العنوان التحديات التي تواجه الأدب العربي الحديث
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-1981
مشاهدات 71
نشر في العدد 550
نشر في الصفحة 26
السبت 10-أكتوبر-1981
عندما نرى الانحراف الشديد الذي يواجه الأدب المكتوب باللغة العربية في السنوات الأخيرة نعود إلى تحديات الصهيونية، تقول بروتوكولات صهيون في مادة «أدب» «وفي خلال القرون التي تنعت بقرون النور والتقدم وضعنا في أيدي الناس ضروبًا من مادة الآداب المنشورة بالطباعة. هي غاية في التفاهة. والقذارة والغثاثة. وبعد أن نقيم مملكتنا فهذه الأنماط من مادة الأدب ستظل على حالها سارية مسراها نروجها ونحث عليها».
«البروتوكول 13»
ولقد تناولت البروتوكولات رؤوس موضوعات هامة وخاصة فيما يتعلق بالحرية والصحافة والتعليم والشباب وغيرها من القيم والمؤسسات التي يندفع في العمل بها بعض من يظنون أنهم يخدمون أمتهم وأوطانهم، وهم في الحقيقة يخدمون الأهداف الصهيونية بغير ثمن، وهم ما أطلقوا عليهم تعبير «العميان».
ولقد جرى في السنوات الأخيرة تساؤل عريض؟ هو: لماذا لا يمثل الأدب المكتوب روح هذه الأمة؟ ولماذا تخلف وسقط وانحرف وضعفت قدرته على التعبير وضعف نقاده عن الأداء الصحيح؟ والمسألة أبسط من البساطة: ذلك أن هذا الأدب الذي نراه سواء في مجال الشعر أو القصة أو المسرحية، لا يستمد روحه من قلب هذه الأمة. ولكنه يستمد مادته من الفكر الوافد، وأغلب الذين يكتبونه لا يمثلون هذه الأمة وهم منحرفون في أساليب الأداء الوافدة، فضلًا عن أنهم رافضون لقيم هذه الأمةومقدراتها، إن أغلب هذه الكتابات هي حصاد الهشيم، وهي ركام الشعوبية الحاقدة الضروس، وهناك القليل والقليل جدًّا الذي حاول أصحابه أن يعبروا بإخلاص، ولكنهم ضاعوا في غمار التيار الأسود الذي حجب ضوء الشمس سنوات طويلة.
ونحن نرى اليوم أن معظم ما يكتب تحت اسم أدب وشعر وقصة هو شيء ملئ بالغثاثة والتفاهة والقذارة حقًّا. ونرى تلك الأسماء اللامعة التي مازال يسوقها الاستشراق شرقًا وغربًا من مؤتمر روما إلى مؤتمر إنجلترا إلى مؤتمر هذه العاصمة أو تلك من بلاد العرب يحملون معهم أحقادهم وخصومتهم وكراهيتهم للغة العربية وللعرب وللإسلام ولعامود الشعر والخليل بن أحمد وللمتنبي وللبارودي في العصر الحديث ولا ندهش عندما نجد واحدًا منهم يقول: «أدعو إلى قتل الفصاحة وإلى تجاهل البلاغة فقد أصابنا منها شر كثير»، وما يقوله هذا في العقد السابع من هذا القرن لا يختلف عما قال جبران وزملاؤه المهجريون في العقد الثالث: «لي لغتي ولكم لغتكم».
ولقد كان لتلك الفترة التي سيطرت فيها الشعوبية على الفكر الإسلامي والأدب العربي قبيل النكسة وبعدها، وهي مما لا تزال آثاره باقية وقائمة، أثرها البعيد في تلك الضربات التي وجهت إلى الأدب العربي وإلى اللغة العربية، وظهور هذه الصيحات المريضة التي حملت لواء كتابات أطلق عليها قصيدة النثر أو الشعر أو غيره من أسماء سرعان ما وجدنا من يدرس هذه الحالات ويصنفها ويؤرخ لها ويعطيها طابع الظاهرة، وكم من ظواهر كاذبة ظهرت في أفق الأدب العربي ثم انهارت وسحقت؛ لأنها لم تكن تملك حقيقة النسب الصحيح وهو الأصالة، ولم يكن هناك بد من أن يتصدى مستشرق مثل «جاك بيرك» إلى هذه المحاولات ويهلل لها ويكبر في كتابه في الأدب العربي المعاصر الذي أصدره عام ١٩٦١. وقد ظن وظنت معه مؤسسة الاستشراق أن ما كانوا يطمعون فيه من قضاء علىالبلاغة والأصالة في الأدب العربي قد تحقق على يد هذه المجموعة من الشعراء والقصاصين، وظنوا أنه إذا فتحت الصحف والمجلات ذات الألوان الزاهية أبوابها لمثل ذلك فإنما دخل هذا كله التاريخ، وأصبح حصارًا موجودًا وتيارًا واضحًا.. وكذبوا، فقد كان ذلك كله من خداع النظر ووهم الخاطر.
ذلك أن هذه الأمة قد عودتنا دائمًا أنها في خلال الأزمات الضخمة لا يستجيب الأدب لها ولا يستطيع أن يعبر عنها، وإنما الذي يعبر عنها حقيقة هو الفكر، وآية ذلك ما وصل إليه الباحثون فيما يتصل بأحداث مماثلة كالحروب الصليبية، ومقاومة التتار، والفرنجة، وغيرها.
إن هذه اللوحات التي تقدم سواء في القصة أو الشعر هي في تقدير الكثيرين «غثاء» لأنها لا تمثل حقيقة هذه الأمة. ولأن أغلب الذين كتبوها لم يكونوا إلا أتباعًا لهذا المذهب أو ذاك: ماركسية أو وجودية أو ليبرالية، وكلها مذاهب غريبة عن وجودنا العربي غير قادرة على تصور أعماق أمتنا وجوهرها الحقيقي.. فضلًا عن أن الذين تصدوا لتقويم هذا النتاج كله، والنظر فيه ونقده،إنما هم من هوامش هذه الأمة لأنهم لم يطبعهم فكرها ولا تراثها ولا قيمها. وهم في الأغلب شعوبيون يحملون في أعماقهم الحقد والخصومة، ويتطلعون إلى أن تسيطر على هذه الأمة: الماركسية أو الصهيونية أو غيرها، فتقضي على ذاتية هذه الأمة وكيانها. وقد كان هذا أملهم قبل النكسةوبعدها، ولكن أسقط في أيديهم عندما وجدوا هذه الأمة قد عرفت طريقها الصحيح وبذلك انهار كل هذا الذي قدروه ودرسوه وقننوه، مما يسمى «الشعر الحديث إلى أين» أو الأدب الواقعي، أو مذاهب كذا وكذا مما طرحت في آفاق الأدب العربي لتعايش أدبًا هي غريبة عنه وهو في مجموعه لا يمثل مشاعر هذه الأمة، وخير ما يمكن أن يصور هذه المرحلة تلك العبارات الواضحة الدلالة لواحد من القادرين على فهم نفسية هذه الأمة «نحن العرب لنا قيم وتقاليد؛ لقد تصور البعض أن من مظاهر التقدم أن يهدم هذه القيم والتقاليد تحت ستار التقدمية، وأن في الإمكان أن يسقط تراثنا، ولا يلتفت إليه، وأصبح العهد والوفاء والإخلاص نوعًا من الغيبيات لا يصلح في عصر العلم والتكنولوجيا، وكان طبيعيًّا أن ينقسم العالم العربي: فريق يرفض ويتشبث بقيمه وتقاليده وتراثه.. وفريق يحاول أن يركب الموجة الجديدة منفصلًا تمامًا عن ماضيه وتاريخه وقيمه الموروثة» في هذه الفترة وفي هذا الخضم من التيارات المتناقضة كدنا نفقد شخصيتنا ومقوماتنا أصبحت التقدمية هي تجاهل أو طمس كل القيم وكل التاريخ وكل التراث واستحداث لون جديد من العلاقات الاجتماعية لم نألفه ولا نرضى به، لأنه يتجاهل كل شيء نشأنا عليه وأصبح كل من يرفض الاندفاع مع التيار الجديد، إما رجعيًّا أو عميلًا أو متحالفًا مع الاستعمار. والأغلبية الساحقة من أمتنا ليست لا متحالفة مع الاستعمار، وليس لها أية انتماءات.
لقد رفضت هذه الأغلبية الدعوة الجديدة لأنها بعيدة عن تقاليدنا وقيمنا. ولقد بدأت هذه الدعوى توجه ضرباتها في ظل مفاهيم مثارة عن العروبة تلتمس مذاهب الغرب في القومية، وهي مذاهب ليست صالحة للتطبيق على العلاقات الجذرية القائمة بين العروبة والإسلام في ظل هذه النظريات الوافدة كان دعاة الأدب يدعون إلى الإقليمية أو إلى التجزئة أو إلى القوميات الضيقة ويفسرون هذه الأمة على ما ليس من طبيعتها الأصيلة التي لا تعرف إلا الترابط الفكري الإسلامي الواسع الجامع بين العرب والترك والفرس والمسلمين جميعًا تحت إطار «لا إله إلا الله». ولقد سقطت دعوة الإقليمية والقوميات الضيقة والوافدة. لأنها اعتمدت مذاهب لم تجد تقبلًا من ذاتية هذه الأمة. ولا ريب أن الأدب الذي كتب في ظل هذه المحاولات القسرية الباطلة هو أدب مضلل فاشل. وكذلك الحال عندما طرحت في إطار بلاد الإسلام الدعوات الماركسية والوجودية وحاول أصحابها أن يستقطبوا مجموعة من الكتاب والأدباء والشعراء والمسرحيين وغيرهم ليصنعوا منها «تراثًا» لهذا التيار الذي عجز أن يجد قبولًا في النفس العربية، والذي كان مفروضًا بالقسر دون أن يجد استجابة حقيقية، ومن هنا فإن هذا النتاج الأدبي كله لا يمثل حقيقة هذه الأمة، ولا جوهر نفسيتها أو مشاعرها أو يستمد من روحها ووجودها، إن من أكبر ما حاوله بعض النقاد وأساتذة الأدب في الجامعات هو محاكمة الأدب العربي الذي صدر عن النفس المؤمنة بالله التي تعرف حقيقة الإنسان وجوهره الجامع روحًا ومادة، ومسئوليته الفردية والتي تؤمن بالجزاء والحساب، من الخطر أن يحاكم مثل هذا الأدب وفق النظريات المادية والماركسية والوجودية والفرويدية التي تعتبر الإنسان «حيوانًا» باحثًا عن الطعام وباحثًا عن الجنس أو أنه جزء من المجتمع، وليس له ذاتيته الخاصة.
ومن أسوأ آثار النظريات الوافدة في نقد الأدب العربي ومحاكمته: تلك الدعوة المسمومة التي حاولت أن تفصل الأدب العربي الحديث عن مسار الأدب العربي كله منذ فجر الإسلام إلى اليوم فكل الدراسات تحاول القول بأن عصر الحملة الفرنسية هو أول العصر الحديث للبلاد العربية وأن ما سبق ذلك إنما يمثل عصر الانحطاط!!
ونجد أمامنا اليوم خطرًا ماثلًا هو ذلك الأسلوب الذي يكتب به بعض الأدباء العرب، ويخضعون فيه للأسلوب العربي المزدوج الذي يكتب به دعاة التغريب والذي يصبغ الجملة العربية صباغة غير أصيلة، ومن عجب أن بعض المجلات الأدبية والإسلامية تنشر لأمثال هؤلاء. ومع الأسف بعضهم من خريجي الأزهر. وقد يظن هؤلاء أن هذا تقدم، ولكنه من المحاذير الخطيرة التي يساق إليها كتابنا دون أن يدروا؛ ذلك أنهم إنما يباعدون بين الأسلوب العربي وبيان القرآن. ومن ثم تحدث تلك الفجوة التي يتطلع إليها دعاة التغريب مقدمة لعزل هذه الأمة وأسلوبها العربي عن نطاق البلاغة العربية الصحيحة ومن ثم تبدأ مرحلة تحول اللهجات العربية إلى لغات وهنا يكمن الخطر الذي يعد كل عربي ومسلم مسؤولًا عنه إن وقع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل