العنوان التجربة البرلمانية للجماعة الإسلامية في باكستان
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
مشاهدات 93
نشر في العدد 1176
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
«اتساع نطاق الأمية يُمكِّن القوى الإقطاعية من توظيفه لصالحها في العملية الانتخابية»
إذا كان مفهوم الحركة الإسلامية يعني اختصارًا ذلك الفصيل من القوى الإسلامية الذي يتبنى الإسلام منهجًا لحل مشاكل الأمة من خلال رؤية منهجية إسلامية شاملة. فإن الجماعة الإسلامية تعد من بين عشرات الفرق الدينية في باكستان أحد نماذج ذلك الفصيل من الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، وإذا كانت حركة الإخوان المسلمون في مصر هي الحركة الأم لكثير من القوى الإسلامية في دول عربية وربما إسلامية عديدة، فإن الجماعة الإسلامية التي أسسها مولانا مودودي في مدينة لاهور الباكستانية عام ١٩٤١م تعد أساس الحركة الإسلامية في منطقة جنوب آسيا، وتكاد تتشابه الظروف والخلفيات التي دفعت مؤسسي الحركتين في مصر وباكستان لتدشين حركتيهما الإسلاميتين، فقد كان للأوضاع الداخلية والمواقف الدولية من العالم الإسلامي عامل جوهري في نشأة الحركتين.
ومع أن اسم الجماعة الإسلامية قد يوحي لكثير أنها تتبنى خطًا جهاديًا مسلحًا على غرار أسماء جماعات أخرى، إلا أن الجماعة الإسلامية التي يرأسها القاضي حسين أحمد حاليًا تعتمد التحويل المجتمعي بطريقة سلمية، وحددت الجماعة منذ البداية البيئة المجتمعية التي يمكن أن تتحرك من خلالها، مركزة على المراكز الحضرية؛ حيث ترتفع نسبة المثقفين والمتعلمين، ولم تعط اهتمامًا يذكر للريف، لاعتبارات عديدة سنفصلها فيما بعد.
المشاركة السياسية:
بحكم المكونات الشخصية لأمير الجماعية الإسلامية المؤسس مولانا المودودي الذي بدأ حياته كصحفي وكاتب موهوب، كان طبيعيًا أن تنخرط جماعته في العمل السياسي منذ البداية، وكانت انتخابات المحليات عام 1951 هي التجربة الأولى في الميدان الانتخابي للجماعة التي استطاعت أن تبرهن على حضورها الفاعل في المدن، وخاصة العاصمة كراتشي في ذلك الوقت. وكانت النتيجة - كما يرى قادة الجماعة أن اتخذ النظام الحاكم، وكما هو الحال في عالمنا الإسلامي -موقفًا عدائيًا من الجماعة، لكن ذلك لم يؤثر كثيرًا على أعداء الجماعة في هذه المرحلة، حتى كان عام ۱۹۷۰م، عندما شاركت لأول مرة عبر التحالف مع قوى سياسية أخرى. في الانتخابات البرلمانية القومية، واستطاعت أن تدخل البرلمان عبر أربعة من أعضائها جاء اثنان منهم من العاصمة كراتشي وآخران من الإقليم الحدودي، واستمرت الجماعة الإسلامية في مشاركتها في العملية السياسية من خلال التحالف مع قوى سياسية أخرى، فحصلت على ۱۰ مقاعد في انتخابات ۱۹۷۷م، و ۱۰ مقاعد في انتخابات ۸5 و ۷ مقاعد عام ۱۹۸۸م، و 7مقاعد عام ۱۹۹۱م، وقد حرصت الجماعة على التنسيق أو التحالف مع القوى السياسية التي تتفق معها حول بعض المبادئ المشتركة أو لمواجهة قوى سياسية أخرى تراها الجماعة مصدر تهديد لهوية باكستان، غير أن انتخابات عام ١٩٩٣م. كانت نقطة تحول في الفلسفة الانتخابية للجماعة التي رأت أن الوقت قد حان لتخوض العملية الانتخابية بشكل مستقل عن القوى السياسية الأخرى استنادًا إلى رؤيتها في أن الأحزاب السياسية الأخرى التي ظلت تتحالف معها لا تختلف كثيرًا عن خصومها السياسيين، فحزب الرابطة الذي يتزعمه نواز شريف - من وجهة نظر الجماعة - ليس سوى واجهة مكررة لحزب الشعب الباكستاني الذي ترأسه بنازير بوتو، غير أن عناصر سياسية داخل الجماعة كان لها تحفظها على وجهة النظر هذه، وكانوا يرون أن الجماعة الإسلامية لم تنضج بعد شعبيًّا حتى تخوض المعركة الانتخابية بشكل مستقل، وأن الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف لا تزال خيارًا مناسبًا للتحالف معها بحكم المبادئ العديدة التي ترفعها، والتي تتفق إلى جانب كبير منها مع الجماعة الإسلامية، إلا أن القيادة العليا للجماعة كان لها رأيها الذي التزمت به الجماعة وعلى أساسها دخلت الانتخابات دون تحالف مع قوى أخرى، وكانت النتيجة الحصول على ثلاثة مقاعد داخل البرلمان الوطني، ومسجلة بذلك أدنى مشاركة سياسية لها داخل البرلمان، وكانت النتيجة متوقعة رغم الخدع العديدة التي استدرجت إليها الجماعة من جانب خصومها السياسيين الذين أوهموها بأنها القوة الثالثة في البلاد، ويمكنها أن تحصل على 40-50 مقعدًا دون مشاركة أحد، ويرى الكثيرون ممن تابعوا العملية الانتخابية في ذلك الوقت أن كثيرًا من المتعاطفين مع الجماعة الإسلامية آثروا التصويت لنواز شريف على الجماعة الإسلامية انطلاقًا من قناعة مؤداها أن منح الصوت للجماعة سيكون عديم الجدوى، نظرًا لتضاؤل فرص الجماعة أمام بنازير بوتو، هذا فضلاً عن أن الكثير من أنصار الجماعة كانوا يرون أن نواز شريف يعد رهانًا مقبولًا لمواجهة خطر أكبر يتمثل في بنازير بوتو، وما يمكن أن تشكله من تحدٍ لهوية باكستان –وقد كان – فقد نجحت بنازير بوتو بفارق طفيف كان يمكن التغلب عليه لو تحالفت الجماعة مع نواز شريف.
الجماعة الإسلامية ومحدودية القاعدة الشعبية:
هناك سؤال هام يطرحه الكثيرون حول محدودية القاعدة الشعبية للجماعة الإسلامية وتضاؤل مشاركتها في العملية الانتخابية رغم المناخ الديمقراطي الذي تحظى به باكستان مقارنة بمختلف دول العالم الإسلامي الأخرى؟ وبعيدًا عن إيجاد المبررات لوضعية الجماعة الإسلامية هناك حقائق هامة يجب الوقوف عندها:
أولاً: إن الجماعة الإسلامية تواجه أكثر من ٧٥% من الأميين في المجتمع الباكستاني، وهذه الأمية توظفها القوى الإقطاعية الأخرى لصالحها في العملية الانتخابية، فالمجتمع الباكستاني أو الأسس الإقطاعية يمنح رجال الإقطاع فرصًا عديدة للوصول للبرلمان من خلال آلاف الفلاحين الباكستانيين الذين يعيشون حياة أقرب ما تكون لحياة الاستعباد، فهم إلى حد بعيد يمكن اعتبارهم جزءًا من ممتلكات رجال الإقطاع الذين يوجهونهم وفقًا لرؤيتهم وتوجهاتهم هم، ويحرص هؤلاء الإقطاعيون على تكريس هذا الواقع الاستبدادي عن طريق حرمان الفلاحين في إقطاعياتهم من فرص التعليم وصرفهم تمامًاً نحو سياسة الرق الزراعي، والنتيجة الطبيعية أن رجال الإقطاع الذين يختلفون في مبادئهم - إذا كانوا أصحاب مبادئ -عن منهج الجماعة الإسلامية، يشكل السواد الأعظم من أعضاء البرلمان الوطني والإقليمي في باكستان، وهذا ما دفع الجماعة الإسلامية في باكستان للعمل على عدة محاور:
١- السعي لتوسيع القاعدة العلمية بين الفلاحين في القرى من خلال بناء المدارس وعلى مراحل مختلفة.
٢- تكثيف نشاط الجماعة من الطبقة المتعلمة والمثقفة في المدن، غير أن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى وقت طويل، وإمكانات مادية كبيرة أيضًا.
ثانيًا: إن ما يعرف بالمناخ الديمقراطي في باكستان حوله علامات استفهام كبيرة بالواقع الديمقراطي الذي نعيشه في باكستان، تتمتع به فئة محدودة للغاية في المجتمع الباكستاني، وهذه الفئة محصورة إلى حد كبير في رجال الأعمال الكبار والإقطاعيين وبعض المثقفين والمتعلمين، أما السواد الأعظم من المجتمع فهم موزعون إقطاعيًا بين الأحزاب السياسية.
ثالثًا: التركيبة السكانية والاجتماعية للمجتمع الباكستاني ذو الطبيعة العشائرية القبلية وهي موزعة كذلك بين الأحزاب السياسية الكبيرة، وفقًا لما تقتضيه مصالحها المختلفة.
رابعًا: تعدد الكشوفات الدينية المختلفة في باكستان التي تصل إلى عشرات الجماعات والأحزاب والتيارات، ويغلب على الكثير منها عدم وضوح الإسلام بصورته الحقيقية، وهذا يشكل عنصر تصادم مع الجماعة الإسلامية في البلاد.
خامسًا: البعد الخارجي وما يشكل من تحدي للقوى الإسلامية المخلصة في البلاد.
حول أداء الجماعة الإسلامية:
رغم كل هذه التحديات التي تواجه الجماعة الإسلامية في باكستان إلا أن ذلك لا يبرر لها في النهاية الحالة التي هي عليها الآن، فهناك حركات إسلامية في دول أخرى تشابه لها مثل بنجلاديش، واستطاعت أن تحقق قفزات ملحوظة في المشاركة السياسية من خلال الانتخابات، ومن خلال الحضور الشعبي في القرى والمدن على السواء، كما أن جزءًا من تحديات الجماعة الإسلامية في باكستان استطاعت أن تتغلب عليه الحركة الإسلامية في اليمن والأردن والكويت، وغيرها من خلال التحرك النشيط والدؤوب والمخلص، وعلى كل المستويات دون الركون إلى المعضلات التي تواجه هذه الحركات التي أصبح لها حضور متميز في برلماناتها الوطنية.
إن هناك شبه إجماع داخل وخارج باكستان على أن الجماعة الإسلامية يمكن أن تحقق أكثر مما حصلت عليه من مكاسب بالمزيد من العمل والمراجعة لسياساتها وإستراتيجيتها المستمرة داخل البلاد مستفيدة من تجارب الحركات الإسلامية الأخرى في بلدان العالم الإسلاميّ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل