلامية، حيث ذكرت أن وزارتها تلقت ورقة تحمل إمضاءات خمسين جمعية جزائرية تعبر من خلالها عن رفضها لقانون الأسرة وتطالبها بمساندتها، مما أدى بالأخ أبو بكر قدورة «وهو من الإسلاميين الجزائريين المعتدلين» إلى التدخل مطالبًا الحكومة الإيطالية بمساندة الديمقراطية والحريات في الجزائر لا أن تدعم الأقليات السياسية التي لا مستقبل لها في البلد، وبالتالي في الحوض المتوسط، مذكرًا الوزيرة بأن قانون الأسرة مسألة سياسية تُحل بالطرق الديمقراطية الحرة لا بالضغط، فإذا صوت الشعب- وخاصة النساء- على هذا القانون بالأغلبية فلا بد للأقلية أن ترضى بذلك بناء على القواعد الديمقراطية كما ذكرها بالمسيرة التي قامت بها حوالي مليون امرأة جزائرية لتأييد وتثبيت هذا القانون.
ضرورة وإمكانية تعايش الجميع
في الأخير تدخل الأب «يناري»، والدكتور بريغش وأكدا إمكانية تعايش الجميع وأن الإسلام ليس غريبًا على هذا المجتمع، بل أكد الدكتور بريغش «أن الإسلام إيطالي»، ثم تحدث شاب يمثل جمعية الدفاع عن الكاثوليكية في إيطاليا والتي تنشط- كما صرح- ضد أسلمة المجتمع الإيطالي، ورغم أن الصحفي قاطعه لِكي لا يفتح بابًا واسعًا من الجدال في آخر البرنامج، إلا أن الدكتور الدهشان شكره، وأكد أنه إذا حضر الإسلام إلى هذه الديار فمعناه تقديم يد المساعدة لمثل هذه الجمعيات في مجال الحفاظ على الأسرة وترابطها وحقوقها، وطالب في الأخير أن يعطى المسلمون في إيطاليا مجالاً تليفزيونيًا يعرضون فيه دينهم ومبادئه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل