العنوان البريق الخاطف
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978
مشاهدات 38
نشر في العدد 411
نشر في الصفحة 34
الأحد 10-سبتمبر-1978
مرتبه في حجم البيضة. ضئيل وبيضاوي الشكل، يتدحرج من جيبه إلى يده، ومن يده إلى السوق وأبواب الإنفاق، فلا يصمد مدة طويلة، لا يكفي أيام الشهر الثلاثين.
صرخ في وجه ظهر له في المرآة، وهو وجهه المتعود أن يراه كلما وقف يحلق ذقنه أو يمشط شعره، أو يستعد للخروج فيلقي نظرة أخيرة على نفسه قبل الانصراف.
في ظهر يوم من أيام الخريف، وقف أمام المرآة يصرخ فقد فرغ جيبه من النقود، ولا يجد فلسًا واحدًا، وعشرة أيام باقية من الشهر، لا يعرف كيف يأكل فيها ويشرب ويدفع ثمن المواصلات، صارت حياته جافة جامدة، ولكن ما فائدة الصراخ؟ وكاد يضرب المرآة بقبضته الحديدية فيحطم الزجاج ويصيب يده بجروح، وعاد
يقول:
-وما فائدة ذلك أيضًا؟
ترك المرآة وراح يمشي في الحجرة ويبحث عن شيء يلهيه عن التفكير في مشاكله. إن الفقر يوجع جنبه، ويؤلم نفسه، ويعض بطنه، ويصدع رأسهظل يمشي داخل الحجرة التي يعيش فيها مع شخص آخر يشاركه الفراش وكل الأثاث، وإن كان الأثاث لا يزيد عن منضدة صغيره ومقعدين وحصيرة تحتهم.
في الحجرة الثانية يعيش شخصان غيرهما في الشقة أربعة أشخاص، والمطبخ مشترك بينهم وكذلك الحمام.
جلس على فراشه بعد أن تسلل إلى جسمه التعب لا فائدة من الصراخ، ومن المشي، ولا حل هناك إلا أن يمد يده يطلب دينًاهذا هو حل كل شهر، ولتتضاعف الديون طعام الغداء متوفر إلى حد ما اليوم، وغدًا جوع، وصيام مفروض.
استلقى على الفراش لعله يجد في النوم راحة، غير أن عينيه لم تستسلما له.
جاء صاحبه الذي يشاركه غرفته لمح على وجهه سؤالًا يلمحه عند نهاية كل شهر. قال وهو يخلع حذاءه:
-أتريد نقودًا؟
-نعم.. دائمًا تفهمني.
-لا تحمل همًّا.
-أشكرك من كل قلبي.
-أنت معذور يا محمود.. مرتبك لا يكفي.
-خمسون دينارًا.. أدفع منها عشرين وهو ربع إيجار الشقة.. وأرسل عشره لأولادي.. والباقي كما تعلم موزع بين الأكل والشرب والتدخين والمواصلات.
لبس صديقه جلبابًا وجلس بجانبه على الفراش وقال:
-إن بعد العسر يسرًا.
قال محمود مبتسمًا:
-ها أنا أنتظر اليسر.
-وما أخبار أولادك؟
-أرسلت لي زوجتي تقول إنها مستعدة أن تأتي كي تعيش معي بأي مستوى.. وإن نامت على الأرض وجاعت.. وتؤكد أن أولادي الصغار مثلها من الصبر وقوة الاحتمال..
ولكن كيف أرسل لهم والمرتب لا ينفع ولا يشفع..؟
-معك حق.. الآن تعيش معنا حتى يأتي الفرج.
-أنا كل يوم أصرخ في المرآة من الفقر والحاجة.
نهض الصديق يقول:
-تعال إلى الطعام.. البطن تولول.
جلسا أمام المائدة المتواضعة يأكلان، قال الصديق:
-بدلًا من الصراخ في المرآة .. اسال الله أن يرزقك بعمل يغطي كل مشاكلك ويفيض.
انتزع اللقمة من فمه ليكون خاليًا و يقول:
-أنا لا أريد أن يفيض مالي.. أريد
أن أغطي كل نفقاتي وأعيش كخلق الله.
- سيأتي اليوم الذي تعيش فيه كما تحب.
انفتح باب الشقة، ودخل أحد السكان الأربعة، وما أن وقع بصره على محمود حتى هتف:
- فرجت - اترك طعامك واكتب طلبًا حالًا.
قام محمود ينطق بفرح:
- أحقًّا ما تقول؟
- نعم.. سأقدم طلبك بنفسي صباح غد إلى المدير.. سيتم تعيينك معنا في الوزارة بمرتب يتجاوز المائتين.
وتعانق الصديقان، وغمرت الفرحة أرجاء الشقة وفي غضون شهور قليلة، انتهى فيها الخريف، وأقبل فيها الشتاء، انتقل محمود من حالة الفقر إلى حالة اليسر. وأصبح ينظر في المرآة في كل وقت بوجه يبتسم دائمًا واشترى سيارة فولكس صغيرة، وحصل على إجازة قيادة. وبات يحلم بشقة خاصة به يفرشها لأسرته قبل أن يرسل إليها، ألم تقل له زوجته إنها مستعدة أن تقيم معه بأي مستوى؟ المرتب يكاد يكفي إيجار الشقة وقسط السيارة ونفقات محدودة.
بدأ محمود يعيش في استقرار وازدهار، وأجر شقة بمائة دينار، وفرشها كما تمنى من قبل. لم تكن الأمنية غالية، وسدد ديونه كلها وفي نفس الوقت قام بإجراءات قدوم الأسرة، وذاق طعم الحياة الرغدة.
ورأى نجوم الليل مضيئة، وعلق صورة طفل يضحك على الجدار، ووضع بعض الزهور الصناعية في أكثر من ركن، واهتم بملابسه كموظف في الوزارة محترم، وكان يقول عن نفسه إنه محمود المسعود.
في ضحى يوم من أيام الربيع، وصلت البرقية القائلة إن الأسرة قادمة مساء الخميس. حمل البرقية وطار بها إلى كل الأصدقاء.
لم يشعر بسعادة كتلك السعادة التي أسكرته وقال لصديقه القديم شريك الحجرة فيأيام الفقر:
- عندي ولد وبنتان.. الولد هو الأكبر.. ويبلغ من العمر تسع سنوات.. ومع ذلك أحس أن في مساء الخميس القادم عرسي.. سأتزوج لأول مرة وأعيش من جديد.
قال صديقه يذكره:
- كنت دائما أقول لك إن بعد العسر يسرًا.
- وانتظرت اليسر وصبرت ونلت.
- صبرت طويلًا يا محمود.
- الحمد لله.. الحمد لله.
قال الصديق..
- سأذهب معك إلى المطار يوم وصول الأولاد.. أنت تعلم أن سيارتك صغيرة.. ومن المؤكد أن الزوجة تحمل معها حقائب كثيرة.. وسيارتي كبيرة.
- أشكرك.. أنت دائمًا تقف معيفي كل الظروف.
وحل مساء يوم الخميس المنتظر، وأتت زوجته تحمل طفلة على كتفها، خوفًا من أن تضيع في الزحام، وتجر بنتًا بذيلها، وتمسك ولدًا بيدها وخرجت الحقائب وراءها، واستقبلهامحمود استقبال العريس لعروسه، وأخذ الطفلة في حضنه وأمطرها بالقبلات، وكذلك البنت الثانية والولد ثم قدم الأسرة كلها لصديقه الواقف غير بعيد.
انتقلت الحقائب إلى سيارة صديقه الكبيرة، ونظرت الزوجة إلى تلك السيارة بإعجاب، وهمست في أذن زوجها:
- أهذه سيارة صديقك؟
- نعم.. إنها فخمة.
- جميلة جدًّا.
- سيارة دودج بيضاء.
- وأين سيارتنا؟
- هذه هي. فولكس زرقاء.
نظرت إليها الزوجة بوجه عابس وكأنها توشك أن تركلها بقدمها، ومن حيائها لزمت الصمت، ولما ركبت بجوار زوجها،ورمت الأولاد في المقعد الخلفي قالت:
- إنها صغيرة جدًّا.
- مصنوعة لأسرة صغيره مثلنا.
قالت بضيق:
- ألن تكبر الأولاد؟
انطلق بالسيارة صامتًا أطفأت زوجته نار الشوق التي اشتعلت في الأعماق، وأفسدت ليلة العرس. يا لها من زوجة لا تحسن التصرف. أنسيت أنها أرسلت من قبل تقول إنها مستعدة أن تعيش معه بأي مستوى؟
لاحظ أنها كانت تلتفت خلفها لتنظر إلى ضوء السيارة الكبيرة التي تتبعهم. وعندما قالت:
- من الآن.. يجب أن تفكر في شراء سيارة كبيرة.
أحس بالقنوط وبهبوط مفاجئ. وعاد العبوس إلى وجهه. ولو نظر في تلك اللحظة إلى المرآة لرأى وجهه القديم الذي كان يراه، وفكر في أن يصرخ، ويحطم الزجاج، فليست الحياة تستحق كل هذا الكفاح وكل ذلك التعب.
كان الصغار يلعبون على المقعد الخلفي ويسألون أين هم؟ وكان أبوهم يقود السيارة بذهن شارد، ونفس حزينة، وأمل خائب، وكانت أمهم تحلم بسيارة كبيرة كسيارة الصديق، أو كالتي تراها في الطريق.
انتهت
تنويه
نشرنا في العدد الماضي موضوعًا تحت عنوان -في ظلال زكاة الفطر- وقد سقط اسم مؤلف المقال الدكتور محمد رواس قلعجي سهوًا. فمعذرة للسيد كاتب المقال وللقراء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل