العنوان التربية والتعليم في العالم الإسلامي
الكاتب الدكتور عباس محجوب
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-1977
مشاهدات 190
نشر في العدد 361
نشر في الصفحة 10
السبت 06-أغسطس-1977
هناك بوادر بعث إسلامي يموج العالم الإسلامي بحركة ونشاط جديد يتناول حياة المسلمين أجمع، ولعل هذه الحركة راجعة إلى إحساس المسلمين بالمخاطر التي تهددهم والضعف الذي حاق بهم نتيجة بعدهم عن شريعة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقهقرهم عن قيادة البشرية وتجمد أفكارهم وقصور حضارتهم وعلمهم اللذين غيروا بهما أفكار الأمم وعاداتها ونظمها وأخلاقها وروحانياتها يوم أن كانت لهم الصدارة والزعامة للبشرية والتي هيأهم الله سبحانه وتعالى لهما ووصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، كما أحس المسلمون أيضًا بتخلفهم بالإسهام في تطور البشرية، وهزائمهم في ميدان السياسة والحرب وتسولهم في حلبة التمدن والتحضر، وعجزهم في مواجهة سيادة قيم الحضارة الغربية المشركة وانتشار الزحف الشيوعي الأحمر المهددين للمجتمعات الإسلامية.
هذه العوامل وغيرها دفعت -وكانت لا بد أن تدفع- المسلمين إلى التفكير فيما لحق بهم والبحث عن الطرق التي ينهضون بها من كبوتهم ليقدموا للبشرية أسمى رسالة وأصدق منهج وأقوم سبيل مما جاء به سيد البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام.
إن العالم الغربي -كما نعلم- قد غزا الشعوب الإسلامية غزوًا عسكريًّا سيطر به عليها حقبًا طويلة امتص من خيراتها ونهب ثرواتها وحارب قيمها ومثلها ودينها ولغتها، فكان الغزو الفكري والثقافي للمسلمين أخطر أسلحتهم وأقوى أساليبهم، ثم أجبرت انتفاضة هذه الشعوب المؤمنة -المستعمرين- بالإضافة إلى المتغيرات الدولية والاجتماعية - أجبرتهم أن يخرجوا بجيوشهم وأسلحتهم، بيد أن أفكارهم وسمومهم ونظمهم التعليمية - التي خططوا أبعادها - ظلت تسود العالم الإسلامي وتترك بصماتها في كل جانب من جوانب حياتهم، وكانت التربية هي طريق الغرب إلى ذلك حيث نجح هؤلاء في إعداد جيل من أبناء المسلمين بهر بحياة الغرب وفكره وجهل تاريخ الإسلام ونظمه، فنقل عن الغرب مناهجه التعليمية وأفكاره وأهدافه ووسائله التي تتعارض مع منهج التربية الإسلامية وأفكارها وأهدافها ووسائلها ولم يكتفوا بذلك ولكنهم أقاموا كليات –التربية- تسير على النظم التربوية في الغرب من حيث المناهج والأهداف والوسائل والنظريات والقيم والتصورات والمفاهيم، ونشطت حركة الترجمة لمؤلفات كبار الكتاب في علم التربية بمعناها الواسع وبعثوا بالخريجين -ولا زالوا يبتعثون- إلى تلك الدول ليعودوا إلى بلادهم بنظم تربوية وضعت لمجتمعات وبيئات تختلف عن مجتمعات المسلمين وبيئاتهم، وهم مخطئون في هذا ليس من منظور التربية الإسلامية فحسب بل من واقع التربية الغربية نفسها، والتي ترى أن عملية التربية في أمة وبلاد ليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل كالمصنوعات أو المواد الخام أو الحاجيات والمخترعات التي لا تختص ببلد دون بلد إنما هو لباس يفصل على قامة هذه الشعوب وملامحها القومية وتقاليدها الموروثة وآدابها المفضلة وأهدافها التي تعيش لها وتموت في سبيلها»([1]) فنظم التعليم التي تصلح في بلد ما لا تصلح ضرورة في بلد آخر، وقد ناقش علماء التربية في القرن التاسع عشر مسألة استعارة النظم التعليمية من بلد لآخر ووجدوا صعوبة ذلك بالنسبة للدول الأوروبية نفسها لما للعوامل المحلية المؤثرة من آثار تعوق إمكانية الاستفادة من النظم الأجنبية، ولن ينجح ذلك إلا إذا غيرت الأمة من نظامها الاجتماعي والسياسي وعاداتها وعقيدتها وسلوكها حتى تتلاءم ظروفها مع ظروف الأمة التي استعارت نظامها التربوي؛ فالقوى التاريخية والثقافية كما يرى كثير من رجال التربية لها تأثير كبير على النظم التعليمية وتوجيهها وكل نظام للتعليم نابع من التربة الثقافية التي يمثلها، ولا يمنع هذا من أهمية دراسة النظم الأجنبية دراسة علمية لأن ذلك يفيدنا كثيرًا خاصة في فهم روح نظامنا التعليمي.
ماذا نقصد بالتربية؟
لكي نعرف التربية التي نقصدها في مفهومها العام نرجع إلى تعريف نقله الأستاذ أبو الحسن الندوي من عالم التربية المعروف «جون ديوي» ودائرة المعارف الإسلامية يقول فيه: «إن التربية ليست إلا وسيلة راقية مهذبة لدعم العقيدة التي يؤمن بها شعب أو بلد وتغذيتها بالاقتناع الفكري القائم على الثقة والاعتزاز وتسليحها بالدلائل العلمية إذا احتيج إليها.. ووسيلة كريمة لتخليد هذه العقيدة ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة، وإن أفضل تفسير لنظام التربية هي أنها السعي الحثيث المتواصل الذي يقوم به الآباء والمربون لإنشاء أبنائهم على الإيمان بالعقيدة التي يؤمنون بها والنظرة التي ينظرون بها إلى الحياة والكون وتربيتهم تربية تمكنهم من أن يكونوا ورثة صالحين للتراث الذي ورثه هؤلاء الآباء عن أجدادهم مع الصلاحية الكافية للتقدم والتوسع في هذه الثروة»([2]).
كما يُعنى بها أيضًا «كل المؤثرات الموجهة التي يراد منها أن تصوغ كيان الإنسان وتهدي سلوكه في كل نواحي الحياة جسدية كانت أم عاطفية أم اجتماعية أم فكرية أم فنية أم أخلاقية أم روحية؛ فالتربية تشمل كل المنظمات والعوامل والأساليب والطرق التي تدخل في نطاق الفعاليات التهذيبية»([3])؛ فالتربية هي وسيلة المجتمع لأداء هذه المهمة وهي نقل الثقافة ودعم العقيدة وإرساء مثلها وقيمها ومبادئها في النشء، وعن طريق التربية تصوغ الجماعة أفرادها وتوجه سلوكهم وأخلاقهم وفق الأهداف التي يسعى إليها المجتمع ويبني عليها نظامه التعليمي ووفق الفلسفة التي تسود ذلك المجتمع.
وليس غريبًا أن تكون مبادئ الإسلام وفلسفته هي أساس النظام التعليمي للأمة المسلمة لقوة العلاقة بين الفلسفة التي تختارها الأمة وبين نظامها التعليمي؛ فالإنجليز يدينون بالفلسفة التجريبية، والفرنسيون بالديكارتية أو الوجودية والألمان بالمثالية والأمريكان بالبرجماسية والشيوعيين بالمادية الجدلية، وعلى أساس فهم تلك الفلسفات يستطيع المشتغل بالتربية المقارنة أن يسعى للتعرف على أسباب وجود النظم والسياسيات التعليمية في بلد ما بالوضع الذي هي عليه وأسباب قبول وجهات نظر معينة في مسائل تعليمية معينة في بلد ما وعدم قبولها في بلد آخر.
ولا ريب أن الفلسفة البرجماسية قد أثرت في توجيه النظام التعليمي الأمريكي وفي كل أسلوب من أساليب تنظيمه والعمل فيه، كما أن الفلسفة المادية الجدلية قد وجهت كل ناحية في النظام التعليمي السوفييتي وفي كل نظام تعليمي في الدول الشيوعية([4])؛ فالإسلام هو الذي يمثل الإطار الفلسفي الذي تتبلور فيه السياسة التعليمية في المجتمع المسلم الذي يعد أفراده بطريقة تختلف اختلافًا تامًّا عن الطريق التي تتبعها الآن في إعداد الشباب المسلم.
إن الصراع الذي يقاس منه التعليم في البلاد الإسلامية نتيجة طبيعية لتباين التيارات التربوية التي توجهه وتؤثر فيه، والمنهج الإسلامي في التربية والتعليم يجب أن يمثل الفلسفة التي نسير عليها في إعداد الأفراد في مجال التعليم ومراحله المختلفة من الناحيتين النظرية والعملية حتى يمكننا تحويل مجتمعاتنا من مجتمعات جاهلية إلى مجتمعات إسلامية حقًّا، وحتى يستطيع هذا المجتمع الجديد مواجهة متطلبات هذا العصر والتحديات التي تقف في سبيل أدائه لرسالته الإلهية في الأرض.
وفي سبيل الوصول إلى ملامح هذا المنهج وأهدافه لا بد من إبراز جوانب الضعف في النظامين التعليميين السائدين في العالم الإسلامي اليوم، وهما التعليم القائم على أساس ديني، والقائم على أساس مدني غربي.
([1]) أبو الحسن الندوي- نحو التربية الإسلامية الحرة ص11 ط ثالثة.
([2]) أبو الحسن الندوي- أهمية نظام التربية والتعليم ص12-13.
([3]) محمد فاضل الجمالي- آفاق التربية الحديثة في البلاد النامية ص127،ـ المدخل في التربية المقارنة ص15.
([4]) لورايز نقلًا عن وهيب سمعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل