; خلفيات تصعيد الموقف الفرنسي بخصوص الوضع في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان خلفيات تصعيد الموقف الفرنسي بخصوص الوضع في البوسنة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995

مشاهدات 72

نشر في العدد 1160

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

علاقة قوية بين التصعيد في الخطاب بخصوص البوسنة وحملة الاحتجاج ضد التجارب النووية الفرنسية.

منذ يوم 14 من يوليو الموافق للعيد الوطني الفرنسي، ووسائل الإعلام في العالم تتناقل أصداء الندوة الصحفية التي عقدها الرئيس الفرنسي جاك شيراك بهذه المناسبة، والتي تُبنى خلالها مواقف وصفت بأنها « صارمة»، و«حازمة»، بخصوص الوضع في البوسنة.

لكن بقيت أسئلة مطروحة حول مدى إمكانية تنزيل مثل هذه المواقف إلى الواقع وتنفيذ التهديدات المكررة ضد الصرب ووحشيتهم، وأبعاد مثل هذه الهجومات - إن تمت - في تغيير مأساة مسلمي البوسنة.

ولا يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات بدون محاولة فهم خلفيات التصعيد في الموقف الفرنسي خلال الفترة الأخيرة.

فمن حيث التسلسل الزمني، فإنَّ تصعيد اللهجة بخصوص الوضع في البوسنة خلال الندوة الصحفية بمناسبة العيد الوطني تزامن مع موجة الاحتجاجات على القرار الرئاسي الفرنسي في ندوة صحفية سابقة بالقيام بثماني تجارب نووية في منطقة موروروا بالمحيط الهادي.

 ولا شكَّ أنَّ لردود الأفعال الواسعة على هذا القرار انعكاساتٍ على المسار السياسي للرئيس الجديد شيراك، إذ لم تمض أشهر على دخوله الإليزي «القصر الرئاسي»، وبقيت أمامه سبع سنوات من الحكم في ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة، وعلاقات دولية معقدة، لكن القرار باستئناف التجارب النووية ومضاعفاته على الرأي العام في الداخل والخارج بدأت تستنزف، وتستهلك المصداقية والشعبية اللتين اكتسبهما الرئيس شيراك خلال الحملة الانتخابية الرئاسية.

وأمام هذا التطور في الاتجاه غير المرغوب «حيث تدل عمليات سبر الآراء الأخيرة على تناقص شعبية كل من الرئيس ورئيس الوزراء» فقد تحول إيقاف هذا النزيف على رأس أولويات أصحاب القرار في فرنسا، وظهر أن هؤلاء المسؤولين يفكرون في القيام بسلسلة من الاستفتاءات الشعبية حول القضايا الحساسة التي تهم المواطن الفرنسي

وفي هذا الصدد طالبت المعارضة بعرض مسألة التجارب النووية على الرأي العام الفرنسي في استفتاء شعبي بدل الإصرار على المضي في تنفيذ القرار الرئاسي دون الأخذ بعين الاعتبار بالاحتجاجات «الداخلية والخارجية».

وعملاً بالقاعدة التي تقول: إذا أردت أن تحول الرأي العام عن قضية داخلية فاصرفه وأشغله بقضايا خارجية، فقد جاءت التصريحات الرئاسية حول قضية البوسنة بخلفية أساسية، وهي محاولة إلهاء الرأي العام بهذه القضية الحساسة والتخفيف من حدة الاحتجاجات المتصاعدة على قرار استئناف التجارب النووية.

أضف إلى ذلك بداية التململ لدى قطاع من المثقفين بالخصوص، بخصوص الصمت المخزي للقوى الكبرى إزاء المذابح ضد مسلمي البوسنة، ومؤشرات هذا التململ قيام بعض الجهات الحقوقية والإنسانية بتظاهرات مختلفة رافعة أصواتها بالاحتجاج الشديد على عدم التدخل لمساندة أبرياء يواجهون قمعًا وحشيًّا, والمعروف بـ «التطهير العرقي»، وهو في الحقيقة «تطهير ديني» من طرف أرثوذوكس صرب متعصبين من أجل إقامة حلمهم بإقامة «إمبراطورية صربيا الكبرى».

ومن بين هذه التحركات والتصريحات على المستوى الفرنسي، قيام «تجمع باريس ضد التطهير العرقي» بمرابطة على زربية زرقاء اللون إشارة إلى تحول البوسنة إلى رقعة صغيرة، كلما هاجم الصرب وصمت الغرب.

كما قام طرف آخر بتجمع في منطقة تروکاديرو، قرب برج إيفل بباريس، طالب خلاله المتظاهرون بإيقاف مأساة البوسنة فورًا، وصرح من ناحيته شوارتزنبرغ أحد الوجوه العاملة في المجال الحقوقي والإنساني بمواقف شديدة اللهجة، من ذلك ما صرح به لإذاعة «فرانس أنفو» «فرنسا الإخبارية»، تعليقا على اجتماع لندن يوم الجمعة ٧٢١ بقوله: «لم تتم الإشارة قط إلى النساء المغتصبات، ولا إلى الجنود البوسنيين الذين قبض عليهم، وليس هناك معلومات حولهم, ولا شك أنَّهم قتلوا.. لقد حان الوقت أن تستفيق الشعوب, وتبرهن لحكوماتها بأنَّه لا قيمة لها, واعلموا أن هناك أمرًا مؤكدًا، فالغرب لا يفوز بالجنة .. كما أن انعكاسات سياسته ستترك آثارًا خطيرة؛ لأن الشعوب لن تستنهض من الخزي الذي تلحقه بها حكوماتها», والأمثلة على هذه الاحتجاجات متعددة.

