العنوان المجتمع الثقافي (1233)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1233
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-يناير-1997
ومضة
دعا ولي عهد بريطانيا إلى الاستفادة من التجربة الإسلامية لأن العلم- كما جاء في كلمته- والتكنولوجيا المسيطرة على مناحي الحياة في الغرب سيكونان أكثر فائدة لو اتسما بأخلاقيات وروحانيات وسمات الإسلام. هذا الحديث المليء بالإعجاب والإنصاف، لم يأتِ بجديد بالنسبة لمن يعرفون الإسلام ويتخذون من تعاليمه رسالة لهم في الحياة، بقدر ما يشكل صدمة وصفعة قوية لأولئك الذين يطعنون بالإسلام، ويشككون بصلاحيته، ويحاولون تحجيمه وحصاره في زاوية ضيقة، إن لم يتمكنوا من الإجهاز عليه.
أما أنه صدمة فلكونه صادرًا عن الجهة التي يدينون لها بالولاء ويقلدونها وينقلون منها ما يتبجحون به من أفكار وثقافات وقيم، ويعتبرونها قبلة نسكهم، ومصدر إلهامهم، وفي سبيلها يعادون من يعادون ولإرضائها يجاهرون بالانسلاخ من جلودهم، ومن تاريخهم ومن كل الملامح التي تميز شخصيتهم.
وأما أنه صفعة قوية فلأنه جاء على لسان رجل لا يستطيعون اتهامه بمسايرة التيار الديني لأهداف انتخابية، وليس بالإمكان وصمه بالأصولية والتطرف ومرادفاتهما، كما أنهم لا يجرؤون على تصنيفه في قائمة أعداء التقدم والتطور الذين يريدون الرجوع بأمتهم إلى الوراء ويتمسحون بأهداب الماضي، ويقدسون كل قديم.
ذلك لأنه ينتمي لبلاد الضباب مهوى أفئدتهم ومبعث انبهارهم، وأحد أهم أسباب التيه والغفلة التي تصبغ معظم جوانب حياتهم وتضعهم بالرغم من صراخهم المحموم على هامش التاريخ فلا هم يستطيعون اللحاق بالغرب لأنه لم يعطهم ما يؤهلهم لذلك، ولا يرضى بأن يلتحقوا به أو يحسبوا عليه إلا كأذناب وتبع، وخدم، ومروجين لبضائعه التي انتهت صلاحية أكثرها ولا هم احترموا أنفسهم وحافظوا على هويتهم وتعاملوا بندية لا تخل بكرامتهم، وصنعوا كما صنع أمير ويلز، فاستقوا من الغرب أو الشرق ما ينفعهم ويكمل نقصهم مع بقاء جوهرهم على نقائه وصفائه. هل أضرب المثل باليابان والصين وماليزيا؟ أم أذكر قومي بما فعله أجدادهم، عندما انفتحوا على الحضارات السابقة، فأخذوا منها ما يصلح لهم وما ينسجم مع معاييرهم، ورموا بالبقية في مزابل التاريخ.
قصة قصيرة
الأبواب الخلفية
بقلم: د. حمدي شعيب
هكذا أنت دومًا.. مسكين يا أحمد. لقد أتعبتك أفكارك.. أقصد لقد أتعبتنا أفكارنا!!
لا أدري كيف أرتب معك أفكاري؟ لقد احترت معك. ومع نفسي.
الذي أذكره الآن مجرد قصاصات فكرية.. متفرقات ذهنية.. ذكريات مبعثرة أحاول جاهدًا ترتيبها.
وعلى الرغم مما بنفسي من أشياء وأشياء فسأحاول جاهدًا أن أكون محايدًا، إن لم يكن معك فمع نفسي.. تلك المسكينة- نفسي- التي ما رفعتها يومًا، إلا وكنت أنت- وبتصرفك- تخفضها.
عجبًا لك من رجل ، ما دخلت معك حلبة تنافس إلا وهزمتني.
إيه يا نفس من لحظات الصدق.. إيه أيتها المسكينة، كم ذللتك. إن لم يكن أمام العباد ظاهريًا، فداخليًا، أمام ضميري، فقد حملتك ما لا تطيقين.
عذرًا صديقي اللدود أحمد، كيف أبدأ رحلتي الأليمة؟ فلنبدأ من أول أيامنا.
عرفتك زميلًا في مقاعد الدراسة، حسدتك متفوقًا على أندادك.. أعجبت بك متميزًا بين طلاب المدارس من الابتدائي إلى الثانوي.. استغربتك سابقًا لعمرك. كنا نلهو وكنت تلهو، ولكن في وقته، كنا ندرس وكنت تدرس ولكن بنظام، كنا نسأل وكنت تسأل ولكن بحساب، كنا نتقدم وكنت تتقدم، ولكن في ثقة، وانتقلنا للجامعة.. اخترت أنا الدراسة النظرية واخترت أنت الدراسة العملية، التي فيها ترى بعينك وتجرب بيدك وتتأكد مما يحدث حولك، فوق أن درجاتك منحتك فرصة للتفكير والاختيار.. إيه أحمد.. دومًا حياتك في سعة، واختياراتك متعددة، دومًا تسير في مرونة وبخطوات ثابتة لا عجلة فيها ولا تعسف.
وفي الحياة الجامعية، وجدنا فرصتنا.. وجدنا الحرية.. سعدنا ببعد الرقابة العائلية.. زدنا نحن لهوًا، ولكنك لم تزد إلا نضجًا، بعدت المسافات الفكرية بيننا، ولكنك لم تقاطعنا، بل ازددت منا قربًا، وزادت هوة الخلافات الفكرية بيننا. ولكنك كنت كالبحر، غنيًا في عطائك مهيبًا في صمتك، قويًا في ردك، كريمًا في أدبك عندما نختلف، واسع الاستيعاب لكل مخالفيك.
إيه أيها البحر
لقد تبلورت أفكارك والتزامك بالمنهج، ووضح لنا ما تحمله من مبادئ وقيم، وكنا نسخر من ردك لكل القضايا إلى موازين الشرع، وكنا نغضب لمرجعيتك الإسلامية في كل الأمور.
وكان كما توقعنا، بل كان من الطبيعي أن تصبح أحد دعائم الحركة الطلابية المعارضة، أقصد الإسلامية، وازدادت معاركك مع الخصوم، حتى مع الأصدقاء، وكنت تخرج دومًا رغم الخسائر.. قويًا.
إيه أيها البحر، دومًا إلى اتساع دومًا إلى علوّ، وكنا نعجب لصمودك.. لتقبلك واستيعابك لكل العوائق.. عوائق شتى عوائق مادية ومعنوية توضع أمام كل من هو على شاكلتك كل من اختار الطريق الصعب.. كل من رضي أن يسبح ضد التيار، أقصد التيارات، وكنت تقنعنا أن تلك العوائق ما هي إلا أمور طبيعية، يجابهها أصحاب الحق بل كنت تردها إلى موازين أوسع وأشمل.. إلى حركة الكون.. إلى سنن الله الإلهية التي تنظم الكون والأحياء وكنت تقنعنا أن تلك العوائق، ما إلا سفاسف وصغائر أمام الكبار المنضبطين مع حركة الوجود كله.
إيه أيها البحر، دومًا كبير، دومًا واسع، دومًا مهيب حتي في صمتك.
وتخرَّجنا، ولم تتبدل، بل زاد التمايز بين الفريقين واخترت أنا الطريق السهل، فبعد مدة أصبحت أحد دعائم الحزب الشبابية الواعدة وكان من البديهيات أن أحصل على وظيفة مرموقة، حتى تدرجت في أحلامي وطموحاتي وصعدت سلمًا بعد سلم حتى ضمني ركب أصحاب النفوذ.
في هذا الزمن من السهل الوصول، فقط أظهر النوايا الحسنة أقصد الولاء لأصحاب النفوذ.
ولكنك كالعهد بك ازددت نضوجًا وتبلور شعارك في الحياة.. ذلك الشعار الذي كنت ترفعه في وجه كل من أراد أن يثنيك عن عزمك.
فكنت تردد الشعر الذي هجا به الحطيئة الزبرقان بن بدر- رضي الله عنه-فقال له:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وكنا نعجب لهذه النفس التواقة الطموحة التي تنشد العيش للمعالي من الأمور للأهداف العظيمة، للمكارم التي تشرف بها النفوس وترفض الاختلاط والاستغراق مع أصحاب شهوتي الطعام والملبس.
فلكل فريق أفكاره، ولكل فريق سلوكياته ولكل فريق معاركه، ولكل فريق طريقه، ولكل فريق وسائله، ولكل فريق غايته، ولكل فريق مصيره فكنت تنشد المعالي.. تختار الأصعب، أقصد تختار الأعلى.. تختار معركة الحياة الصعبة.
ورغم ذلك ظللت على أفكارك بل وجدت ضالتك، وكان من البديهي أن أراك تخوض معارك النقابات، ورغم ذلك ظلت علاقتك معي نفسها.
أبعد وتقترب وكنت تقنعني دومًا بأن للحوار آدابًا، وأن للخلاف آدابًا، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
وبالأمس القريب، كنت أسمع اخبارك في الإذاعات الأجنبية، لقد ساقوك إلى السجن، كأحد رواد التيار الإسلامي وأحد قادة الحركة النقابية الإسلامية وتأملت وضعك وأنت في سجنك أول مرة أيها البحر، رأيتك في القاع ورأيت نفسي أعلى منك.. رأيتني أعلى من مستوى أمواجك، وتمنيت ساعتها أن أزورك في سجنك فقط لأثبت لنفسي مرة قبل أن أريك. أنني أخيرًا أفضل منك.
وكان خطئي الأكبر.
وذلك عندما قررت زيارتك، وبعد أن حضّرت لها جيًدا، حيث زرتك في غير موعد الزيارة، لتكون رسالة لك أن كل الأبواب الآن تفتح لي وصممت أن يرافقني إليك ضابط السجن ليسمعك تفضل يا واصل بك.
هكذا زرتك.. وكان خطئي الآخر عندما طلبت من المرافقين أن يتركوني معك وحدنا، كنت أطمع أن أراك صغيرًا، تتوسل إليَّ أن أكلم أصحاب النفوذ، ليخرجوك لأبنائك ولعملك ولكنك بدوت لي شامخًا، كالعهد بك أيها البحر مبتسمًا ترد كل ما يحدث بك وبأمثالك بالحركة الكونية بسنن الله سبحانه مع أصحاب الحق في كل عصر وفي كل مصر بالصراع الدائم الخالد بين حملة الحق وحملة الباطل.
يا إلهي.. كم كنت عظيمًا، خاصة عندما وضعت يدك على الجرح، وأخذت تلاطفني، وتسألني عن أولادي وشركاتي، بل وعن أدق أسرار حياتي التي لا يعلم بها أحد، عن زوجاتي!!؟ فما كان مني إلا أن عدت لرشدي أمامك، وانهرت باكيًا، أشكو كل شيء.. أولادي ومعاملتهم لي وسلوكياتهم الغربية.. عن رغبات زوجاتي وطموحاتهن، عن شركاتي والصراعات حولها، وطمع أصحاب النفوذ فيها، بل وطمع أبناء أصحاب النفوذ، بل وطمع زوجات أصحاب النفوذ فيها.. عن صراعات أجنحة الحزب الرهيبة، وما يسجلونه على بعضهم البعض وتهديداتهم الأخيرة لي بكل شيء.. بكيت كثيرًا حتى خجلت من نفسي.
وأثناء الزيارة لم أعِ نصائحك الكثيرة، ولكنني أذكر منها:
﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَن الَّذِيْنَ آمَنُوْا﴾. (الحج: 38).
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُوْنَ كَمَا تَأْلَمُوْنَ وَتَرْجُوْنَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُوْنَ﴾.(النساء: 104).
﴿قُلْ لّنْ يُصِيْبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾. (التوبة: 51).
«كل ميسر لما خلق له»
وخرجت من عندك منكسرًا، أشعر- كالعادة- بأنني صغير، وأراك- كالعادة أيضًا- كبيرًا شامخًا، معتزًا بأفكارك. واثقًا بمبادئك.
لقد خرجت- ككل خروج سابق- خرجت مهزومًا أمام نفسي أولًا، ثم أمام الغير، وهمهمات الناس، بل وهمسات الحواريين من حولي، وحملة البخور، تبدو وكأنها صرخات وصيحات تطارد تماسكي المزعوم.
إيه.. ترى ماذا ألمَّ بواصل بك؟!! أيها البحر.. دومًا أنت عظيم قوي حتي في أشد حالاتك ضعفًا- كما يخيل لنا- مهيب حتى في صمتك، مبتسم حتى في أصعب ظروفك.. متفائل واثق.
والآن.. فلعلك لا تدري سببًا لما أسجله من خواطر، فلو علمت بما حدث لي لكنت أول السائلين عني بلا شماتة، وكنت أول من يخفف عني دون مقابل.. لأنك هكذا دومًا كالعهد بك، على الرغم مني ومن غيري.
ولكنها خواطر وتجارب ليست ملكًا لي أو لك.. إنها براهين وثوابت في التاريخ البشري.
أخيرًا.. لقد جنيت حصيلة معاركي فبعد صراعات الزعامة داخل الحزب وخارج الحزب، كانت بداية الأفول، وكانت بداية السقوط.. عندما حاولت اللعب مع الكبار، ونسيت نفسي فاستهوتني اللعبة وتجاوزت خطوطي الحمراء، فكان الغضب علي، وكان من السهل على خصومي أن يبلغوا عن شركاتي، وممتلكاتي، فدومًا- وكأنها سنة إلهية- على الخصوم تدور الدوائر ولكلٍّ يوم.
نعم.. لكل إنسان معاركه، ولكل إنسان قدره ولكل إنسان سلوكه، الذي هو نتاج لما يحمله من أفكار ولكلٍّ مصيره، فمسيرة البشر ماهي إلا فريقان.. على طريقين.. وبداية كل فريق هي أفكاره، وسلوكه ما هو إلا محصلة لحركة أفكاره في حياته.
ومصيره هو نتاج ذلك السلوك.. هكذا تعلمنا منك أيها البحر المعطاء، وكما بدأت معك رحلة أفكاري أكررها، نعم، لقد أتعبتنا أفكارنا ولكن.. أيها البحر، وكما علمتنا أيضًا «كل ميسر لما خلق له»، ولقد جاء اليوم، ففي مكان ليس بالبعيد عنك. بل في نفس المبنى الكئيب ها أنا ذا أقرأ، وأطالع جريدة الصباح، وعلى الصفحة الأولى الحكم بالسجن عليك يا أيها البحر، وعلى زملائك في قضية التفكير في إنشاء ما هو ضد السلام الاجتماعي، وما هو مخالف ومعطل للدستور، وما هو ضد سياسة الدولة، وما هو مضاد للنظام العالمي الجديد، وما هو .. وما هو...؟!!
وفي صفحة داخلية، بل في ركن منزوٍ، يعرف بصفحة الحوادث.. أقرأ أيضًا «المدعي العام الاشتراكي يأمر بفرض الحراسة على ممتلكات واصل بك وأولاده وزوجاته وإيداعه السجن لمحاولته الهرب خارج البلاد المصونة.
إيه أيها البحر، لقد أتعبتني أيها الرجل! حتى في هذه؟!
دومًا أنت عظيم في المقدمة، على الصفحات الأولى!
وأمثالي في المؤخرة.. على هامش الحياة!! يدخلون مسيرة الحياة ويخرجون منها مثلك.. ولكن من أبواب التاريخ الخلفية!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل