; البوسنة والهرسك.. الدور القذر للأمم المتحدة في بيهاتش | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك.. الدور القذر للأمم المتحدة في بيهاتش

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

مشاهدات 72

نشر في العدد 1128

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

نجح التعتيم الإعلامي الذي مارسته القوات الدولية على الأبعاد الكارثية للهجمات الصربية على المناطق السكنية في بيهاتش في منع تأجيج الرأي العام العالمي، ومن ثم إجهاض أية محاولة ممكنة أو محتملة لاتخاذ إجراءات عقابية ضد الصرب، باعتبار أنهم يهاجمون منطقة اعتبرتها الأمم المتحدة حسب قرارها رقم (824) الصادر في مايو 1993م منطقة آمنة. وعلى غرار ما حدث مع منطقة (آمنة) أخرى هي جورازدي منع الصحفيون من دخول بيهاتش، بعد أن أدت حادثة السوق الشهيرة في سراييفو في الخامس من فبراير لهذا العام إلى وصول الضغوط الدولية إلى أعلى نقطة لها ضد الصرب في البوسنة، وبعد أن نجح الصحفيون في نقل أبعاد المذبحّة بعد دقائق من ارتكابها، وهو الأمر الذي يحاول الصرب والقوات الدولية تجنب تكراره.

وعلى مدى أسبوعين من معارك ضارية تضاربت أنباء الأطراف الثلاثة بشكل كبير: الجيش البوسني، والمليشيات الصربية، والقوات الدولية. ولوحظ أن الأخيرة عمدت إلى استباق الأحداث أكثر من مرة، وإذاعة أخبار كاذبة تضطر أحيانًا بعدها إلى نفيها، مثلما حدث عندما أعلنت عن سقوط مرتفع جرابيتش أقوى معقل صربي في البوسنة حرره المسلمون مؤخرًا، وكذلك الإعلان عن اختراق مليشيات المتمرد فكرت عبديتش خطوط الدفاع البوسنية عند بلدة فيلكا كلادوشا، ثم عادت بيانات القوات الدولية تنفي ذلك بعد أن أكدت القوات البوسنية أن زمام الأمور ما زالت في يدها.

أما المليشيات الصربية فقد أغدقت على أتباعها بالبيانات الكاذبة، وأكدت أنها أعادت كل الأراضي التي حررها المسلمون مؤخرًا في منطقة بيهاتش، وأنها تحاصر الآن المدينة نفسها، ولن تتوقف قبل اقتحامها والسيطرة عليها، فيما أكدت بيانات الجيش البوسني أن خطوط دفاعه ما زالت متماسكة في مواجهة أعنف وأعتى هجوم صربي منذ بدأت الحرب قبل واحد وثلاثين شهرًا.

ومن الصعب الآن تصور حقيقة الأوضاع على جبهات القتال هناك، لكن من السهل تخيل شراسة المعارك والمقاومة البطولية التي تبذلها القوات البوسنية في مواجهة هجوم ثلاثي من قبل صرب البوسنة، ومليشيات فكرت عبديتش، ومليشيات صرب كرواتيا في المنطقة المحتلة منها، والمسماة كراينا، والواقعة على الحدود البوسنية الكرواتية بموازاة منطقة بيهاتش. واستخدمت هذه القوات مجتمعة كل ما لديها من أسلحة وذخائر بما فيها الممنوعة دوليًا مثل القنابل العنقودية، وقنابل النابالم. وشاركت الطائرات الصربية في قصف المناطق المدنية بوحشية، وسقطت عشرات القتلى والجرحى من المدنيين وامتلأ مستشفى بيهاتش عن آخره، وناشد مدير المستشفى المجتمع الدولي التدخل وإنقاذ المصابين الذين لا يتناولون إلا وجبة طعام واحدة في اليوم بعد أن توقفت القوافل الإغاثية والطبية عن الدخول إلى المنطقة منذ الربيع الفائت.

وزاد من صعوبة الأوضاع أن هذه المنطقة محاصرة تمامًا من قبل صرب البوسنة وصرب كرواتيا، ولا تتلقى القوات البوسنية هناك أي نوع من الإمدادات العسكرية أو الإغاثية في مواجهة تدفق إمدادات بلجراد إلى المليشيات الصربية في البوسنة عبر الحدود التي أعلن الرئيس الصربي عن إغلاقها وصدقه المجتمع الدولي، وأعلن تخفيف العقوبات الاقتصادية عليه.

وكما سبق فإن بيانات القوات الدولية تجنبت إعطاء تفاصيل عن الأوضاع الكارثية في المنطقة، وأعطت انطباعًا عامًا بأن المسألة حسمت مقدمًا لصالح الصرب، ثم توالت تصاريح الشجب والإدانة من قبل المحافل الدولية إلى أن أعقبتها غارة قامت بها (ثلاثون) طائرة من طائرات حلف شمال الأطلسي على المطار الواقع في الأراضي الكرواتية المحتلة، وتستخدمه الطائرات الصربية التي تقصف بدورها المواقع السكنية للمسلمين.

واتضح بعد الغارة أن الأضرار انحسرت في عدة فجوات على مدرجات المطار يمكن إصلاحها خلال يومين، كما ذكر ذلك قائد سلاح الجو الكرواتي، وأن زعيم صرب البوسنة رادوفان كارازيتش كان على اتصال دائم قبل الغارة وبعدها مع المسؤول الأممي ياسوشي أكاشي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، وأنه كان على علم بموعدها.

ويذكر أن غارات الحلف السابقة كانت على نفس الوتيرة، ولم تصب سوى دبابة معطوبة، ومدفع متهالك خلال الغارتين الأخيرتين في البوسنة وبالقرب من سراييفو.

ورغم ضراوة المعارك فقد صدرت عدة تطمينات من الجانب البوسني، وقال القائد العام للجيش البوسني راسم ديلتش: إن اقتحام بيهاتش لا يمكن أن يتم عسكريًا إلا بسلاح المشاة، وهو ما لا تقدر عليه المليشيات الصربية، وكل ما في وسعها -حسب كلامه- أن تظل تقصف أراضينا ليلًا مع نهار، والقصف المدفعي لا يحقق سيطرة على الأرض.

وقال قائد الفيلق الخامس البوسني المسؤول عن الدفاع عن المنطقة: إن بلدة فيلكا كلادوشا لم تشهد قتال شوارع، كما ذكرت القوات الدولية، وأنها ليست محاصرة ولم تقتحمها قوات المسلم المتمرد عبديتش كما تردد.

الكروات نصف حليف

وإذا كان من الصعوبة رسم تفاصيل الأوضاع القائمة في منطقة بيهاتش وحساب المكسب والخسارة، فإن من السهل التذكير بأن الكروات احتفظوا بموقفهم المتردد منذ نشوب الحرب.

وكانت وكالات الأنباء العالمية قد طيرت خبرًا في مطلع شهر نوفمبر عن تحرير بلدة كوبرس بواسطة قوات مشتركة من المسلمين والكروات، لكنها غفلت عن ذكر أن القوات المسلمة كانت تتقدم صوب البلدة بسرعة، وأن نائب الرئيس البوسني أيوب جانيتش هدد الكروات خلال لقاء له مع تلفزيون زغرب، وقال لهم إن الجيش البوسني سيبقى مسيطرًا على كل أرض يحررها، وأنه لن يهديها للآخرين، فبلدة "كوبرس" ذات غالبية كرواتية، وتعتبر مدخلًا إستراتيجيًا لمنطقة الهرسك التي كان يطمع الكروات الانفصاليون في الاستقلال بها عن البوسنة، وإزاء ذلك اضطرت المليشيات الكرواتية إلى التقدم سريعًا، والمشاركة في القتال وتحرير البلدة التي كانت أول مدينة تسقط في يد الصرب في بداية الحرب لتستخلصها المليشيات الكرواتية الآن من أيدي المسلمين.

وبالقرب من بلدة أسياك معقل الكروات المتطرفين اجتمعت أعلى القيادات العسكرية والسياسية لمسلمي وكروات البوسنة في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر للتباحث في إمكانية التعاون العسكري بين الطرفين، وصرح عقب الاجتماع الممثل الكرواتي في القيادة العسكرية المشتركة أن خطة للتعاون المشترك سترى النور، لكنه أضاف: «سنتحرك كلما كان ذلك في مصلحتنا».

والمثير للدهشة أن قطع طرق الإمدادات الرئيسية والوحيدة التي تمر عبر برتشكو وبيهاتش قادمة من صربيا يعني الموت التدريجي لمقاطعة كراينا الكرواتية المحتلة، والتي تعتمد بشكل كلي على الإمدادات القادمة من صربيا، وبالتالي فإن تعاون المسلمين والكروات في قطع هذا الممر الحيوي يعود بالمصلحة الكاملة للطرفين، وهو الأمر الذي لا يفهمه الكروات، أو لا يريدون فهمه، ويبدون ترددًا شديدًا في ذلك.

وفي كل الأحوال فإن بشائر انشقاقات تبدو واضحة في صفوف الكروات أنفسهم بين المؤيدين للتحالف، والمعارضين له من أنصار الرئيس الكرواتي فرانيو توجمان.

ومن ثم يمكن تلخيص الأوضاع القائمة كالآتي: يواصل المسلمون تحقيق المزيد من الانتصارات على عدة محاور خصوصًا في الوسط والشمال، فيما يعانون من أوضاع صعبة وغير واضحة في منطقة بيهاتش، وتحاول الولايات المتحدة الأمريكية قطف ثمار الانتصارات المسلمة، ونسبها إليها عبر قرارها بالتوقف عن مراقبة شحنات السلاح لمنعها من الوصول إلى البوسنة، وسحب سفنها من بحر الأدرياتيك، وذلك في الوقت الذي يفشل فيه من جديد وسيطا السلام لورد أوين وستولتبرج في التوصل إلى حل شامل يلائم طرفي الأزمة الكرواتية (كرواتيا وصرب كراينا)، وتتعالى أصوات القيادات العسكرية الكرواتية باستخدام القوة لتحرير أراضيها المحتلة مما يبدو معه بشائر شتاء ساخن.

الرابط المختصر :