الثلاثاء 15-أكتوبر-1974
قصة في وداع رمضان
إعداد الأخت/ فاطمة عصمة زكريا
لفت نظري في محل تجاري لبيع ألبسة جاهزة للأطفال امـــرأه على غاية من الضيق من شدة الحر، وكانت تشكو شدة العطش. ومما شد انتباهي إليها أكثر زيادة تضجرها من الصيام وكيف حصل في هــذه الأيام الحارة، وسأصف المشهد بأكمله ليكون القـراء عــلى استيعاب للمنظر: وجهها مقطب واليد تلوح أمامه ذات اليمين وذات اليسار كأنها رقاص ساعة مضطرب، كما تصبب منها العرق ممزوجًا بالمساحيق المختلفة يخاله الناظر غسالة فرشاة رسام، الثوب مينى وكل هذا مع جلوس على أحد كراسي المحل المعدة للزبائن، تلهث لهث المغشي عليـــه من التعب، وصاحب المحل تــرك البيع ليهتم بإحدى زبائنـــه المتعبات وبيده كأس من الماء يرش بها وجه المرأة العطشى، وابتدأت منه الفتاوى تنهال: « افطري يا آنسة؛ فحرام عليك الصوم في هذه الحالة نريد أن ينتهي شهر رمضان وترتــــاح حسناواتنا من هذا العذاب».
وبمثيلات هذه الألفاظ المتجرئة على دين الله اقتنعت هــــــذه الإنسانة بوجــــوب الإفطار، وأخذت الكأس منه وشـــربت وصبت بقية الكأس على وجهها الذي غير لها كل الملامح، ولم تعد كما عهدها صاحب المتجر «حسناء». هنا انتفضت برشاقة لتشكر البائع وتطلب منه مرآة، وبسرعة فتحت حقيبتها الأرجوانية لتخرج منها عدة من المناديل وأقلام الروج وبقية المساحيق لتعيد «ديكور» وجهها، وكانت تردد: الحمد لله لقد انتهى رمضان ولم يبق منه إلا يومان ويأتي العيد. تأملت أنا المشهد وكم حز في نفسي ما رأيت وما سمعت، تمنيت حتى لو لم أخرج من البيت حتى لا تتألم عيناي بما رأيــت، أو بالأحرى حتى لا يدمع قلبي بما سمعت. حقًّا انتهى رمضـــان وقد كان المسلمون الأوائل يودعونه بالبكاء والنحيب، بكاء المفارق لشهر طاعة الله، شهر فيه العبادات يؤديها العبد بقلب مفعم بالإقبال عليه تعالى خاصة لوجود فريضة الصوم التي هي في العام مرة وقد نسبها اللـه تعالى لنفسه فقد جاء في الحديث القدسي «... إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». تركت الشـــــراء وخرجت وأنا تائهة متسائلة: ألهذا الحد وصل المسلمون؟ أبهذه العقيدة نريد أن نلقـــى الله تعالى في يوم لا مفر منه؟
تذكرت قوله صلى الله عليـــه وسلم «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش»، وتذكرت أيضًا قوله صلوات الله عليه: «إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته». تذكرت الأحنف بن قيس لما قيل له: «إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفـــك فقال: إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه».
يا حسرة على العشر الأواخر من رمضان! كان صلى اللـه عليه وسلم كما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها «كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر» هكذا كان فعله صلى اللـه عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فماذا ترى نحن فاعلون؟ أبمثل تلك العالة على الإسلام؟ أم بمثل الشيخ المفتي صاحب المخزن؟
وتابعت سيري بخطى وئيدة وقد انتابتني الأفكار المتلاحقـــة بما أرى من مناظر الشوارع من متخنفسين ومترجلات، إلــي شهر طاعات وعبادات، إلـــي تذكرة الموت وعذاب القبر إلــي لقاء اللـه، وأخذت أتساءل: ترى من السعيد منا في هذا الموقف فنهنئه؟ ومن الشقي فينـــا فنعزيه بشقوته؟ وأفقت من أفكاري على صوت اصطدام سيارة! وتجمع الناس بالعشرات وكانت تتردد على ألسنتهم لقد ماتت سائقـــة السيارة!! كان الحادث بالقرب من مكاني. دفعني فضولي للنظر إلى ضحية الحادث فاذا بها!! تلك المرأة العطشى التي كانت تلهث من شدة الحر. لقــــد غيرت ملامح وجهها الدماء بدل الأصبغة ولم أعرفها إلا مــن الثوب الذي كانت ترتديه وفردة الحذاء الهرمي الذي كانــــت تلبسه!! إنا للـه وإنا إليه راجعون، حقًّا إنها لعبرة ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق :37).
رحماك يا إلهي، لقد طمع المسلمون كثيرًا في رحمتك فجُدْ علينا يا إلهي بإصلاح قلوب عبادك المسلمين، اللهم إني أسألك في هذه الأيام المباركة التي بها ليلة خير من ألف شهر أن تجود علينا بالتوبة والمغفرة، ولا يسعني في هذه الأيام إلا أن أعترف بما ربح به الصائمـــون وبما فاز به القائمون وكيف نجا المخلصون وبقي أمثالنا عبادك المذنبون فارحمنا يا إلهي برحمتك وجُدْ علينا بفضلك ومنتك واغفر لنا أجمعين ووداعًا لشهرنــــا الكريم. وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين.
- أم عصام-
«دنيا الأسرة» وتشويه الإسلام!
في الأسبوع الماضي وفي برنامج دنيا الأسرة لقاء أذهل العلماء وحير عقول الناس منهم متردد ومنهم مؤيد ومنهم معارض.. ففي لقاء ضم الشيخ علي عبد المنعم ومقدمة البرنامج فاطمة حسين.. دار نقاش.. فعن ماذا كان النقاش؟ هل كان عن الصيام وشهر رمضـــان الذي هو أفضل الشهور عند الله؟ أم عن ليلة القدر؟ أم عن صلاة القيام وكف اللسان عن القيل والقال؟ أم عن فائدة الصوم وتعليم الأطفال عليــه في هذا الشهر الفضيل؟ أم عن ازدياد انتشار المسلمين والمسلمات في المســاجد والاستجابة لنداء الله؟ لا.. لم يكن الحديث في هذا ولا في ذاك وإنما كان الحديث غريبًا عما توقعه الناس.. لقد كان الحديث في هذه المرة عن سبب احتشام المرأة.. تلك الظاهرة التي يجب أن يفرح لها كل من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
إن الحديث كان يمتاز بأسلوب سخرية وتجرؤ على من امتثل أوامر الله من الشباب والشابات والذين أكرمهم الله بطاعته.. وكان من المفروض على مقدمة البرنامج إن كانت حريصة على التوعية لبنـات جنسها أن تناقش وتعرض عليهم مشاكل الاختلاط الذي ذهبت ضحيته الكثير من الفتيات، هذه المشكلة التي زادت في شهر رمضان المبارك.. كان يجب عليك أن تقولي يا مقدمة البرنامج لهؤلاء الفتيات المتبرجات وأولياء أمورهن: اتقين اللـه وحاسبن أنفســكن قبل أن تحاســــبن وتداركن الموقف قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.. ولكن مقدمة البرنامج مع الأسف الشديد تتجه اتجاهًا منحرفًا فتسخر– وبكل ســـهولة وهي تبتسم- بشعائر الله وتنكر آيات اللـه.. آيات الحجاب. يقول اللـه تعالى ﴿وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النور: 31).
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ﴾ (الأحزاب: 59).
أما الشيخ فقد كنا نتوقع منه غير هذه الاجابات التي أدلى بها باعتباره عالمًا من العلماء لقد كان من المفروض عليه أن يقف موقفًا حازمًــا تجــاه أسلوب الســـخرية الذي وجهت بـــه أسئلة مقدمـــة البرنامج وأن يشـــجع الفتيات والفتيان المتمسكين بالإسلام على الثبات على مبادئهم القيمة وعقيدتهم الخالصة وأن يدعو لهم ويحثهم
على التزود من طاعة الله فهم أساس المجتمع فهم اللبنة الأولى والأساسية في نهــوض المجتمع وتقدمه.. فالمجتمع لا ينهض باتباع كل ناعـــــق من المقلدين الذين فقدوا السيطرة على أنفسهم وقلدوا الغـــرب الذي ابتعد من كل صـفة للإنسانية. إنه من الواجب على فضيلة الشيخ أن يقول كلمــة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم.. فالمجاملة أمر لا ينبغي للمسلم أن يتخذها أسلوبًا لنشر الإسلام.. إن الإسلام لأنصع من أن يحتال على الناس لكي ندعوهم إليه، إنه واضح كالشمس في رابعة النهار فلا حاجة للف والدوران من إقـــرار عقيدة لا إله إلا الله وشعائر الإسلام وتعاليمه.
إنني أناشد المسؤولين في الدولة ألّا يتيحوا لعابث فرصة للطعن في الإسلام وانتقاص أهله وأن يأخذوا الأمر بحزم فإن الشر إذا وقع لا يخص المذنبين وحدهم بل إنه يعم الجميع.. اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، والله أسأل أن يغفر للمسيء خطيئته وأن يلهم الجميع رشدهم ويوفقهم لفهم دينه والدعوة إليه والله المستعان.
أختكم في الله أم أنس الفلاح
﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24)
1 - مسؤولية الأمانة:
يا ترى عن أي شيء هــــم مسؤولون؟
هل عن صلاة تركوها؟ أم عن صيام امتنعوا فيه عـن الطعام والشراب فقط؟ أم عن
زكاة لم يؤدوها؟ أم عن حـج رفثوا وفسقوا وأكثروا فيه الجدال؟ أم عن حرام ارتكبوه؟ أم عن حلال حرموه؟
هذه كلها مسؤوليات جزئية يحاسب الإنسان بقدر تقصيره فيها ولكن هناك مسؤولية كلية ألا وهي مسؤولية الأمانة التي عرضها الله سبحانه وتعالـــى على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72).
يا تری ظلومًا لمن؟ وجهولًا بمَ؟ وما الأمانة التي حملها هذا الإنسان؟ هل ظلوم لغيره؟ ذلك ظلم إن طال فهو محدود بأجل هذه الدنيــا.
هل ظلوم لنفسه؟ نعم.. ولماذا؟ لأنه جاهل.
يا ترى ماذا يجهل؟ هل يجهل علوم دنياه؟ كلا فإن الكافر قد بلغ فيها مبلغه الواسع في المجالات المختلفة ولكنه خبر القرآن هو جاهل.
إذن قد تبين الجهل بأي شيء.. إنه الجهل بالعلوم الأساسية.. العلوم التي تبين كيف جاء هذا الإنسان على هذه الأرض.. العلوم التي تبين غاية وجود الإنسان على هذه
البسيطة.. العلوم التي تخبر عن مآل هذا الإنسان حينما يغادر هــــذه الأرض.. ألا
وهي العلـــوم الإسلامية.
مما سبق يتضح لنـــا أن الأمانة الكبرى مكنوزة في تنفيذ وتطبيق محتوى هـــذه العلوم وليس من المعقول تنفيذ شيء إلا بعد معرفته وتعلمه وبهذا يقضي على الجهل بسلاح العلم الشرعي فتؤدى الأمانة التي أمرنا ألّا نخونها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 27-28) إذن تعلم العلم الشرعي مسؤولية، الكل مسؤول عنها أمام الله تبارك وتعالى يوم القيامة إذا ما أهملناها.
2- مسؤولية الشهادة
هذا جانب مفقود بالنسبـــة للسواد الأعظم من الناس في المجتمعات الإسلامية والجانب الثاني هو أنهم يشهدون شهادة الإسلام «لا إله إلا الله محمد رسول اللـه»، ولكن السؤال: هل هم يشهدونها بعــــد إدراك لمقتضاها أم يشهدونها عاطفة ووراثة؟ الجواب من الواقــع أنها شهادة عدم إدراك لذلـــك المقتضى لأن الكثير يرددها ولكن لا يقوم بأي عبادة من العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحـــج إلخ. والكثير يذكرها لا يتعدى هذا الذكر طرف اللسان لأنهم لم يلتزموا بأي حكم من الأحكام الشرعية مثل أكلهم الربـــا وشربهم الخمر واقترافهم الزنا وأكلهم مال اليتيم وقتلهم لأوقات حياتهم باللعب واللهو الــــذي يصرفهم عن غايتهم الأساسية إلى غير ذلك من الأحكام المتروكة أو المخالفة. هذا دليل حـــال يدل على أن إدراكهم لمقتضــــى «لا إله إلا الله محمد رسول اللـه» معدوم إذن فالشهادة العاطفية الوراثية هم مسؤولون أمام الله تعالى عنها يوم الحساب لأن معنى الشهادة هو الإقرار بعد العلم بأنه لا معبود إلا الله وأنه لا طريق إلا طريق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه والمعلوم أن الإقرار بشيء ينافي الجهل به وهذه حقيقة مـــن حقـــــائق الإسلام يشترط التسلح بالعلم للإقرار بها.
سلمان سعيد
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل