; التربية الحديثة على ضوء الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان التربية الحديثة على ضوء الإسلام

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975

مشاهدات 16

نشر في العدد 259

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-يوليو-1975

يجيبنا ديوي -أبو التربية الحديثة- على تساؤلنا قائلًا:

الوسيلة يمكن تمييزها عن الهدف عندما نبحث اتجاه الخطة المقترحة للعمل، أي عندما نبحث العمل على أنه سلسلة لحلقات من الأفعال، فالهدف هو آخر عمل نفكر فيه.. والوسائل هي الأعمال التي نقوم بها سابقة لذلك.

ويوضح هذا في رأي آخر قائلًا: «إننا إذا نظرنا نظرة كلية عامة إلى الخطة المقترحة. كان آخر الأعمال فيها هو الهدف، وما عداه من أعمال.. وسائل. أما إذا أجزأنا هذه الخطة الكلية وركزنا على هذا الجزء وعملنا على تنفيذه كان هذا هدفًا قريبًا قد اتجهت إليه أنظارنا وابتعدنا عن الهدف البعيد حتى يمكننا تحقيق هذا الهدف القريب على خير وجه. وتبلور ذلك العمل على تحقيق كل وسيلة من الوسائل على أنها هدف قريب. وبهذا نصل إلى الهدف الأخير في الخطة بطريقة عملية فعالة تضم بين دفتيها الوسائل والأهداف في كل وظيفي فعال».

هذا ولابد من إيضاح مفهوم النمو بين التربيتين القديمة والتقليدية. حتى نطلع على طبيعة التطور الجديد فيه.

فالنمو في التربية التقليدية يقوم على تحقيق أهداف يضعها له الكبار، وتتعلق هذه الأهداف بمرحلة النضج عندما يصبح الطفل كبيرًا، أما النمو في نظر جون ديوي فيجب أن يكون مستمرًا على الدوام، أي يجب أن يكون نماء.

والديمقراطية ترفض أن يكون نمو الفرد نحو أهداف قد وضعها له آخرون. بصرف النظر عما يرغبه وما يتفق مع ميوله واتجاهاته.

والهدف الديمقراطي المرغوب فيه هو أن كل فرد يزداد نموًا إلى أن يكون لنفسه اتجاهًا مناسبًا ذاتيًا.

يقول الدكتور محمد لبيب النجيجي: «مطاوعة الشخصية الإنسانية أساس لتوجيه النمو واستمراره استمرارًا يؤدي إلى نماء الشخصية بشكل عام من جميع نواحيها إذا ما فهم على حقيقته كعامل تربوي هام».

ونستمع إلى روسو يقول: «نحن نجهل الطفولة الجهل كله.. إنك ترى أكثرنا حكمة يتعلقون بما يهم البالغ معرفته ولا ينظرون فيما ينبغي أن يتعلمه الأطفال، فهم يبحثون لدى الطفل عن الراشدين دون أن يفكروا بما هو عليه قبل أن يصبح راشدًا».

وحين نعود لنناقش مفهوم التربية الحديثة عن النمو نجدها فعلًا قد أصابت القصد يوم اعتبرت التربية هي النمو، فإذا أخذنا «لسان العرب» ورحنا نراجع فيه معنى التربية لغة لطالعنا ما يلي: «ربا الشيء: يربو ربوًا ورباءً: زاد ونما، وأربيته: نميته. وفي التنزيل: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ). الأصمعي: ربوت في بني فلان أربو: نشأت فيهم. الجوهري: ربيته تربية: أي غذوته قال: هذا لكل ما ينمي كالولد والزرع ونحوه».

وها نحن نجد إذن أن المعنى الأصيل للتربية في اللغة هو عملية النمو، وهذا آخر ما استقرت عليه التربية الحديثة.

والنقطة الثانية التي لا بد من بحثها هي: ما دورنا في النمو؟

ويحسن أن نذكر أننا لا ننمي أبدًا إنما نفسح المجال للنمو السليم ونساعد عليه هذه هي الفكرة الأصيلة في الإسلام عن النمو.

فنحن حين نقف أمام نبتة الزرع فمهمتنا معها أن نساعدها على النماء لا أن ننميها. فخصائص النمو موجودة بها وفي ذاتها تسير حسب الخط الذي يكمن فيه نماؤها.

وكذلك مع الطفل فنحن لا نزرع فيه جديدًا لأن خصائص النمو موجودة فيه. ولكن علينا أن نساعده على النمو الصحيح دون تعسف أو التواء.

وتكمن مساعدتنا للنبتة كذلك في تهيئة التربة الصالحة. وتقديم الحاجة المناسبة من الماء وإزالة المعوقات الطبيعية التي تحول دون الوصول إلى النمو المطلوب.

وهذا هو موقفنا مع الطفل أن نهيئ له البيئة الصالحة للنمو، وعلينا أن نزيل جميع المعوقات التي تحول دون النمو الصالح الكريم.

ومن جهة ثالثة حين نتعسف الطريق بالنبتة ونحاول أن نغير من جوهرها أو نسرّعها أكثر من الطاقة التي تحتملها، فالذي ينتج هو النبتة الشوهاء أو بالأحرى خسارة النبتة من الأصل. وكذلك الأمر مع الطفل حين نريد أن نغير من طبيعته ونعتسف الطريق به في تربيته كما نهوى، بغضّ النظر عن طاقاته وميوله التي يحتملها، فالذي ينتج لدينا هو الطفل المشوه، أو بالأحرى الطفل المتعطل المنهار.. فنحن إذن نوجه ولا ننشئ.. نهيئ ولا ننمي.. والحكم في هذا كله قول الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 59–67).

ب – الخبرة:

من العسير في التربية الحديثة فصل الخبرة عن النمو، إذ لا تتم الخبرة إلا عن طريق النمو السليم. يقول جون ديوي بهذا الصدد: "وأصبح النمو في السلوك الإنساني هو اكتساب خبرات جديدة وتنظيم هذه الخبرات وتشكيلها وإعادة بنائها من جديد، وظهرت هذه النظرة في الفلسفة الحديثة التي تقول إن التربية عملية اكتساب خبرات وأنها خبرة اعتمدت على خبرة سابقة، وتؤدي إلى اكتساب خبرة جديدة، وبذلك أعطى مفهوم الخبرة هذا المعنى المرن المتطور وأعطيت له هذه القيمة الهامة في التربية".

هذا وإن اشتركت التربية القديمة والحديثة في تكوين الخبرات لدى الطفل، لكن شتان بين المفهومين، وكما يقول أحد أساتذة التربية المعاصرين: «تغير مفهوم المدرسة من أنها المكان الذي يذهب إليه التلاميذ ليحصلوا على مزيد من المعلومات كما يذهب قطار السكة الحديدية إلى المنجم ليحصل على حمولته من الفحم، لتصبح المكان الذي أُنْشِئ خاصة لتسهيل عملية الحصول على التغيير المرغوب فيه في الخبرة، وبذلك تكون عملية التربية عملية نمو أو نضج مجالها الحاضر على الدوام، ويكون المعنى الحقيقي للإعداد هو أن يأخذ الفرد الإنساني من خبرته الحاضرة كل ما يستطيع أن يستفيد منه لما يستقبله من خبرات».

والخبرة في المفهوم التربوي الحديث ذات جانبين تحدث عنهما الدكتور النجيحي بقوله: «لكل خبرة جانبان: جانب يتعلق بالفرد أي بقدراته واستعداداته وإمكانياته، وجانب آخر يتعلق بالبيئة وما فيها من ظروف موضوعية، والتفاعل بين هذين الجانبين هو الذي يؤدي إلى الخبرة التربوية».

أما التربية التقليدية فقد ركزت على المادة الدراسية دون اعتبار للتفاعل بين هذه المادة وحاجات الفرد وقدراته، ودون نظر إلى ما ينتج عن هذا التفاعل من اتجاهات نفسية تحدد ما يحبه الإنسان وما يكرهه.

ونجد الفيلسوف التربوي جون ديوي يجسم هذا العيب في التربية التقليدية فيقول: «ما قيمة تحصيل قدر مفروض من المعلومات والجغرافيا والتاريخ أو كسب القدرة على القراءة والكتابة إذا فقد المرء نفسه في أثناء هذه العملية أو فقد الرغبة في تطبيق ما تعلمه، وأهم من ذلك كله فقد القدرة على استخلاص العديد من الخبرات التي تعرض له في المستقبل؟». ويركز سبنسر على هذه الفكرة فيقول: «ينبغي أن نشجع عملية التنمية الذاتية إلى أبعد نطاق ممكن. ينبغي أن يتعود الأطفال على أن يقوموا بالتنقيب والبحث من تلقاء أنفسهم، وعلى أن يخطوا طريقهم بأيديهم. علينا أن نخبرهم بأقل قدر ممكن وأن نحرضهم على الكشف بأكبر مقدار ممكن».

ومصدر الخبرة في التربية الحديثة هي الذات الإنسانية والمجتمع البشري، إذ ترفض أي مصدر آخر ولو كان الدين نفسه، فالميزان هو المجتمع نفسه كما يقول ديوي: «الطفل منذ نشأته وهو مستجيب لما يشجعه عليه أفراد المجتمع، ويحجم عن القيام بما يثبطه عنه أفراد المجتمع أيضًا، وبذلك تكون عملية الاستحسان والاستهجان هي أساس تكوين الخلق، فعندما يقوم الطفل بسلوك معين فإن من حوله يستحسنونه إذ يمدونه بالتشجيع ويزودونه بالموافقة، أو أنهم يمنحونه عبوسًا وتعنيفًا. ونحن نعرف مقدمًا كيفية سلوك الآخرين، والمعرفة مقدمًا هي بداية الحكم على العمل، والمجتمع الخارجي أصبح محكمة داخلية ومركزًا للحكم على الاتهامات وتأكيدها أو العفو عنها.

ونجد هنا إصرارًا جديدًا على رفض التفسير الديني للقيم واعتبار المجتمع هو مصدرها جميعًا.

الأخلاق إذن ترتبط بواقعيات الوجود، والحقائق التي تعتمد عليها تنبع من الروابط الفعالة للأفراد الأنانيين مع بعضهم البعض، من نتائج مناشطهم التي نسجوها معهم في حياتهم عبر تاريخهم الطويل، وهنا تدخل المثل العليا من بين الحقائق التي تعتمد عليها الأخلاق.

ذلك لأنها نبعت نتيجة تفاعل الإنسان مع غيره، وتبدأ الأخلاق من هذه البداية، أي معتمدة على هذه الحقائق. فالتفاعل الإنساني والروابط الإنسانية وحقائق العلاقات الأنانية المختلفة موجودة وتقوم بعملها في الأجيال.

إنه كفر صريح بواح.. كل المثل والقيم والأخلاق نشأت من المجتمع ومن التفاعل البشري.. وعلى أساس هذه الصورة فمهمة التربية أن تقدم هذه الخبرات الواقعية للطفل.. هذه الأخلاق الاجتماعية، وكما يقول ديوي بالضبط: «فالأخلاق والنمو شيء واحد، والتنمية والنمو هما نفس الحقيقة عندما تمتد في الواقع أو عندما يفحصها التفكير، وفي أعظم معنى لهذه الكلمة: الأخلاق هي التربية، إذ إنها تعلمنا معنى ما نستهدفه».

وهنا يرفض الإسلام هذه المفاهيم القاصرة؛ مفاهيم الخبرة بهذا الإطار ومفاهيم الأخلاق بهذا الإطار، ويقرر حقائق خالدة من عند الله.. يقرر أولًا أن الله جل شأنه هو الذي أوجد في الذات الإنسانية فطرة العبودية لله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ۝ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: 172–173).

إن الآية تؤكد أولًا أن الذات البشرية -كل ذات بشرية- شهدت بربوبية الله، وتؤكد ثانيًا أن المجتمع حين يلقن الشرك ويكون كله مشركًا لا يمكن أن يغير الفطرة البشرية المتجهة إلى الله، وتؤكد ثالثًا رفض مبدأ الاستحسان والاستهجان ميزانًا للأخلاق والقيم.. فلو أن المجتمع كله فسد وانحرف، لا عذر للمرء أن يحمل فكر مجتمعه.. وهنا افتراق كامل بين الإسلام وبين التربية الحديثة.. الإسلام يدعو إلى ما أنزل الله، والتربية الحديثة تدعو إلى ما أقره المجتمع: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (المائدة: 104). والإسلام يقرر كذلك أن الحق الوحيد في الدنيا والقيمة الوحيدة الخالدة في الوجود هو الإسلام نفسه. «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه».

فأصل الفطرة الإسلام، وإذا كان ضمن هذا الإطار فهو تربية وهو نمو. وكل خروج على هذه العقيدة خروج على النمو الصحيح وتعسف في التربية. وإذا شئنا أن نقرر الحقيقة الثابتة الباقية هنا فيمكن القول: إن التربية هي النمو على ضوء الفطرة وضوء منهج الله. فإن كان النمو على منهج الله فهو تربية، وغير ذلك فهو تعسف والتواء، ويمكن أن يسمى كل شيء إلا التربية. ولابد من كلمة موضوعية في هذا الصدد هي أن الخبرة إن كانت في الجانب المادي في الحياة فهذا لا غبار عليه ولا اعتراض، إنما المرفوض منها هو اعتبار الخبرة في القيم والأخلاق والمثل من خلال البيئة الاجتماعية.

جـ – الاهتمام:

وجد في مطلع هذا القرن تياران متعارضان؛ يمثل أحدهما انطلاق التربية من الجهد، ويمثل الثاني انطلاقها من الرغبة والاهتمام. وقد مثل التيار الأول وليم هاريس عام 1909م الذي يقول: «إن مبدأ الاهتمام يفسد الطفل، وإن الشخصية دون بذل مجهود تصبح شخصية مائعة، وإنه يجب على التلاميذ أن يبذلوا جهدًا في التعلم، وعلى المدرسين عند الضرورة أن يجبروهم على بذل هذا الجهد حتى ينقذوا أرواحهم».

واستطاع جون ديوي فيلسوف التربية الحديثة أن يزيل هذا التناقض بتصحيح المفهوم بمعنى الاهتمام الذي ربطه بالجهد حين قال: «كل سلوك نشاط لا يتعارض فيه الاهتمام مع الجهد أبدًا، وإنما يكمل الواحد منهما الآخر، وإنه كلما شعر الفرد باهتمام أكبر كان الجهد الذي يبذله أعظم، وأن الاهتمام الذي يبذله الفرد هو في الحقيقة الخطوة الأولى الداخلية لنشاط له غرض، وأن المجهود الذي يبذله الفرد ما هو إلا المحاولة الخارجية لوضع هذا الاهتمام المرغوب فيه موضع التنفيذ». 

الرابط المختصر :