العنوان الأردن يتهم المنظمة والمنظمة تتهم أمريكا وإسرائيل باقية
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 757
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 04-مارس-1986
- شرعية التمثيل تأني بالجهاد لا بالمناورة والمشاركة في الحلول السلمية.
- التنسيق الأردني- السوري مازال ضعيفًا وسوربا تركز على عزل عرفات.
الملك حسين يلقى خطاب المفاجأة
في الذكرى الأولى للاتفاق الأردني– الفلسطيني الذي تم التوقيع عليه في عمان 11 فبراير ١٩٨٥، شاء الملك حسين أن يعد خطابًا استغرق ألقاه من تلفزيون عمان يوم ١٩ فبراير الماضي حوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة، أعلن فيه وقف التنسيق السياسي مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بسبب عدم موافقتها على الاعتراف بقرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٤٢ بعد أن نجح- على حد قوله- في إقناع الولايات المتحدة بفكرتي الاعتراف بالمنظمة والمؤتمر الدولي.
وكرر الملك نقده لقيادة المنظمة من خلال أحاديث صحفية ومقابلات تليفزيونية مع مؤسسات أمريكية، ودعا الشعب الفلسطيني لفرز قيادة جديدة قادرة على الوفاء بكلمتها والالتزام باستعادة الأرض قبل الحديث عن تقرير المصير. والملك بهذا الخطاب يكون وكما قال هو نفسه قد أنهى فصلًا في كتاب عملية السلام وليس الكتاب نفسه. فلماذا انتهى هذا الفصل وما هي ملامح الفصل الجديد؟
أسبـــــــــــاب
المطلعون على العلاقات الأردنية - الفلسطينية يقولون إن هذه العلاقة التقت على الحد الأقصى المتمثل في اتفاق عمان الذي يقوم على مبدأ التحرك المشترك من أجل تسوية سلمية لما يسمى بأزمة الشرق الأوسط تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام من خلال مؤتمر دولي تحضره الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وكافة الدول المعنية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الشعب الفلسطيني. وبالرغم من أن الطرفين قد وقعا على الاتفاق وأرسلا وفدًا مشتركًا لعدة دول عربية وأجنبية إلا أنهما ظلا يختلفان حول تفسير بنود الاتفاق. وكما تقول مصادر مطلعة فإن الطرفين کانا يناوران ويشكان في بعضهما البعض الأمر الذي أوضحه خطاب الملك حسين.
فالاتفاق كان بالسنة للأردن تغطية فلسطينية للمفاوضات مع إسرائيل، وخطوة وقائية لحفظ النظام من فكرة الوطن البديل. وبالنسبة للمنظمة كان الاتفاق وسيلة لإثبات الوجود في أعقاب الخلاف السوري- الفلسطيني، ومناورة لتسويق المنظمة أميركيًا، ومحاولة تحقيق مكسب ما للشعب الفلسطيني يستطيع من خلاله حمل هويته الفلسطينية من خلال الكونفدرالية مع الأردن بالإضافة إلى مزية الاقتراب من الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة.
ولما فشل الاتفاق في تسوية المنظمة أميركيًا منذ رفض حكومة تاتشر استقبال الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك، ورفضت قيادة المنظمة الاستجابة لمطالب الملك حول الاعتراف بقرار 242 بعد رحلته الأوروبية الأخيرة، حيث التقى بالمبعوث الأمريكي ريتشارد ميرفي في لندن، وجد الملك أن المنظمة لن تعطيه التغطية ولا التفويض، كما أن عرفات لم يخبره بحقيقة موقف المنظمة الرافض لقرار 242.
هذه الأسباب إلى جانب سبب آخر أكثر أهمية هو شعور الأردن بأن الوقت يمر بسرعة. وأن مخاطر الوطن البديل أخذت تقترب.
تحرك أردني جدید
من الواضح ان الأردن يملك أوراقًا فلسطينية مهمة في الأردن نفسه وفي الأرض المحتلة، ولذا فإن الشيء الطبيعي أن يلجأ الملك إلى هذه الأوراق، ومن أجل أن يأخذ موافقة الفلسطينيين لتفويضه أو مشاركته في التفاوض مع إسرائيل دعا لاجتماع خاص مع النواب الذين يمثلون الأرض المحتلة، ونشط صلاته مع الشخصيات المحسوبة على الأردن منذ ضم الضفة الغربية لإمارة الأردن، والأردن يستعد لانتخابات جديدة بعد شهرين تم ترتيبها حسبما هو معلن حتى الآن بحيث يلعب البرلمان الدور الفلسطيني بدون معارضة تذكر.