● العقلية الديجولية:

ومن هنا، فإن العلاقة بين الإعلان عن التجارب النووية وتصعيد اللهجة حول الوضع في البوسنة شديدة؛ لأن المواقف الأخيرة تحاول كسر العزلة التي لقيتها فرنسا في الفترة الأخيرة بسبب القرار الأول، ودائمًا في نفس إطار محاولة استرجاع المصداقية في الداخل والخارج، فقد تزامنت الضجّة الفرنسية بخصوص البوسنة مع زيارة شيراك إلى أفريقيا، وبالتحديد في المغرب، وفي البلدان الفرانكفونية ذات العلاقة العميقة والتاريخية مع فرنسا، ومن بينها ساحل العاج، والجابون، والسنغال، وقد لقي الرئيس الفرنسي ترحابًا كبيرًا - على ما يبدو - في كل محطة من جولته الإفريقية، وربط المراقبون هذه الشعبية في إفريقيا بالمكانة التي يحتلها ديجول لدى الأفارقة، ولا شك أن هذه الجولة ساهمت في تعويض النقص في المصداقية

ولعل هذه الخاصية الديجولية من الخلفيات الأساسية في سياسة شيراك، وقد أثبتت المواقف من التطورات في البوسنة هذه العقلية الاقتحامية والرغبة في الظهور بمظهر التفوق في الطرح والممارسة، وقد أشار مدير صحيفة «لوموند» الفرنسية جون ماري كولومباني إلى هذه الخاصية لدى شيراك الديجولي تحت عنوان «الاكتفاء بالقليل»، وانتقد سياسة إعطاء الدروس للآخرين، ومحاولة حل كل المشاكل العويصة، وذهب إلى أن مواقف الرئيس التصعيدية هي بالدرجة الأولى انتقاد لسياسة رئيس وزرائه الحالي ألان جوبيه الذي كان وزيرًا للخارجية، وأشرف على الملف البوسني، وقال كولومباني: «... إن استئناف التجارب النووية بصدد توحيد الحكومات الأوروبية ضد فرنسا، في حين أن كشف التناقضات الغربية من طرف فرنسا يخدم بالطبع مصلحة «الصرب».

من خلال ما تقدم يبدو أن جانب المناورة السياسية هو الذي يغلب على الموقف الرسمي الفرنسي بالرغم من أنَّ بعض المراقبين يؤكِّدون على حسن النوايا، وأن الانتقاد الفرنسي للحكومات الغربية والأنجلو - ساكسونية مفهوم باعتبار أن الفرنسيين في الخطّ الأول للمواجهة في حال اتساع رقعة الحرب في البوسنة من حيث عدد الجنود، ومدى الانغماس في معالجة القضية، بالإضافة إلى عدم وجود حواجز جغرافية كبيرة داخل القارة الأوروبية تمنع الانعكاسات السلبية للأوضاع المتوترة في البوسنة على الساحة الأوربية الغربية على عکس ما هو قائم بالنسبة لبريطانيا وأمريكا اللتين لا تخافان من تهديدات مباشرة لوجود الحاجز الجغرافي الواقي لهما.

● حفظ ماء الوجه.

وانطلاقًا من هذا المعطى الأساسي، فإن المؤشرات القائمة تدل على أن التهديدات الفرنسية تندرج في إطار حفظ ماء الوجه بالدرجة الأولى قبل الانسحاب، ولعل تجميع القوات التابعة للأمم المتحدة بما فيها قوات الرد السريع في العاصمة سراييفو وضواحيها من الخطوات المعهدة والمستهلة لانسحاب أسرع وبأقل التكاليف.

ولا يستبعد أن يتم قصف بعض المواقع المحددة وبشكل جزئي للمليشيات الصربية حتى يقي الرئيس الفرنسي بوعده الجازم بالرد على الوحشية الصربية، بل إنه ذهب إلى تحديد نوعية الهجوم «قصف ثكنة» وليس مكان العمليات وإقامة رئيس العصابة الصربية كاراذيتش، ويتم تضخيم مثل هذا «الرد» قبل الإعداد للانسحاب بحجة أن جو الصراع والحرب لا يسمح للقوات الأممية القيام بواجبها .

وقد أشارت صحيفة «فينانشل تايمز» اللندنية إلى الخطة الفرنسية بقولها: «يمكن أن شيراك يستعد للانسحاب بطريقة ذكية من البوسنة والهرسك مع الاحتفاظ بكرامة فرنسا باتهام الآخرين - الأمم المتحدة، أو بريطانيا، أو الولايات المتحدة - أو الثلاثة معا بعدم التحرك ...».

فهل ستكون التطورات الأخيرة الضجة الفرنسية - اجتماع لندن - تجمع القوات الأممية بسراييفو بداية فصل جديد من المأساة في البوسنة؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.

الرابط المختصر :