ومع أن الملك دعا الفلسطينيين لاختيار قيادة جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنه أبقى الباب مفتوحًا أمامها لاستئناف التحرك المشترك، وذلك من خلال التأكيد على أن الخلاف هو مع قيادة المنظمة وليس مع المنظمة، والتأكيد على أنه لم يحب اعترافه بقرار قمة الرباط عام ٧٤ الخاص بالاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وكذلك من خلال التأكيد على أنه لن يدخل في مفاوضات مباشرة ومنفردة مع إسرائيل. كما أن الملك ظل يردد أن مضمون اتفاق عمان مازال ساريًا وصالحًا للعمل. وبعد الخطاب باشر الملك الاتصال بالرئيس المصري على عدة مستويات بعث في أحدهما رسالة كشفت مصادر مصرية أن مضمونها يتعلق بالتحرك الأردني القادم والذي يقوم حسب هذه المصادر على الخطوات التالية:
- اعتراف فلسطيني بقراري 242، 338 مع إقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
٢- مفاوضات مباشرة بين وفد أردني- فلسطيني وإسرائيل.
3- وضع تصور محدد لمؤتمر دولي تشارك فيه سوريا إلى جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وبقية الأطراف المعنية.
وأضافت هذه المصادر أنه إذا تمسكت الضفة بقيادة المنظمة سيطلب حسين منها الاعتراف غير المشروط بقراري مجلس الأمن لدفع المنظمة للاشتراك في عملية السلام، أو الضغط لكي تختار المنظمة قيادة جديدة أكثر مرونة واستجابة للمقترحات الأردنية.
ويذكر أن خطاب الملك أشار في بدايته للخلاف داخل قيادة منظمة التحرير. ولكن هل الملك جاد في تجاوز المنظمة أم أن خطابه الأخير يعتبر مناورة؟
اذا كان صحيحًا ما نسبته وكالة فرانس برس لمصدر أردني وصفته بالاطلاع أن خطاب الملك مثل «بالونة اختبار» لمعرفة موقف الأعيان الفلسطينيين في الأرض المحتلة بشكل خاص، قبل أن يحدد الخطوة المقبلة لحكومته، فإن الموقف الأردني الذي فأجا عرفات وأدهشه ربما يكون الهدف منه في النهاية هو تذليل عقبة عدم اعتراف قيادة المنظمة بقرار ٠٢٤٢ ومما يزيد من هذا الاحتمال هو انتقال انتقادات الملك من الإدارة الأميركية خلال السنوات السابقة إلى قيادة المنظمة لمجرد عدم رضوخها للضغوط الأميركية.
وربما يلجأ الأردن إلى تنشيط علاقته مع سوريا خاصة بعد اتصال حافظ أسد بالملك فور انتهائه من الخطاب لزيادة الضغط على قيادة المنظمة. وتنشيط هذه العلاقة يعتبر مقياسًا لمدى جدية الخطوة الأردنية في تجاوز المنظمة، وهر أمر مازال الحكم عليه صعبًا في الوقت الحاضر.
وهكذا فإن خيار الأردن هو إما الضغط على قيادة المنظمة للموافقة على ما امتنعت عنه وهو الاعتراف بقرار ٢٤٢ أو العمل على إيجاد أو بديل للقيادة الحالية، أو تجاوز المنظمة وإيجاد بديل فلسطيني بالكامل مع التنسيق مع سوريا. وكل من الخيارات له معوقاته وعقباته، لكننا نميل أن تكون الخطوة القادمة باتجاه الضغط على قيادة المنظمة، خاصة وأن ردود الفعل على الخطوة الأردنية في الأرض المحتلة وفي الشتات أثبتت بشكل مبدئي أن المنظمة مازالت هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وهو قرار قال الملك حسين إنه إذا كان القرار النهائي للشعب الفلسطيني فسيحترمه، ولكن ما هو رد فعل المنظمة؟ وما هو مستقبل ما يسمى بعملية السلام؟
خيارات
المنظمة من جهتها وعلى لسان ياسر عرفات أعربت عن استغرابها لموقف الملك وتمسكها باتفاق عمان، وألقت باللوم على الإدارة الأميركية التي رفضت الاعتراف بالحقوق المشروعة. ومن المتوقع أن تجتمع اللجنة التنفيذية للمنظمة والمجلس المركزي خلال أسبوعين لإعداد الرد الرسمي على خطاب الملك. لكن عرفات أعلن في مؤتمر صحفي في أنقرة في نهاية الأسبوع الماضي، أن المنظمة مستعدة لاستئناف الحوار مع الأردن وأنها ستقدم خلال أيام «صيغة» لاستئناف المفاوضات.
وتجنب لوم الأردن حيث قال إن الأردن عمل كوسيط، وكرر مطلب الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وقال «نريد ضمانات فقد تعلمت دروسًا من الماضي»!
أما عن خيارات المنظمة فقد أوضح أبو إياد أنها:
١- الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهو الخيار الرئيسي.
٢- تصعيد الكفاح المسلح.
٣- إذابة جليد العلاقات مع دمشق.
4- التحرك بسرعة على الصعيد العربي لشرح وجهة النظر الفلسطينية.
على صعيد الوحدة الوطنية وهو الخيار الذي أصبح أساسيًا لقيادة المنظمة منذ رفض حكومة تاتشر استقبال الوفد المشترك، تجددت الاتصالات مع الجبهة الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني، وقد التقى أبو جهاد في براغ في الأسبوع الماضي بممثلين للديمقراطية والحزب الشيوعي، وتقول مصادر إن هذين الفصيلين
سيوقعان على اتفاقية تنسيق مع قيادة المنظمة خلال أسبوعين.
اتصالات
وبخصوص العلاقة مع سوريا كشف أحمد عبد الرحمن الناطق الرسمي للمنظمة النقاب عن اتصالات تمت مؤخرًا في دمشق، وكان أبو إياد في لقاء مع الوطن الكويتية قد قال إن الحديث عن هذه الاتصالات يضر بها. والمعروف أن الاتحاد السوفياتي قد شجع قيادة المنظمة على هذه
الاتصالات بالإضافة للوحدة الوطنية.
وعلى الصعيد السياسي المباشر تراهن المنظمة على التنسيق مع مصر والعراق لتطويق الخطوة الأردنية. لكن مصر لا تملك أوراقًا مؤثرة وقد فشل أخيرًا مسعاها الأوروبي لإجراء اتصالات مع المنظمة دون التشاور مع الأردن حيث رفض اجتماع وزراء خارجية أوروبا يوم الثلاثاء الماضي الموافقة على إجراء أي اتصال بدول المنظمة لصالح المنظمة، أما العراق فهو مشغول بالحرب العراقية– الإيرانية، ولذلك فإن المنظمة ستتجه لموسكو في المقام الأول كما قالت بحق الفاينتشال تایمز البريطانية، وبالفعل توجه أبو جهاد لموسكو ومنها لبراغ، كما توجه لموسكو أيضا فاروق قدومي على رأس وفد فلسطيني مشترك لحضور المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، وتراهن المنظمة على دور سوفياتي في مؤتمر دولي يعقد لحل أزمة الشرق الأوسط، خاصة وأن الاتحاد السوفياتي بدأ يتطلع لتنشيط علاقاته مع الدول العربية التي توصف بالاعتدال مستغلًا ظروف تبرمها من مواقف الإدارة الأميركية المنحازة تمامًا للموقف الإسرائيلي والمماطلة في تزويدها بالسلاح.
ولكن الذي يملك الساحة هو الذي يملك الخيارات السياسية، لذلك يتوقع أن تعمل قيادة المنظمة جاهدة لتكريس قيادتها للشعب الفلسطيني باعتبار أن معركتها في الوقت الحاضر أن تكون أو لا تكون.
درس نفیس
ومن المتوقع أن تحدث تباينات في موقف الدول العربية بسبب تباين الموقفين الأردني والفلسطيني، وكذلك تباين المواقف الدولية. وسيتولى الأردن اتهام المنظمة، والمنظمة اتهام أميركا، فيما إسرائيل باقية لا تتزحزح عن الأرض قيد أنملة، ولذا كان عرفات صادقًا فيما قاله بأنه تعلم دروسًا كثيرة، فإن أهم درس ينبغي للمنظمة إدراكه هو عبثية الحلول السياسية وإجحافها بحقوق الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين. وأن الخيار الحقيقي لها هو تعميق صلاتها بالشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية والإسلامية على قاعدة الجهاد في سبيل الله لتحرير الأرض والمقدسات وخير رد على دعاة الحلول السلمية هو تركها تفعل ما تريد إن كانت تستطيع أن تفعل شيئًا، ومن هنا فإنه لا يصح أبدًا ولا يجوز أبدًا أن تكون القيادة الفلسطينية أو بعض الفلسطينيين ممسحة لأوساخ الصلح مع اليهود أو سترة لعورات المستسلمين.
ولتعلم قيادة المنظمة وليعلم الناس كلهم، أن القدرة على المناورة السياسية لا تهب الشرعية، ولا حق تمثيل الشعب، إنما الذي يفعل ذلك هو الكفاح المسلح والعمل الجاد على هدي من الله وبصيرة، ومن سلك غير ذلك فمصيره الهوان، قال تعالى: ﴿وعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡناۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـٔاۚ﴾ (النور:24).